نِصْفُ وَرَقَةٍ

 

اللّقاء الأوّل لقاء فريد لا ينسى كلقاء نظرتين عابرتين، كلقاء روحين شفيفين، كلقاء جسدين عاشقين.
اللّقاء الأوّل شوقٌ، اللّقاء الأوّل وعدٌ، اللّقاء الأوّل غَدٌ.
اللّقاء الأوّل بتلاميذك شوق وقد أقبلوا مدفوعين بقدرات يجدونها في أنفسهم لا تكون حتّى يشهدها الشّهّاد وبأحلام يسعون إلى تحقيقها وقد هيّأتَ لهم الأسباب، مؤمنين بشرط إنسانيّتهم ومواطنتهم يريدون لإيمانهم أن يقوى ويصحّ وإنّك دليلهم إلى شخوص الطّريق.
اللّقاء الأوّل بتلاميذك وعد وقد حضروا مفتقرين إلى معرفةٍ يمتلئون بها أنت دليلهم إليها، ومهارةٍ يكونون بها أنت مدرّبهم عليها، وسلوك يرتفعون به فيكَ مجلاه، شاكين أدواءً أنت آسيها وطبيبها بكلمة رسالةٍ وبفعل أُسْوةٍ وبجهد خالصٍ.
اللّقاء الأوّل بتلاميذك غدٌ يجتمعون من أجله، يشيمونه في أنفسهم وهي تستحيل بفعل التّربية حالا فحالا. غدٌ حاضرهم مُشرع إليه، نفوسهم نازعة إليه، وطنٌ متطلّع إليه.
لحصّة الدّرس الأولى دهشتُها لأنّها خطاب العيون تعبر من الوجه إلى العمق، ومن المخايل الظّاهرة إلى الصّفات المكينة.
لحصّة الدّرس الأولى سرّها: سرّها في الاستدراك على الغربة بالألفة، والاستدراك على تفرّق الأشخاص باجتماع القلوب والعزائم، والاستدراك على النّقص بالكمال.
الرّوح الحرّى سرّ البدايات الجميلة ولا يبدأ من روحُه كسلى: “أنا أعرفكم…لكم أن تنصرفوا… نبدأ الدّروس الحصّة القادمة”، “عدنا إلى عنت الدّرس ومشقّته”، “لن أحضر الحصص الأولى. وما الفائدة من حضورها؟”…
اللّقاء الأوّل امتلاء العين بالنّظر والأذن بالسّمع والشّفتين بالكلام. اللّقاء الأوّل بوح… مكاشفة… حضور ولا يبدأ من يختار الغياب؛ الغيابَ عن بلاغة الحضور.
جست ذات حنين في دفاتري القديمة فوجدت نِصفَ ورقة يتيمة في مطاوي النّسيان: الاسم واللّقب: … تاريخ الولادة ومكانها…، اسم الأب ومهنته…، أستاذ العربيّة للسّنة الدّراسيّة الماضية: …، معدّل العربيّة…، المعدّل السّنويّ…
كان ذلك أوائل تسعينيّات القرن الماضي. خذوا نصف ورقة. ولِمَ نصف ورقة لا ورقة كاملة؟ أهذا رفق بكرّاسات تلاميذنا الّتي اشتروها بكدح آبائهم وحدب أمّهاتهم؟ أم هو من حسن التّدبير نطلب ما نحتاج إليه وندع ما لا حاجة لنا فيه؟ أم أن صغر حجمها من هوان منزلتها عندنا فما أسرع أن يُتخلّص منها بعد أن تؤدّي دورها في ملء وقت قد لا نعرف كيف ننفقه؟ وبعد أن يُستكملَ طقسُ “التّعارف”! طقس حفظه التّلاميذ فهم يعدّون أنصاف وريقاتهم حالَ جلوسهم إلى مقاعدهم.
