وَلَكِنْ أَيُّ حُمَّى ؟

 

نصّ” مذكّرات معتوه” واسطة العقد في المجموعة القصصيّة فكانت سميّتَها، مزاجٌ بين العقل والجنون وذاك العتهُ، كلام لا يُعقَل على نحو ما عرفت وألفتَ من نصوص القصّ أيّها القارئ: “أحداث ملفّقة وطوفان من التّفاصيل والتّلافيق وجدر من التّشويق والتّسويف والوعود الكاذبة”، نصّ لا يسعى إلى إرضاء قرّائه فيستجيب لأفق انتظارهم فيستمتعون بل يغويهم ويدهشهم ويخيّب منتظرهم حتّى يسائلوه:”اترك قارئك ينعم ببرد الرّاحة ولا تجعله لاهثا خلفك دون أن يمسك بأطراف عملك”، نصّ يُلذُّ بشهوته المحرّمة ولا يُمْتِعُ باحتذاء السّنن بل بخرقها:” أنتم تنتظرون أحداثا وأزمنة ولكنّنا لا نريد إلّا إزعاجكم لا غير، وأن لا نكتبها نحن فقط بل عليكم أن تشاركونا في عمليّة الكتابة لا القراءة، وأن نتّفق على أن لا يكون لها زمن”.

هذا نصّ مستحيل، نصّ” من نصوص البدايات المفتوحة، إنّها تكتب وتقرأ. إنّها لا تبلغ كمالها كتابة، ولا تمامها قراءة. ولعلّ هذا السرّ في أنّها كانت نصوص لدّة” (1)، نصّ تختلط فيه الأزمنة ويلتبس فيه الواقع بالحلم والحقيقة بالهذيان والهلوسة، نصّ يُكتب من داخل عالم الغربة والالتباس، يُكتب بقلم ” يزعجنا بالتواءاته الدّؤوبة”.

نصّ لعلّ القرّاء يقولون عند الفراغ منه:” يا له من هذيان أو جنون! وما درَوا أنّ العُصًاب ضروريّ للكتابة اللّعوب:” أنا الآن أرفع القلم ليخطّ بعضها والأحداث تزدحم في رأسي ولكنّ القلم يرفض أن تكون قصّة أحداث. سألته عن شكل القصّة الّتي يريد… فصمت ولم يجب”.

نصّ يحاول فيه الكاتب والقارئ الوصول إلى حقيقة ما لعلّها تجمع بينهما، حقيقة متفلّتة لا يستطيعان الإمساك بها، حقيقة النّفس والعالم من حولها، نصٌّ الجنونُ فيه رديفُ للكتابة باعتبارها فعل مقاومة وتخطّيا للحدود والأسيجة ورفضا للصّمت ووسيلة تعبير عن الذّات تتراكم خبراتها تعيد كتابتها وقراءتها.

يطرد النّصّ قرّاءً يرقبونه من خارج بــــ “أعينهم البغيضة”، و”بطلعتهم السّمجة” وهم يتّهمونه بالخروج عن نواميس الكتابة، والّذين يستجْدون حكاية يضيعون في تفاصيلها ويهيمون في خيالاتها:” اختفوا حتّى لا تأكلكم كوابيسي… هيّا اركضوا عليكم أن تركضوا…هيّا اختفوا هيّا اختفوا”.

نصّ مغامر يعيد ترتيب العلاقة بقارئه، نصّ يختار قرّاءه، يمتحنهم، إذ يتمنّع ويستعصي على طقوسهم القرائيّة حتّى يضطرّهم إلى تأجيل فعل القراءة. يصدّهم قائلا:” اقدموا عليّ غدا، ليس لديّ ما أقوله الآن”. لعلّه يبحث عن قارئ قادر على تحقيق معناه، ها هو يخاطبه قائلا: “عليكم أن تشاركونا في عمليّة الكتابة … تابعوا الأحداث منذ بدايتها واربطوا بين خيوط الحكاية”.

