النضج البشري عبر الأديان 4-3

 

لن تصل البشرية إلى نضجها دون إنصاف المراة و تعميم التعليم على جميع الشعوب

إِنَّ قضيّة تحرير المرأة، أي تحقيق المُساواة الكاملة بين الجنسَيْن، هي مطلبٌ مُهِمٌّ من مُتطلبات السّلام، رغم أَنَّ الاعتراف بحقيقة ذلك لا يزال على نطاقٍ ضيِّق. إٍنَّ إنكار مثل هذه المساواة يُنزل الظّلم بنصف سكّان العالم، ويُنمِّي في الرّجل اتِّجاهات وعادات مؤذية تنتقل من محيط العائلة إلى محيط العمل، إلى محيط الحياة السّياسيّة، وفي نهاية الأَمر إلى ميدان العلاقات الدّوليّة. فليس هناك أي أَساسٍ خُلُقِيّ أو عمليّ أو بيولوجيّ يمكن أن يبرّر مثل هذا الإنكار، ولن يستقرّ المناخ الخلقيّ والنّفسيّ الذي سوف يتسنَّى للسّلام العالميّ النُّموُّ فيه، إلاّ عندما تَدْخُل المرأة بكلّ تَرحاب إلى سائر ميادين النّشاط الإنسانيّ كشريكةٍ كاملةٍ للرّجل.

وقضيّة التّعليم الشّامل للجميع تستحقّ هي الأخرى أَقصى ما يمكن من دعمٍ ومعونةٍ من قِبَل حكومات العالم أجمع. فقد اعتنق هذه القضيّة وانخرط في سِلك خدمتها رَعيلٌ من الأشخاص المخلصين يَنْتَمُون إلى كلّ دين وإلى كلّ وطن. ومِمَّا لا جدل فيه أنَّ الجهل هو السّبب الرّئيسيّ في انهيار الشّعوب وسقوطها وفي تغذية التّعصّبات وبَقائها. فلا نجاح لأيّة أُمَّةٍ دون أن يكون العلم من حقّ كلّ مُواطِن فيها، ولكنّ انعدام الموارد والمصادر يحدّ من قدرة العديد من الأُمَم على سدّ هذه الحاجة، فيَفْرِض عليها عندئذ ترتيباً خاصّاً تَعتمِده في وضع جَدْولٍ للأَولَوِيَّات. والهيئات صاحبةُ القرار في هذا الشّأن تُحْسِن عملاً إِنْ هي أَخَذَت بعين الاعتبار إعطاءَ الأولويّة في التّعليم للنّساء والبنات، لأنَّ المعرفة تنتشر عن طريق الأُمّ المتعلِّمة بمُنْتَهى السّرعة والفَعَّاليّة، فتعمّ الفائدة المجتمع بأسره. وتمشيّاً مع مُقتضَيات العصر يجب أَن نهتمّ بتعليم فكرة المُواطنِيَّة العالميّة كجزء من البرنامج التّربويّ الأساسيّ لكلّ طِفل. (رسالة السّلامُ العَالميُّ وَعْدٌ حَقٌّ تَرْجَمَةُ البَيَانِ الصَّادِرِ عن بَيْتِ العَدْلِ الأعْظَمِ والموجَّه إلى شعوب العالم ص25-26)

البلوغ إلى المدنية الإلهية
لم تكن غاية رسالة بهاء الله سوى الوصول إلي كعبة هذا الاتحاد العقلي والروحي لكافة أهل العالم , ويجب علينا إذا كنا لتعاليمه مخلصين أن نعتبر ظهورها وسيرها رمزا على بلوغ الجنس البشري قاطبة , ولا يجوز أن ننظر إليها بأنها مجرد مظهر من مظاهر الانتعاش الروحي الذي يصيب بني الإنسان في حظه المتغير , أو بكونها مرحلة أخرى في سفر الوحي المضطرد أو باعتبارها بمثابة ختم لدورات النبوة , بل يجب أن ننظر إليها بأنها رمز المرحلة الأخيرة والعليا لسفر التطور الهائل للحياة الإنسانية الجامعية علي هذه الأرض , فالشعور الفجائي بالجامعة العالمية , والإحساس العام بالحقوق العامة لأهل العالم، والاتجاه العام نحو تأسيس مدنية وثقافة عالمية , ـ هذه العوامل التي تتصل وتعمل في مجموعها مع المرحلة الأولي في

