أخيرا، أريد أن أتعلّم كيف أحيا

 

” أخمدي أيّتها الشمعة الذاوية!
فما الحياة سوى ظلٌّ ماشٍ، وممثّلٌ بائس
يختال ويبدّد وقته على المنصّة،
ثمّ لا يُسمعُ عنه شيء، الحياة حكاية
يحكيها أبله، مليئة بالصخب وثورات الغضب،
إنّما بلا دلالة ” (شكسبير، ماكبث)
يبدأ (تيري إيغلتون) كتابه عن معنى الحياة بوصف مقاربته هذه بالطيش والتهوّر قبل أن يضع نفسه في صفّ مخبّلين يبحثون وحدهم عن هذا المعنى.
غير أنّ (جاك دريدا) ذهب لمقولة فيها من الاستفزاز ما يكفي المخبّلين والعاقلين معا:
” أحدٌ ما، أنت أو أنا، يتقدّم ويقول: أخيرا، أريد أن أتعلّم كيف أحيا ”
يكمن الاستفزاز فيما تحمله عبارة دريدا من نظرة تعالٍ، لأنّك إن توجّهت لأحد لتخبره بعزمك على ترويضه وتعليمه الحياة، يعني ادّعاءك للنضجٍ، في حين يبدو هو قاصرا، يعاني ويكابد دونك في منعرجاتها ودهاليزها، يعجز عن تقديم الصورة الأفضل عن ذاته، في حين نجحت أنت وحدك في ذلك.
النضج هو أكثر ما تكتنفه وتختزنه عبارة دريدا في طيّاتها، وتكمن منابعه في نظام معرفيّ ما أو في تجارب مخبرية أو أي فعل تلقّ عادي، يُعين صاحبه على تقبّل الحياة بشكل أفضل، بينما قلق الموت يحيط بنا كنهاية محتومة في ختام رحلة تقود للسؤال عن الوجود نفسه.
جاك دريدا قضى حياته في مرحلة الشباب بالرياضة والشغب وعدم الانتظام في الذهاب للمدرسة، ليُكني نفسه بالـ ” الصايع ” الذي يلعب كرة القدم مع السجناء، يحلم بأن يصبح لاعبا محترفا، قبل أن ينضمّ لمدرسة داخلية في الجزائر.
اعتبر (ميشيل فوكو) أنّنا نعيش عتبة حداثة بيولوجية جعلت من حياة الإنسان ككائن حيّ موضع تساؤل باستمرار، ليصفه الإيطالي (جورجيو أجامبين) بالـ ” الإنسان المستباح ” المُستًبعد سياسيا من سلطة تعمل على تضمين حياته العارية داخل نسق وسياقٍ سياسيّ مؤطّر، لتُضبط حياته بتقنيات تسمح لها حتى بالسيطرة على جسمه.
هذا الخداع من شأنه تأسيس سلطة سياسية مهيمنة، ليُنتج تعاسة تحيق بهذا الإنسان الملعون الذي يفضّل أجامبين لذلك وصفه بالـ ” البطل ” و” الميّت الحيّ” الذي جُرّد من هويّته بعدما استُثني من أية قاعدة قانونية أو أخلاقية، لنغدو أمام عتبة أخرى ومنطقة التباس يتحول فيها الإنسان إلى وحش.
وأن يصبح الإنسان ذئبا للإنسان الآخر كسمة من سمات المجتمع المعاصر، من شانه أن يضع مذهب اليونانيين القدماء “أنا على قيد الحياة، أنا موجود” موضع شكّ، وكاتب هذه السطور ذاته ليس إلا مستباحا في دمه، باعتباره لاجئا قرّرت سلطةٌ ليبراليةٌ في الغرب نوع الحياة التي سيحياها، ورغم ادّعائه لحرية مطلقة فقد تمّت إعادة موضعته ممن منحه صفة لاجئ، كسمة اعتقال مازالت مستمرة.