كم كان هذا النّصّ صادقا!؛ أهدانيه كاتبه الصّديق أحمد المباركي أوائل ماي من سنة ثمان عشرة وألفين. كلّما طرقت بابه صدّني وقال لي:” لم أستدع أحدا فأبوابي موصدة… لا تستطيع نملة التّسلّل إلى المملكة”.

هأنذا أطرق بابه الآن وقد قبلت بكلّ شروطه: عليّ أن أكون في مقام الدّهشة حتّى أكون جديرا بقراءته؛ “الدّد ه ش ة” برنّتها الّتي لا ينبغي أن تفارقني طوال مجالستي النّصَّ، وعليّ أن “أربط بين خيوط الحكاية” فهذا النّصّ أسداه كاتبه وعليّ لُحْمَتًه فإنْ عزّ عليّ ذلك فما أنا بقارئ. لن أكون قارئه حتّى تأخذني حمّى كتابته كما أخذت كاتبه:” تزدحم الكلمات وتتصادم وتتآكل الحروف… تقفز كالجندب مخترقا القوانين والعلامات وصفّارات الإنذار”.

يتبنّى القاصّ أحمد المباركي مفهوما جديدا للكتابة والقراءة يبشّر به في أضعاف عمله فهو إذ يسرد يفكّر في سرده موضوعِه ووظيفتِه وعلاقتِه بالقارئ ودورِ القارئ فيه. وعبر الميتا قصّ Le Métarécitيتراءى الكاتب والقارئ في النّصّ وهو يُكْتَبُ: كلاهما يعيش عذابات الخلق والولادة، يشكو قلما لا يسعفه بحروف تقول عنه، حروفا ” خرساء بكماء” و” صدى صوتي المبحوح يتدلّى في تجاويف حنجرتي كدلو قديم”، و”عالما من ورق … يتبخّر كخيط من دخان”.

الكتابة عنده رديف الصّدق مع الذّات ومع الآخر، الكتابة التزام وموقف وجوديّ وفكريّ وانخراط حقيقيّ في قضايا الواقع وشواغل المجتمع. يشغله “أن يكون مخلصا للجماهير والقرّاء”. لا يريد للكاتب أن يجلس على الرّبوة في برجه العاجيّ المتعالي، ولا يريد لكتابته أن تساير السّائد والمتاح والمألوف، يريدها ” قصّة لم تكتب على الأوراق الّتي تعرفونها”، الكتابة عنده فعل صادم، لحظة “احتجاج تنقضّ على كلّ شيء”، الكتابة حرفٌ وَشمٌ ينبغي أن يكون له أثر، الكتابة فعل قرائيّ يتأمّل ذاته، كُتب تعانقه ونصوص تنتابه يعتصر ذاكرتها “أتذكّر أنّ هذا الاسم طرق مسمعي يوما، في أيّة طريق؟ في أيّ مكان؟”. والقراءة فعل كتابة “عليكم أن تشاركونا في عمليّة الكتابة لا القراءة”. الكتابة والقراءة فعل جوّانيّ، تجربة تعاش ولا توصف. ومن داخل هاتين التّجربتين المتعاظلتين تجربتَيْ الكتابة والقراءة وُلد هذا النّصّ بين أيدينا” مذكّرات معتوه”. وهذه هي السّمة الجماليّة الأبرز – في تقديرنا- الّتي شكّلت معماره الفنّيّ ورؤاه وأساليبه.