يكتبون… ؟ ماذا يكتبون؟ ولماذا يكتبون؟ وهل يُكتب في حضرة الشّهود ؟ وهل بلاغة كبلاغة الحضور؟
أذكر أنّني تعرّفت إليهم (1) فخاطبتهم مباشرة من دون واسطة قبل أن أتعرّفهم(2) فأدعوهم إلى كتابة معطياتهم الشّخصيّة. ألم يكن الأسلمَ والأفضل أن يتعرّفوا إليّ مباشرة فيحدّثونني عن أنفسهم كما حدّثتهم؟ أليست الكتابة تواصلا مؤجّلا؟ فلم أؤجّل اللّقاء بهم وقد جئت لألقاهم؟
ما حاجتي فعلا إلى هذه المعطيات؟ لماذا أدعوهم إلى كتابة معطيات إذا طلبتها وجدتها في سجلّاتهم المدرسيّة؟ لن أعود إلى هذه الوريقات وسرعان ما ستُسقِط ذاكرتي قصيرةُ المدى هذه الأسماء الأربعين تنقص أو تزيد قليلا. واها، أذكرُ أنّنا إذا تغيّب تلميذ نرى الضّوء يتدفّق من مقعده الشّاغر ونرى القاعة أكثر اتّساعا.
لست محتاجا إلى أن يكتب تلاميذي أسماءهم ولكنّي أحتاج أن أرى صورتَهم في عين أنفسهم وهم يذكرون أسماءَهم، هويّتَهم الحميمةَ، أحتاج أن تخبرني أصواتُهم عن حظّهم من الجرأة والثّقة ومن الاطمئنان والرّضا، يحتاج كلّ واحد منّا أن يتعرّف إلى أفراد أسرته الجديدة بصوته وسمته وهيأته حتّى يكون الاجتماع وتكون الألفة، وحتّى يكون الدّرس جُهدا يُجمع إلى جُهد، وعقلا يُلقِح عقلا. أحتاج أن ألمح في أعينهم اعتزازَهم بأسمائهم الّتي تخيّرها لهم آباؤهم وأمّهاتهم، ولعلّهم يحتاجون أن يتعرّفوا معناها حتّى يعرفوا منزلتهم عندهم ومنتظرَهم منهم. أذكر تلميذة اسمها “حَدْهُمْ” سألتُها هل تعرفين معنى هذا الاسم الجميل؟ أجابت كلّا. قلت لها: حدّهم، أنت حدّ ما يطلب ومنتهاه وأنت أقصى الطّلب. راجعي أبويك في هذا وأخبريني.
يحتاجون أن يتعرّفوا معناها حتّى يعرفوا حظّهم من علّوّها وارتفاعها، وحتّى يطمحوا إلى سمائها. والاسم بعض السّموّ.
أحتاج أن أقول لهم: أريد لأسمائكم أن تتداولها الأسماع في الفصل، ولن تتداولها حتّى يكون لمسمّاها فعل وأثر، وأريد لأسمائكم أن ترتاح لذكرها القلوب ولن ترتاح حتّى يُحمد الفعلُ ويَجمُل الأثرُ، أريد أن يُصدَح بها في الأعمال الّتي تقدّمون وفي العروض الّتي تنشئون، عند تكريم المُتميّزين وإعلان نتائج المسابقات الأدبيّة والعلميّة، أثناء الأنشطة الثّقافيّة والرّياضيّة، في الحفلات المدرسيّة تزيّنها مواهبكم وإبداعاتكم…
لست محتاجا إلى أن يكتب تلاميذي أسماء آبائهم وأمّهاتهم. سأعرفهم عيانا لا خبرا ما حرصوا على متابعة جِدّكم في تحصيلكم وما مُدّت بينهم وبين أساتذتكم ومؤسّستكم التّربويّة أسباب اللّقاء والتّعاون، وسأعرفهم فيكم.