فهو إذا سياقٌ يُفرضُ عليك من الآخرين، لتصبح صورتك على غير حقيقتها، في مجتمع الاستعراض وعالم الأقنعة الذي رفض الشاعر والسينمائي الفرنسي (جي ديبور) الخضوع له كسياق مفروض من الأعلى يُكني الحقيقة بالمدنّس في تراتبية أخلاقية ترسّخها وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، و(شارلي شابلن) نفسه ليس إلا ” حشرة فاشيّة ” بهراوة شرطيّ، يُلهينا عن حرّيتنا الحقيقية، ليصرخ ضد كلّ السياقات السياسية منها أو الثقافية أو الدينية:
” لماذا أنا أفكّر أو أكتب وفقًا لما تنتظره أنت ؟، ولماذا أتصرّف مع صديقتي وفقًا لما أظنّه نموذجيًّا في عقلها ؟، ولماذا أدخل في مراتبيّتكم الأخلاقيّة فأحترم الكبير بالضرورة ؟، إنّني أقوم باستعراض دور ما في مجتمعكم، أتوق للنموذج المتفق عليه عندكم، مع مرور الوقت قد أتلاشى تمامًا ولا يبقى منّي سوى ما تريدون أنتم ”
كارل ماركس، كان قريبا من هذا، بقوله:
” يُصبح الإنسان غير نفسه وهو يعمل، ويعود لنفسه وهو لا يعمل ”
فالإنسان يعيش حالة اغتراب قصوى لأنّ الاقتصاد، يتكوّن ” من خلف ظهور الناس “، ومعنى حياة الفرد خارج ” كلّ أكبر” في وظيفتها، يكاد يكون دالّا فارغا، يُجزم تيري إيغلتون مؤكّدا عدم تعارضه مع امتلاكنا حسّا قويا بالفردية.
كتب شاعر البحر الكاريبي (ديريك والكوت)، متخيّلا وقع غيابه عن الوجود:
” إنني أتخيل غيابي. لن يُحدث هذا الغياب فرقا للطبيعة وهذا يريحني. الظلال ستعود تماما ذات أيار كما ينبغي لكن مع التماس الهواء المغلق الذي سكنته ”
يعلن (جي ديبور) ” موت ملكة التفكّر ” لدى الإنسان المعاصر لأنّ ” ما يراه ويسمعه أحدنا في هذه الأيّام يسلب منه عقله بحيث يحول دون قيامه بجهد ذهنيّ يمكّنه من تناول أيّ موضوع بالتفكّر “.
حتى الملصقات الحكومية أو ما يُكتب من تحذير على علب التبغ أو الكحول والخمر، سياقٌ رفض (جي ديبور) الخضوع له، فيصدف في الشارع ملصقا حكوميا دُوّن عليه ” الكحوليات تقتل ببطء “، ليبادر للقول:
” لا يهم هذا الهراء، ما زال لدينا متسع من الوقت ”
ثمّ يكاد يلتقي مع (ثيودور أدورنو) في وصف المجتمع الاستهلاكي الذي يهيمن على الجميع، ليقول:
” السلع أفيون الشعوب، ما المجتمع إلا وردة بلاستيكية ”
وكان سقراط قد اكتشف سيطرة الصورة النموذجية التي تمثّل الكل، ليصرخ أيضا:
” تكلم حتى أراك ”
في حين أنّ أرسطو ذهب لترسيخ الصورة النموذجية الرسمية:
” إنّا نفضّل البصر على أيّ أمر ”
وكان (راؤول فانيجيم) رفيق (جي ديبور) في الحركة المواقفية الأقرب لحركة سريالية قد وصف مجتمع الصورة:
” لا يهم كثيرًا ما إذا كان الناس مؤمنين أو ملحدين، طيبين أم أشرارًا، أمناء أم مجرمين، يساريين أم يمينيين، فالأهم أن يكونوا جديرين بالاستعراض ومُنتجين له ”
ثمّ ذهب أيضا للقول:
” لا يوجد استخدام جيد أو سيء لحرية التعبير، هناك استخدام غير كاف فقط،
ليس هناك ما هو مقدس، يمكن قول كل شيء ”
هذا المسلك السريالي سلكه روّادٌ آخرون من السرياليين أمثال (مارسيل دوشامب) و(كورت شفيترز) و(تريستان تزارا) وغيرهم ممن فضّلوا المفارقة عن السائد حتى ولو بالوقاحة التي لم تكن إلا رفضا للخضوع لسياق ترتئيه السلطة للجميع، وهو ما يؤكّده وعد الرئيس الفرنسيّ الأسبق (ساركوزي) في وعوده الانتخابية بـ ” تصفية ميراث حركة مايو 1968، التي قادت إلى فقدان المعايير السلوكية وعدم احترام السلطة وتحقير قيمة العمل ” وكان (جي ديبور) ورفيقه، وكذلك سارتر وغيرهم ممن ساهموا في هذه الحركة، لكنّ جاك دريدا انسحب مبكّرا من هذه الحركة رغم مشاركته في المظاهرات الأولى، مبديا تحفّظه على بعض أوجه الحركة.