“مذكّرات معتوه” يحيلنا عنوان القصّة الّذي اختاره الكاتب عنوانا لمجموعته على جنسِ المذكّرات، جنسٍ وسّع المنجزُ الإبداعيّ دلالته فلم يعد مقصورا على السّرد المرجعيّ الّذي يسرد جوانب من قصّة الحياة الخاصّة بل تجاوز ذلك إلى السّرد التّخييليّ فأسندت المذكّرات إلى شخصيّة قصصيّة على نحو ما نجد مثلا في رواية: “مذكّرات طبيبة” لنوال السّعداويّ مثلا. وهي في هذا النّصّ تسند إلى معتوه. وكيف لمعتوه أن يكتب مذكّراته؟ وهل أبقى العته على ذاكرته حتّى يذكُر؟ ها هو ذا يعترف:” أنّى لي أن أتذكّر المحطّات الّتي

جمعتني بهم… هذه الآلة الخرساء طُمست مرآتها إلى الأبد…آه إنّ الصّور تتداعى أمامي دون ترتيب”. أيكون عتهه واختلاط عقله من هذه الحمّى الّتي أصابته؟” هل أصبتم بحمّى مثلي ولم يقتحم قلاعكم الهذيان؟ لم تداهمكم الهلوسة؟ معتوه؛ هكذا سمّاه المؤلّف ولكنّه ينكر ذلك إنكارا ” لست مجنونا ومن قال ذلك فإنّه فاجر ابن فاجر”، وهذا ” المعتوه” يعرف فضول القرّاء ويستبق حكمهم هازئا: ” وقد تقولون عند انتهائها يا لها من هذيان أو جنون!. ولكنّه يستدرك فيسائل ذاته:” إلام هذا الجنون؟ وهل كلّ المهابيل أمثالك؟، ويسألنا: الحمّى هي السّبب ..نعم هي السّبب، هي لا ريب ومن غيرها؟ ولكن أيّة حمّى؟

أسئلة تضعنا في صلب جماليّة هذا النّصّ الّذي لم يبح القلم الّذي كتبه بجنسه وإن أدرجته عتبة الغلاف ضمن جنس القصّة.

على غير عادة الرّواة والكتّاب لا يغري هذا المتكلّم في النّصّ بمرويّه وبمكتوبه، ولا يثير فضول السّامعين أو القرّاء بل يضيق بهم ويطردهم:” ها…وأنتم ماذا تنتظرون؟ رجاء اختفوا حتّى لا تأكلكم كوابيسي…هيّا اركضوا عليكم أن تركضوا” بل يطردهم طردا صريحا فجّا ” لا تسعوا إلينا فنحن نطرد الجميع دون أن يطرف لنا جفن حياء”. هو ينكفئ على نفسه، يرتدّ إلى تجاويف ذاته، يغرق في عالمه الدّاخليّ ” غير عابئ بما يدور حوله”. يغمض عينيه فلا يفتحهما إلّا أخيرا. الرؤية من الدّاخل، من داخل الوعي المضطرب ومن داخل العالم الجوّانيّ هي سمة كتابة الجنون الفنيّة وهي سبيل القارئ لاكتشاف انفعالات الذّات واضطراباتها وأعطابها واضحة صريحة من دون تجميل أو تزيين، كتابة أرادها القاصّ أحمد المباركي رفضا للزّيف والتّلفيق والكذب وفضحا لسوءات الواقع وفظاعاته، ورغبة في إماطة اللّثام عن الحقيقة. ” هل تودّون الأحداث الملفّقة والشّخصيّات الّتي لا توجد إلّا في الخيال والذّات الإنسانيّة المنتفخة في أسطر الكتاب وطوفانا من التّفاصيل والتّلافيق بزعم الواقعيّة؟”. يقول جان لاكروا، في كتاب نظام الخطاب لميشيل فوكو: “إن الجنون يبتدئ بالضبط عند النّقطة التي تضطرب فيها علاقة الإنسان مع الحقيقة”.