وكيف أطلب من تلاميذي اسم أستاذهم؟ ألستُ به أعْرَفَ؟ ألا يجمع بين أساتذتهم هوى هذه المادّة الدّراسيّة الّتي استغرقوا غرّة شبابهم في تحصيل علومها؟، ألا يجمع بينهم شاغل التّمكين لها في النّفوس والعقول؟، ألا تجتمع جهودهم للنّهوض بأعباء فروعها العديدة ومسائلها الدّقيقة؟ …، أليس بين الأساتذة تشاور وتحاور وفكر ونظر؟ أجميعٌ قلوبنا أم شتّى؟
معدّل العربيّة ومعدّلهم السّنويّ؟ أجل لعلّ هذا يساعدني في وضع تلاميذي موضعهم من سلّم القدرة والمهارة ولكنّ على نحو متسرّع غير رصين. سيكون لي ذلك – على نحو أتمّ – من خلال اختبار تشخيصيّ أدعوهم إليه الحصّة القادمة؛ اختبار اشتركتُ مع زملاء لي في إعداده. سيمكّنني من معطيات دقيقة حول حظّ تلاميذي من مختلف القدرات المستهدفة وسأنتهي من قراءة نتائجه إلى وضع خطّة علاجيّة تأخذ بيد الضّعيف حتّى يقوى، وتشدّ من أزر المكدود حتّى تُنهضه. ولست محتاجا إلى أن يكتبوا معدّلاتهم فما أيسر الوقوع عليها ! ولكنّ الحاجة الآن ملحّة إلى رصد درجة إيمانهم بقدرتهم، ومعرفة وعيهم بحدود استطاعتهم، إلى أن يُترك لهم المجال فسيحا للتّعبير عن أحلامهم وأشواقهم وأكوانهم، عن صلتهم بالمعرفة المقدّمة لهم، عن الصّعوبات الّتي اعترضتهم، عن ما يريدون من أنفسهم أن تبلغه، عن ما يريدون من أستاذهم أن يساعدهم على بلوغه… ومعا نصوغ عقدا تعليميّا نرتضيه.
عدت من شرودي إلى نصف الورقة الّذي حفظته الأقدار من التّلف، أتأمّل خطّها الجميل المستقيم. كانت صاحبته تَكتب بعناية وباهتمام. وكلوحة ثمينة وضعتُها في مكتبتي بين أوراقي الأثيرة.
نصفُ ورقة نجم من مطاوي النّسيان ذكّرني حصصَ الدّرس الأولى، نبّهني إلى سلطان العادة كيف نخضع له ولا نفكّر فيه، وإنّه لا يبدأ من قيّدته العادةُ واستطاب المكرورَ المعادَ.
نصفُ ورقة نبّهني إلى صور الماضي كيف نراها بعين الحاضر، قد ننكر بعضا منها ولكنّنا لا نتنكّر لها، هي خُطانا حتّى تَوْثُقَ، وهي فعلنا واستدراكنا. وإنّه لا يبدأ من لم يُعِد نَظَرا، ومن لم يَرغب عن الطُّرُق المسطورة.
نصفُ ورقة مدّ هذا النّصَّ الّذي أكتبُ بحبره، تراءت لي كلّ كلمة فيه لحظةَ صمت ثقيلة كتمتْ أنفاس الكلمات تريد أن تطير من خلال الثّغور، تراءى لي كلّ حرف غيابا يغتال الحضورَ؛ حضورا نديّ الصّوت، بيّنَ الأسارير، ذكيّ الملامح.
نصف ورقة صاحت بي كلماته: هذا لقاؤنا الأوّل. باطلة هذه الأوراق. لم يأنِ أوان الكتابة بعد. قُلْنِي صوتا لا حرفا. تكلّم حتّى أتراءى فيك.
أعزّائي، تعالَوا أحدّثْكم وتُحدّثوني.

تَعَرَّفتُ إلى فلان: جعلته يعرِفُني
 تعرَّفت ما عند فلان أَي تَطلَّبْت حتى عرَفت.

لا تعليقات

اترك رد