المرحلة الأولى من الانتخابات الرئاسيّة التونسية: هل هي المفاجأة ؟

 

انتهت مساء الأحد 15 سبتمبر الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في تونس وقد أسفرت على فوز مرشّحين من ستة وعشرين مترشحا من كافة الأطياف السياسيّة التونسيّة. وهما أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد بنسبة تتجاوز 19 في المائة و رجل الأعمال نبيل القروي صاحب قناة نسمة التلفزية المقيم,الآن, في سجن “المرناقيّة” في العاصمة التونسية بقرار قضائيّ. ولئن كانت النتائج مفاجئة للكثيرين فإنّها كانت منتظرة لشقّ آخر من الجمهور الذي انخرط في ما يسميه البعض “مرحلة التغيير”.

إنّ المفاجأة تكمن في اختفاء وجوه بشكل غير منتظر .فعبد الفتاح مورو رئيس مجلس النواب بالنيابة تقف وراءه حركة النّهضة وتدعمه. ولكنّه رغم ذلك رُتّبَ ثالثا, ولم يتسنّ له المرور إلى الدّور الثاني. وكذلك خاب رجاء كثير من مساندي عبد الكريم الزبيدي الذي كان رابعا في قائمة نتائج المترشحين وسقط هو الآخر من السباق رغم أنّ الآلة الانتخابية التي تدعمه كانت قويّة بشكل جعل كثيرا من الملاحظين ينتظرون نجاحه المؤكّد بثقة كبيرة. وقس على ذلك ما أصاب مترشحي اليسار كلهم فلم يحصل الواحد منهم على أكثر من ثلاث نقاط ورتبوا جميعا بعد المحامي الموصوف بالسلفية السيّد سيف الدين مخلوف. وقد مثلت هذه المحصلة فضيحة مدوية لليسار التونسي ستكون لها استتباعات كثيرة ولسنوات طويلة.

ولعلّ المفاجأة الأكبر تتمثل في صعود رجلين لم يكن لهما أصداء ملحوظة في السّاحة السّياسيّة. فقيس سعيّد صاحب أعلى نسبة نجاح لم يعلن عن برنامجه طوال مدة الحملة الانتخابية. وظلّ يكرر أنّه سيدعم سيادة القانون في البلاد. ولم تكن حملته الانتخابية برّاقة ولم تجذب أضواء وسائل الإعلام. بل على النّقيض من ذلك فقد عمل مرافقوه على تصويره زاهدا متقشفا مستعففا لا يطمع في ما رصدته له هيأة الانتخابات من رصيد. ولم يكن وراء السيّد قيس سعيد حزب يدعمه جهارا. ولم يعبّر عن لوبيات تسنده. ولكنه رغم ذلك فقد نجح في تخطّي الدّور الأوّل.

ومن جهة أخرى فقد تمكن نبيل القروي المتهم ىالتهرّب الضريبي من الترشح إلى الدّور الثاني بنتيجة تتجاوز 15 في المائدة من الأصوات. ورغم كونه لم يواجه ناخبيه ولم يشارك في المناظرات التلفزية فقد استطاع بالدعاية وبما أظهره من مظلومية المرور بيسر . والغريب في كل ذلك أنّ الناخب التونسي في قسم منه قد قرّر انتخاب متهم لم يفصل القضاء في قضيّته. وفي ذلك أمر خطير جدّا يتمثل في عزم من انتخبوه على تحدّي القضاء وإخراج المرشح المتهم من السجن بالانتخاب رغم قرار السلطة القضائيّة الواضح الجليّ.

ولكن كيف استطاع قيس سعيّد أن يدرك الدّور الثاني رغم هذا العوز المالي وفقده السند؟ يمثل هذا الرجل أمل فئة كبيرة من التونسيين. فالرجل الذي يتكلم لغة عربية أدبية بصوت جهوري وبشكل يشبه قارئ أخبار في إذاعة “هنا لندن” أيّام زمان. وعربية السيّد قيس سعيد تخاطب عاطفة المواطن السّامع فتعيده إلى زمن الشعر وزمن صفاء اللغة باعتبارها عقلا لا مجرّد أداة تواصل. ثمّ إنّ هذا الرّجل قد نجح في تقديم نفسه في لبوس النبي الطّاهر الذي يذكّرهم بعدل عمر وبسذاجة الطبقة الأولى من الصحابة فبسط للجمهور المشهد تبسيطا قد يكون مخلا.

وأمّا السيّد القروي فقد استهدف فئة أخرى من النّاخبين تحولت إلى خزّان انتخابي وقتي سيتواصل استثماره في الانتخابات التشريعية المقبلة التي بدأت حملاتها الانتخابية منذ الأمس. فلقد استثمر المترشح نبيل القروي ثروته لاستجلاب ناخبين من الفقراء في كل المناطق التونسيّة وخاصة المناطق الأكثر فقرا في العمق التونسي. ولا يمكن أن نمرّ دون أن نذكّر بأنّ أمر القضاء بحبس القروي احتياطيّا كان سببا في ذيوع صيته وتعاطف عامة النّاس معه. لقد لبس القروي في هذه الانتخابات ثوب الحمل الوديع المضطهد من قبل “ذئاب” السّلطة المتحالفين مع السلطة القضائيّة.

لم تكن للمترشحين المجتازين للمرحلة الأولى نحو الثانية برامج انتخابية تبرّر فوزهم بهذه الجولة على حساب رجال أحسنوا تقديم مشاريعهم فكانت في أحيان كثيرة مبرّرة. ولكنّ العامل الحاسم الذي لعب بشكل فاصل في هذه المناسبة هو العاطفة التي كانت عنصرا محدّدا في اللعبة. هذا بالإضافة إلى عوامل أخرى ساهمت في هذا الفوز الذي لم يقنع الكثيرين الذين يمكن تقديرهم بسبعين في المائة من النّاخبين الذين تشتت أصواتهم: فاليسار تقدم إلى هذه الانتخابات متشرذما مشتتا لا جامع لفصائله. واليمين تقدم رجاله إلى الجمهور الناخب وهم يتبادلون السّباب والشتيمة والتخوين. وحزب النهضة الإسلامي تقدم بأكثر من مرشّح فلم يفز مرشحه الرسمي إلاّ بما يقارب 12 في المائة.

إنّ لهذه النتائج الجزئية عواقب قد لا تكون حميدة. فإن فاز قيس سعيّد بالرئاسة فسيجد أمامه برلمانا مفتّتا لا يملك فيه كتلة فاعلة. وبذلك ستتحوّل نواياه إلى سراب خلّب ويسقط كسابقيه في سحب الثقة الشعبية منه. وإن يفز القروي فسيكون أوّل رئيس عربي منتخب يخرج من السّجن ليتوجه مباشرة إلى قصر قرطاج. وفي هذا إهانة لمؤسسة الرئاسة التي يسعى تيار السلفية والإخوان ولجان حماية الثورة ليس للانقضاض عليها فقط بل لتتفيهها وإذلالها لأنها رمز لبورقيبة وبن علي وربما للباجي من بعدهما. فهي بشكل أو بآخر رمز للحداثة عدوة التيارات الدينية. هذا بالإضافة إلى أنّ نزول “المال” المشبوه بقصر قرطاج سيعدّ سابقة خطيرة لها ما لها من الاستتباعات.

سينتظر التونسيون نتائج الدّور الثاني ونتائج الانتخابات التشريعية ليتوضّح المشهد السياسيّ التونسي الذي لن يكون في مجمله مختلفا كثيرا عن فترة رئاسة محمد المنصف المرزوقي.

لا تعليقات

اترك رد