كان النّصّ تداعيا حرّا كهذيان حمّى فيه تستعيد شخصيّة ” المعتوه” سيرتها ” والعالمُ دوّامةٌ لا تنتهي” وهي تسأل الوجود: ” يا إلاهي …ما هذا العناء؟ لم هذا السّواد الكالح؟ …بأيّ حقّ أحرم اللّذّة؟”. كتابة الجنون كتابة الشّعور الحادّ بالضياع واللاّجدوى: ” بناءات تشيّد وتهدّم، النّاس يتناسلون، الصّحف طلاسم أباطيل، المعاهد معالم دارسة…إعصار رهيب يقتلع الجميع ويرميهم في الهاوية”. كتابة الجنون هي كتابة الإنسان في شفافيّته وعمقه “هذه الحكاية الّتي أرويها قد تكون وقعت لغيري…وقد أكون عشت بعضها ولعلّكم تعرفون أناسا عديدين حدثت لهم بعض من وقائعها أو جلّها”، كتابة الجنون إزميل يحفر الوجود سِرَّه.

والجنون في النّصّ تجريب لكتابة جديدة؛ كتابة ” الحياة الّتي تشتغل أضدادا كما يضطرم النّاس حقدا وغباء”. والمعتوه هو قناع الكاتب وهو يخوض غمار التّجريب متحوّلا من رواية الصّوت الواحد إلى رواية الأصوات

المتعدّدة ومن الزّمان الطّوليّ الممتدّ إلى رواية التّفكيك والتّكسير والتّشظية فلم تكن شخصيّة (المعتوه) إلّا قناعا تراءى الكاتب من خلاله، أخبر من خلاله عن تجربته في الكتابة وعن رؤيته الفنيّة.

يلتبس صوت الشّخصيّة تروي ذكرياتها بصوت الكاتب يروي قصّة مخطوطه؛ يرفع القلم ويريحه ويستعرض رحلة رقش البياض سوادا وذاك الكَبَدُ: القلم الفلوت والجذاذ المتهافت وحمّى الحرف “تهدّ الصّمت المجنون” أيكتب المعتوه سيرة أوجاعه أم يكتب الكاتب سيرة نصّه؟

نحن لا نقرأ وقائع بل خلجات نفس وكثافة ضمير ولا نجد أحداثا وأزمنة بل لوحاتٍ مرايا تنعكس عليها ذات الشّخصيّة وذات الكاتب كليهما، كلّ لوحة شظيّة من شظايا المرآة، وكلّ شظيّة زاوية نظر، وكلّ زاوية نظر صوت تعتوره الأصوات، الأصوات المتصادية، وحسبك من الصّورة ما جلاه ضميم منها ضممتَه. وما ضممتَ إلّا أناك أو بعضا من أناك.

انظر النّصّ تجدْه لوحاتٍ تتعطّل معها ذاكرة النّصّ ذاته: لوحة أولى تبدأ النّصّ وتنهيه وتتخلّله؛ تنتمي إلى الميتاسرد إذ يَعقد بين الرّاوي والمرويّ له، بين الكاتب والقارئ ميثاق سرديّ في مسالك النّصّ كيف يهتدى إليها، لوحةٌ أمٌّ تُظِلّ اللّوحات الأخرى تتراكب عليها؛ هي خلفيّةٌ لها جميعا قد يخفت ضوء هذه لتبرزَ اللّوحة الأمّ أو تبرزُ هذه فيخفت ضوء بقيّة اللّوحات، لوحة تفعل فعلها في نسيج النّصّ فيحضر الرّاوي أو يتوارى، ويقصّ الحكاية أو يحكي قصّة كتابتها.

أمّا اللّوحات فخمس أولاها لوحة حمّى كتابة الوجع، حمّى تعصف ببطلها وقارئها وكاتبها، يوحّد ضمير الأنا بين ثلاثتهم وهم يعيشون الأحداث أو يعايشونها، حمّى يتداخل فيها الذّهول بالصّحو، والواقع بالهذيان والحقيقة بالأخيلة والأوهام، حمّى وصور تترى تعبيرا عن تصدّع الذّات وانهيارها وضياعها: “أخابيط تلتصق جذورها بضلوعي، فرقعة في صدري، أنين ينبثق من قلبي، ارتفع السّقف فلا ظلّة لي”؛ صورة من انهيارات الواقع. حمّى تعتري جميع الشّخصيّات وتنعكس على جميع الأحداث، وتلمّ بكاتبها وهو يكتبها. ألم يقل إنّه يكتب ” حياة تشتعل أضدادا”؟، ألم يتساءل:” هل اشتعلتم تجارب مثلنا”؟