حياتنا ارتبطت، عنوة عنّا، بواقع يرى الفرنسي (جون بودريارد) أنّه قد مات لُيُعلن ” موت الواقع ” كما ذهب (نيتشه) من قبله للقول بـ ” موت الإله “، في حين يصف المغربي الرائع (عبدالكبير الخطيبي) هذا الواقع قائلا:
” الممكن يوجد بجانب الجنون، و”الواقع” ليس إلا رمزا، ومستقرا للجنون الذي يسكننا”
الفيلسوف الألماني (كارل بوبر) له رأي مغاير، فينبذ الصراخ ضد هذا العالم الشرّير، لأنه يناقض عالمنا الذي يجده أفضل عالم وُجد على مرّ التاريخ، ولكنّنا أكثر بلاهة من قبل، ونرتكب أخطاء مرعبة في التربية، مع أنّ الحياة بأسرها حلول للمشاكل.
وجد (فيتغنشتاين) حقيقة الوجود نفسه لغزا أكبر من لغز الكيفية التي انبثق بها الكون وهو اللغز الذي يجده إيغلتون أن طرح سؤال عنه لمعرفة علّته ليس سوى بلادة لإبداء الدهشة، ليصل مع فيتغنشتاين إلى أنّ تجاربنا ملكٌ خاصٌّ لنا أكثر من قبّعة نقتنيها، ليستعيرا معا من الملك لير قوله:
” سوف أعلّمكم الاختلافات ”
كان فيتغنشتاين يتحسّر معترفا بمحدودية القدرات البشرية في تجربة أو ممارسة الموت، مشيرا مع دريدا إلى معاناتنا من أوهام ميتافيزيقية مترسّخة في لغتنا، في حين كان الكاتب الأمريكي (آلان هارينجتون) يحلم بجهد وتطوّر تكنولوجي يسمح بمواصلة الحياة إلى ما لا نهاية وعبّر عن ذلك في كتابه المكنّى بالـ ” الخالد” أو ” الذي لا يموت ” وهو الأمر الذي وجد فيه ناقل الفلسفة الشرقية للغرب الفيلسوف البريطاني (آلان واتس) رتابة فظيعة لهذه اللذّة الدائمة التي تمثّلها الحياة.
ما يحيا هو وحده ما يقبل الموت، وفق الفيلسوف الفرنسي (جان فال)، وفي حكم نيتشه فإن كلّ شيء منذور للفناء ولا شيء يستحق سوى الفناء، والموت تكفيرٌ عن ولادتنا، وقد قُيل ” تبّا لحياة لا تنتهي بالموت”، والحياة وفقا لأفلاطون ليست سوى ” تأمّل الموت ” ليمنح الموت بعدا جماليا ميتافيزيقيا أكثر مما قد يُفهم منه بعدا استسلاميا وانتظارا للموت برهبة مكبّلة للبشر، وهو الأمر الذي دعا فيلسوف الرواقيين (سنيكا)، للقول:
” لا بدّ أن نعيش كلّ لحظة من لحظات الزمان كما لو كانت هي الأخيرة “.