التمهيد لظهور العصر الذهبي للدور البهائي تعتبر في طواياها وخصائصها أبعد مدى وأعمق أثرا مما قد يتراءى لأول وهلة , في تنظيم الهيئة الإنسانية علي هذه الأرض , ولو أن الإنسان من الناحية الفردية سوف يستمر في التقدم والترقي نتيجة لهذا التنظيم , وهو ما يجب أن يسير فيه بلا نهاية .

ونحن إذا أدركنا حقيقة بيانات بهاء الله نرى أن هذا التغيير الكلي المعجز الغير محدود المقترن بمرحلة البلوغ في حياة الفرد ونضوجه وهو ما لا بد منه ـ يجب أن يأخذ طريقه جنباً إلى جنب في الاتجاه المحاذي لسير التطور الحادث في تنظيم الجامعة البشرية , ونرى أيضا أن هناك مرحلة مماثلة أخرى من وجهة حياة العالم الجامعية يجب الوصول إليها عاجلا أو آجلا , يكون من شأنها إحداث ظاهرة أشد بروزاً في العلاقات العالمية , والإغداق على عموم البشر من أوجه النعم والخيرات ما سوف يظل علي تعاقب الأجيال المشوّق الأعظم والباعث الأكبر لهم فيما يحتاجون إليه لاستكمال مصيرهم الرفيع . (الكشف عن المدنية الإلهية ص 4 مترجم عن المقدمة الإنجليزية في رسالة وجهها ولي الأمر المبارك لأحباء الغرب نشرت في كتاب الكشف عن المدنية الإلهية الذي صدر سنة 1936 و ترجم إلى العربية و نشر في مصر بمطبعة رمسيس في الإسكندرية بتاريخ يناير 1947م)

نهاية مرحلة التدرج و الوصول إلى البلوغ
والذين يرغبون أن يقرنوا أمر بهاء الله بمرحلة إتمام التطور العجيب للبشر كافة في حياته الاجتماعية المشتركة هم وحدهم الذين يستطيعون أن يدركوا أهمية الكلمات التي نطق بها بهاء الله . فهو يتفضل مشيرا إلي عظمة هذا اليوم الموعود وإلى مدى الدور البهائي

بقوله عزّ بيانه :
” هذا يوم الأيام “.

وفي مقام آخر :
” اليوم الذي شهد المنعوت من الأزل بمحبوب العالم “.

ثم يتفضل ويقول :
” أن آثار الأدوار الأولى تحتفل في هذا اليوبيل الأكبر الذي يهتف بيوم الله الأعظم , طوبي لمن شهد هذا اليوم وأقرّ به”.
” مترجم من الإنجليزية ”

وفي مقام آخر يتفضل ويقول :
” من المعلوم أن كل عصر ظهر فيه مظهر إلهي كان بتقدير إلهي وأنه يعتبر يوم الله الموعود ولكن هذا اليوم يوم فريد ممتاز عن كل الأيام السابقة وأن كلمة- ( خاتم النبيين )- تكشف عن مقامه الرفيع . قد انتهت أدوار النبوة وجاء الحق الأبدي واظهر آية القدرة ويرسل اليوم على العالم نور أمره اللميع “.

ثم يتفضل ببيان واضح بقوله الأعز :
” قد انتهت كل الأدوار بهذا الأمر الأعز وبلغت غايتها وكمالها . والذي ظهر في هذا الظهور الأعظم الأرفع أنه ما ظهر مثله في الأدوار السابقة ولن تر شبهه القرون الآتية “.
” مترجم عن الإنجليزية ”

وبيانات حضرة عبد البهاء تثبت أيضا بلغة مؤكدة صريحة عظمة الدور البهائي التي لا مثيل لها في لوح من ألواحه المباركة يتفضل ويقول :
” سوف تمر أجيال بل تنقضي عصور لا عدّ لها قبل أن يتلألأ نجم الحقيقة مرة أخرى في بهاء صيفه أو يظهر مرة أخرى في صفاء ربيعه وإن مجرد التأمل في الدور الذي افتتحه الجمال الأبهى يكفي لأن ينصعق به أولياء الله في القرون الخالية الذين تاقوا لأن يشتركوا لحظة واحدة في هذا المجد العظيم ”