ثانيتها: رحيل في الذّاكرة إلى ما قبل “ما يربو على ثلث قرن”، إلى كلمات مديرهم: لنحمل معا أعباء الرّحلة … لنفجّر في أرضنا الجميلة هذه ينابيع لا تنضب إلى الأبد”. ذاكرة تشرخ الزّمان فينا ماضيا نفتقده وحاضرا نكابده فهُما حاضرُ الحسرة والكبَد ” حاضر تحوّل فيه العالم النّورانيّ الّذي تمثّله المدرسة “عالمَ مزابل”، وابنةَ النّور جدَّةً غزتها التّجاعيد”، والتّذكّر صعب بداية وصعب منتهى”. رحيل في الذّاكرة هو صنو الوَحَل في عالم ” يدور على وتيرة واحدة كالدّولاب الكبير”.

ثالثتها لوحة السّجن انتصارا للجائعين واحتجاجا على غلاء الأسعار. الزّنزانة الضيّقة والعناكب البارعة في اختراع الكمائن وشهر كامل من أمنية الكتابة والقراءة. ” ويتوه على فمي التّعبير”.

رابعتها ذكرى صديقين حميمين: متعب ونخلة، أمّا متعب الهذّال فقد ” قاسى الكثير، رحل اغترب …وجد مرّات مغشيّا عليه بيد أنّ أنفاسه لم تنقطع…أزيز محرّكات يصمّ الآذان، يقطّع القلوب وصاحبنا كما عهدتموه لا يأبه بشيء…كان له قلب يدور كاللّولب يرنّ يطير يحلّق بعيدا بغير أجنحة”. أنا أقرأ ” التّيه” من ” خماسيّة عبد الرحمان منيف “مدن الملح”: التّراكتورات وهي تهجم مثل ذئاب جائعة على الأشجار…مجزرة وادي العيون… كانت في عينيه بقايا دموع ولكنّه لم يبك… حين اعتلى ناقته العمانيّة نظر إلى الجميع …بدا أنّه يتمعّن كأنّه لا يريد أن ينسى …بدا متعب الهذّال وهو يرتفع مثل خيمة كبيرة، ثمّ بدا مثل غيمة، أمّا حين بدأ حركته السّريعة فقد أصبح مثل طير أبيض…وبدأ يبتعد ويبتعد حتّى تلاشى…واختفى” (2).

“أتذكّر أنّ هذا الاسم طرق سمعي يوما” اسم الشّخصيّة ” متعب الهذّال” وأيضا ” المستنقع” الجزء الثّاني من ثلاثيّة حنّا مينة في سيرته الذّاتيّة. يتكلّم الرّاوي ومن خلاله الكاتب على لسان القارئ وهو يقرأ هذين الاسمين، قارئ منشود هو ذاك الّذي اتّسعت تجربته القرائيّة وتعدّدت خبراته فكان أقدر على تبيّن الأصوات المتصادية داخل النّصّ وعلى إنتاج الدّلالة وإشراع أفق التّأويل. مستنقع الفقر والحاجة والوجع وعالم اليأس والاغتراب والجنون الّذي يتشظّى له النّصّ وتتصدّع له الشّخصيّة ويتقوّض له جسد اللّغة نتيه في ثقوبها وتجاويفها وفي مراياها وأبعادها، وتتعدّد الأصوات والرّاوي بين صحو وجنون يعتصر ذاكرته الصّدئة المتآكلة ويحاول القبض على صور تتداعى. أصوات يمتزج فيها صوت الرّاوي بصوت الشّخصيّة ويلتبس فيها الرّاوي بالشّخصيّة بالكاتب وهو يكابد رحلته داخل عالمه الجوّانيّ من داخل وعيه المعطوب. وتضِلّ الإحالة بين ضمائر الخطاب والحضور والغياب: ” الأشجار تتراقص في حدقتيه كلّما تذكّر تلك السّنوات الّتي سجن فيها لا تتذكّر رفقتك…إنّي أنصت الآن إلى أصواتها…أيّها القلم أغثني…ويتذكّر مرّة أخرى، وهو يكابد محنة الكتابة، وهو يطلّ على القارئ يكابد محنة القراءة:” فكّر في أن يغمض عينيه بعد عناء الرّحلة وصاحب المخطوط أراد ان يريح القلم فلا تؤاخذوهما”