رواية “موبي ديك ” لـ (هرمان ملفيل) وبعيدا عن تأويلات بروز وانبثاق المشروع الأمريكي كقوّة كونية فيها، فهي مثّلت تأمّلا عميقا في الوجود البشري عبر الصراع مع الحيتان التي تغدو وكأنها أشباح يتعقّبها الإنسان، في بحر لا نهاية له وهو ما يعبّر عن لا نهائية هذا الصراع وعبثيّته في البحث عن معنى للحياة ومواجهة أسئلة الكون الكبرى بهوس لا يُجدي، ولعلّ ( نيتشه ) لذلك وجد أنّ المعنى الحقيقي للحياة أشدّ شناعة من أن نتأقلم معه، بينما اعتبر إيغلتون أنّ عدم معرفة معنى الحياة جزءٌ من معناها مع أنّ هنالك وفرة في المعنى بقدر ما هنالك شحّا فيه، لكنّ التراجيديا اليونانية التي وجدت الحياة هشّة محفوفة بالمخاطر وسريعة العطب تشكّل لديه أساس الوجود الإنساني، ولذلك تردّد الجوقة في مسرحية ” أوديب ملكا ” لـ ( سوفوكليس )، وبكآبة شديدة:
” لا تحسبوا الإنسان سعيدا حتى يقضي، دون أن يتألّم في الأخير ”
رواية ملفيل وإن كان واجبا مقاربتها وفقا لزمن صدورها في العام 1851، فهي وكأنها تكرارٌ لدرس مدرسيّ مملّ يستند على مقولة أكثر مللا، فحواها أن عُد لنفسك لتمتلك الإجابات عن أسئلة الكون والوجود في داخلك، وكأن الإجابات نفسها ليست إلا قبّعة تيري إيغلتون التي ستقتنيها لتُغمر ببحر الإجابات بالفعل.
لكنّ شوبنهاور ومعه غوته كانا يعوّلان على العامل الذاتي أكثر من الموضوعي في تحصيل الفرد لسعادته، ولم يقصدا في ذلك إلا أطباع هذا الفرد والتي وجدها غوته كأسمى خير على وجه الأرض، لكنّ الأسوأ في غوته أنّه ذهب لاعتبار الإنسان عاجزا عن تغيير وكسر الشكل الذي تحدّر منه وقدره المرسوم مسبقا، لتنمو حياته وفقا لهذا الشكل، وهو ما كان الشاعر الألماني (جورج كريستوف ليشتنبرغ) يسمّيه بالإغماء الذي يطمح للتخلّص منه:
” ألا أستطيع أن أتخلّص من فكرة أنّني كنتُ ميّتا قبل الولادة، وأنني بالموت سأعود إلى هذه الحالة نفسها؟ ”
كان يحلو لدريدا الاستشهاد بما ذهب إليه الشاعر الفرنسي السريالي (أنطونان أرتو) عن الشكوى من الإله السارق، في قصيدته عن انتحار (فان كوخ)، وكأنّ في ذلك فصلٌ للإنسان عن جوهره، إذ تُجرّد ذاتنا عن حياتنا على يديه:
” أعتقد أنّ ثمّة دائما، لحظة الموت الأقصى، من يجرّدنا من حياتنا الخاصّة ”
فـ (أنطونان أرتو) نظر للحياة وكأنّها تتمثّل في موت شخص ما، وهذا يستوجب القسوة التي لا تنبع إلا من وعي يتكفّل بمنح كلّ فعل حياتي لونه الدموي كنوع من التوجيه الصارم والخضوع للضرورة، وتتقاطع رؤيته هذه مع عنوان لدريدا نفسه أطلقه على أحد كتبه الذي أورد فيه نصوصا توديعيه لأصدقائه الذين فارقوا الحياة:
” فريدةٌ هي في كلّ مرّة، نهاية العالم ”
في مقابل هذه القسوة كان آرتو يجد في الأطبّاء من مدراء المصحّات العقلية، من موقعهم كقوّامين لعقول البشر من ذوي الحساسية العالية، وممثّلين للقوة والسلطة، كسجّانين للبشر مدى الحياة، ليطالبهم:
” دعونا نضحك! ”
شوبنهاور يقرّ بأن السعادة تُعاش بلغة الكينونة، ليوافق أرسطو في قوله بسرمدية الطبيعة، في حين تبقى الأشياء عارضة، ولعلّه من المهمّ الإشارة إلى أن (الماركيز دوساد) كان يوسم الطبيعة بوصف العجوز الشمطاء الواجب التخلّص منها، في حين رأى (شكسبير) أنّ الطبيعة إنّما تتلهّى بنا.