ثم يتفضل مشيرا إلي المظاهر الإلهية الذين يظهرون في المستقبل بقوله الأحلى :
” وأما عن المظاهر الذين ينزلون في المستقبل في ظلل من الغمام فأعلم بأنهم من حيث مصدر الوحي يستظلون بظل جمال القدم وأما في عالم الحق كل يفعل ما يشاء ”

ثم يتفضل مشيرا إلي أمر بهاء الله بقوله الأحلى :
” إن هذا الدور المقدس منور بشمس الحقيقة المشرقة من أفقها الأرفع بنهاية الجِلوة والحرارة و البهاء ”
” مترجم عن الإنجليزية ”

(الكشف عن المدنية الإلهية ص 7 و8 مترجم عن المقدمة الإنجليزية في رسالة وجهها ولي الأمر المبارك لأحباء الغرب نشرت في كتاب الكشف عن المدنية الإلهية الذي صدر سنة 1936 و ترجم إلى العربية و نشر في مصر بمطبعة رمسيس في الإسكندرية بتاريخ يناير 1947م)
الجمع بين فضائل الروحانية و فضائل المادية مفتاح النضج الحضاري

يتفضل حضرة عبد البهاء:
حقًّا إنّنا نرى دول أوروبّا اليوم تعيش في راحة، لأنّ التّربية والتّعليم انتشرا وعمّ فيها. وإنّ نور الحرّيّة هو نور الغرب، ونيّة الحكومات في الغرب منعقدة على العمل من أجل الحقّ والعدل. إلاّ أنّ نور الرّوحانيّة كان دائمًا ينبثق من الشّرق. وفي هذا اليوم أظلم ذلك النّور وأصبح الدّين مجرد صور وأشكال وطقوس ورسوم، وانعدمت الرّغبة في محبّة الله. وفي كلّ عصر من عصور الظّلام الشّديد ينبثق النّور من

الشّرق. وهكذا جاءكم نور التّعاليم الإلهيّة مرّة أخرى. وكما تنتقل التّربية والتّعليم من الغرب إلى الشّرق تنتقل النّار الرّوحانيّة من الشّرق إلى الغرب.

فأملي هو أن تستضيء أمم الغرب من نور الله، وأن يأتيهم الملكوت وأن يفوزوا بالحياة الأبديّة، وأن تنتشر بينهم روح الله كانتشار النّار وأن يتعمّدوا بماء الحياة ويفوزوا بميلاد جديد.

هذه هي رغبتي. وأملي إن شاء الله أن تتلقّوا النّور الإلهيّ فتسعدوا. وكما توفرت لكم التّربية والتّعليم والرّقيّ المادّيّ آمل أن يكون النّور الإلهيّ من نصيبكم أيضًا.(خطب حضرة عبد البهاء في أوروبا و أمريكا ص 73)

العلم مفتاح النضج الحضاري و حياة الشعوب و الأمم:
والخلاصة أنّ جميع الكائنات أسيرة للطّبيعة أمّا الإنسان فإنّه طليق. وهذه الحرّيّة إنّما نالها بواسطة العلم، فالعلم يضرب قواعد الطّبيعة وأحكامها بعضها ببعض ويقلّب نظام الطّبيعة ويقوم بكلّ هذا بقوّة العلم، إذن اتّضح أنّ العلم أعظم مناقب العالم الإنسانيّ وأنّ العلم عزّة أبديّة وأنّ العلم حياة سرمديّة.

لاحظوا حياة مشاهير العلماء فإنّهم وإن فنوا وتلاشوا إلاّ أن علمهم باقٍ. إنّ سلطنة ملوك العالم سلطنة مؤقّتة ولكنّ سلطنة الشّخص العالم أبديّة وصيته وشهرته سرمديّان والإنسان العالم يصبح بقوّة العلم شهير الآفاق وكاشفًا لأسرار الكائنات. إنّ الشّخص الذّليل يصبح بالعلم عزيزًا والمجهول يصبح شهيرًا ويشرق كالشّمع المنير بين الملل لأنّ العلم أنوار والشّخص العالم مثل السّراج الوهّاج.