السّرد بضمير الأنا تقنية جماليّة بالغة الإثارة استخدمها القاصّ أحمد المباركي في مجموعته القصصيّة؛ نحن إزاء شخصيّة قصصيّة تروي عالمها الدّاخليّ، تأخذنا في رحلة إلى بواطنها وخفيّ أفكارها وهواجسها ومُضطَرِب صلاتها بذاتها وبالآخرين. تقنية لا تنفكّ عن أسلوب تيّار الوعي الّذي مكّن الشّخصيّة من الانشغال بزمانها الدّاخليّ عن الزّمان الخارجيّ فتعدّدت الحوارات الباطنيّة وانكسر لتصدّع الذّات خطّ الزّمان الخارجيّ، وتوتّرت حركة النّصّ بين رصد الفعل وتأمّله، وبين سرد الذّات واستبطانها، وبين شرح وجعها ووجع العالم من خلالها. أنا تختزن جميع الضّمائر تكلّما وغيبة وخطابا في حالات وعيها ولاوعيها وفي حالات انفصامها، أنا أوجاعُ الآخرين بعض أوجاعها” اتركوا رجبا يرويها بنفسه… اتركوه لتعلموا أنّه إنسان يشبهنا تماما في تقاسيم الوجه والثّياب”

خامستها حكاية رجب تختصرها نبوءة “الوليّ الصّالح” أنْ سيلاقي نصبا وعنتا: موت أبيه وعرجه وشقاء أمّه به وشقاؤه بنفسه قبل أن ” يتهاوى جسده وتختفي العوالم تماما وتصيح زعرة: رجب انتحر”. حكاية يدعونا الرّاوي إلى اتّخاذ مسافة منها حتّى نتعقّلها ” هل كان فعلا الضّحيّة أم أنّ له طرفا ولو رفيعا في ما حلّ به؟”

الأفق المربدّ الغائم والغرفة الضّيّقة والعينان يُفتحان على قتام وعَوْد على بدءٍ: الحمّى وأيّ حُمّى؟

حمّى المعتوه ضاع في هلوساتها؟، حمّى النّصّ ضِعنا في أضغاثه؟ حمّى الكتابة كابد الكاتب سحر سوادها، وكابد القارئ سحر بياضها؟ حمّى الكتابة على الكتابة تلتبس أوقاتها وتُبدع أدواتِها؟، حمّى لغة تقول ولا تُعربُ؛ متدفّقة مكتنزة مراوغة متأبّية قافزة مجنّحة، تمضي معانيها بعيدا في ثقوبها وتجاويفها، قبضتك وفروج الأصابع…؟، حمّى الحِبكة هي وهج الشّكل وطُرفته وجدّته؟

وأنتَ… انظر إلى بهرة الضّوء في حُلْكة القتام.

وانظر إلى سحر الواسطة في العِقد النّظيم.
(1) رولان بارت. لذّة النّصّ. تر منذر عيّاشي. الأعمال الكاملة. ط 1. دار le seuil باريس. 1992 ج 1. ص 11
(2) عبد الرحمان منيف. مدن الملح. التّيه. المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر. بيروت. ط 4. 1992. ص ص 105-106.

لا تعليقات

اترك رد