جميع الخلق أموات والعلماء أحياء وجميع الخلق بلا صيت والعلماء مشاهير. لاحظوا مشاهير العلماء السّالفين الّذين تلمع نجمة عزّتهم من الأفق الأبديّ وهم باقون إلى أبد الآباد.

لهذا فإنّني في غاية السّرور لحضوري في هذه الكلّيّة كلّيّة العلوم والفنون وأملي أن يصبح هذا المركز عظيمًا وينوّر جميع الآفاق بأنوار العلوم فيبصر العمي ويسمع الصّمّ ويحيي الموتى ويبدّل ظلمة الأرض إلى نور. فالعلم نور والجهل ظلمة كما ورد في الإنجيل عن حضرة إشعيا أنّه تفضّل: “إنّ هؤلاء النّاس لهم عيون ولكنّهم لا يبصرون ولهم آذان ولكنّهم لا يسمعون ولهم عقول ولكنّهم لا يفقهون”. وتفضّل حضرة المسيح في الكتاب المقدّس” “إنّني أشفي هؤلاء”.

إذن ثبت أنّ الجاهل ميّت والعالم حيّ والجاهل أعمى والعالم بصير والجاهل أصمّ والعالم سميع وأنّ أشرف مناقب العالم الإنسانيّ هو العلم.

الحمد لله إنّ العلم في هذا الإقليم في ارتقاء مستمرّ ولقد تأسّست مدارس وكلّيّات للعلوم والفنون ويجهد التّلاميذ في هذه المدارس بمنتهى جهدهم ويكشفون حقائق العالم الإنسانيّ وأملي أن

تقتدي سائر الممالك بهذه المملكة وتشيد مدارس عديدة لتربية أولادهم وترفع راية العلم حتّى يتنوّر العالم الإنسانيّ وتظهر حقائق وأسرار الكائنات فلا تبقى هذه التّعصّبات الجاهليّة وتزول هذه التّقاليد الموهومة الّتي هي السّبب في الاختلاف بين الأمم. وأملي أن يتبدّل الاختلاف بالائتلاف ويرتفع علم وحدة العالم الإنسانيّ وتظلّل خيمة الصّلح العمومي جميع الأقطار في العالم. إنّ العلم يوحّد جميع البشر والعلم يجعل كلّ الممالك مملكة واحدة ويجعل جميع الأوطان وطنًا واحدًا. والعلم يوحّد جميع الأديان في دين واحد لأنّ العلم يكشف الحقيقة. والأديان كلّها حقيقة واحدة ولكنّ العالم البشريّ الآن غريق بحر التّقاليد. وهذه التّقاليد أوهام محضة. إنّ العلم يستأصل هذه التّقاليد من جذورها ويشتّت هذه السّحب المظلمة الّتي تحجب شمس الحقيقة وتظهر حقيقة الأديان الإلهيّة وحيث إنّ الحقيقة واحدة فإنّ جميع الأديان الإلهيّة تتّحد وتتّفق ولا يبقى اختلاف وينهدم النّزاع والجدال وتتجلّى وحدة العالم الإنسانيّ.

إنّ العلم هو الّذي يزيل الأوهام وإنّ العلم هو الّذي يظهر نورانيّة الملكوت ولهذا فإنّني أرجو الله أن ترتفع راية العلم يومًا فيومًا ويسطع كوكب العلم سطوعًا أشدّ حتّى يستنير جميع البشر من نور العلم وترتقي العقول وتزداد المشاعر الإنسانيّة وتتزايد الاكتشافات ويرتقي الإنسان في جميع مراتب الكمالات وتتحقّق منتهى السّعادة في ظلّ الإله الأكبر ولا يمكن تحقّق هذه المسائل تحقّقا واقعيًّا بغير العلم الحقيقيّ. (الخطبة المباركة ألقيت في جامعة كلارك في 23 أيّار 1912 خطب حضرة عبد البهاء في أوروبا و أمريكا ص 287-288)

لا تعليقات

اترك رد