رأى شوبنهاور أنّ الكينونة تكون بثرائنا الداخليّ وكلّما اغتنينا في داخلنا زادت قدرتنا على الاستغناء عن العالم الخارجي، في حين يصعب ذلك على من يعانون من الخواء والغباء.
ذكر تقرير عن التربية الحديثة، أعدّته اللجنةُ الدولية للتربية للقرن الواحد والعشرين، التابعة لليونسكو، أنّ المنظومة التربوية الأجدى تعتمد ” تعلّم الكينونة ” إلى جانب تعلّم المعرفة والعمل والعيش مع الآخرين، وكلّها مترابطة تستقي جذورها من تكويننا الذاتي كبشر، فإذا ما غابت الكينونة فالمنظومة كلّها ستتعرّض للعطب، لنعيش حركات أوتوماتيكية خالية من الرغبة والمعنى، غير أن الكينونة وبتأكيد من (هايدغر) تحتمل في داخلها إمكانية الكذب والخداع.
وتنطلق البرازيلية المتخصّصة في فلسفة التربية (ماريانا لوكامب) من التقرير، لتؤكّد على ما تسمّيه بالمفارقة الغريبة التي فحواها أنّنا ” نتعلَّم كيف نصبح نحن أنفسنا من خلال وجودنا مع الآخرين “، ولذلك يصعب تعريف ماهية الكينونة، لكنّ على تراثنا الثقافي أن يُتيح لنا الإحساس بمعنى حياتنا، ومهنة الإنسان لا تخضع لوصفة رائجة لينحت حياته ويرسمها، ثمّ تدعونا لأن نعترف بأنّنا لا نعرف أن نكون، لنتعلّم كيف نكون، مستشهدة بما قاله (هايدغر):
” كلُّ شخص هو شخص آخر، ولا يوجد أحد يكون “هو نفسه” ”
وجد دريدا في الفلسفة ممارسة لـ ” التفكيك “، كتفكيك سلطة النظام القائم أو السلطة الأبوية وسلطة الدولة وسلطة الميتافيزيقا وغيرها، بينما كان هدف (جيل دولوز) من الفلسفة هو ” جعل حياتنا ممكنة “، ليرفض العودة للذات أو لحقوق الانسان، لأنّ في ذلك استسلاما من الفلسفة لغيرها، في وقت مازال فيه التفلسف ممكنا ، منطلقا من مبدأ العمل ضد الماضي مع الحاضر لصالح المستقبل، وهو الحلم الذي عجز جاك دريدا عن تحقيقه، فبقي يحلم بالهروب لجزيرة نائية، من كتب التاريخ وكتب الذاكرة التي كان يحملها معه، يبحث عن سرّ ليُنطقه، ليخلق منه سلطة استيهامية على الآخر، وهو سرٌ لا يستسلم ولا يموّه نفسه في العلاقات الاجتماعية، وهو نفسه سرّ الحياة والوجود، أما الإنسان فيشتري مصيره، وهو وفقا لـ (شوبنهاور ) شخصٌ هزليٌّ مسكين يرزح تحت كلّ أنواع الهموم وأصناف البؤس، ليخاطبه بودلير بروح الخمرة:
” في أحد الأماسي، كانت روح الخمرة تنشد في القوارير:
أيّها الإنسان، أيّها المحروم العزيز، إنني أدفع نحوك،
من وراء سجني الزجاجي، وأختامي القرمزية،
أدفع أغنية مليئة بالأخوّة والنور
هل تسمعُ، أيّها الإنسان، أغنيات الآحاد تتعالى
وهل تسمع الأمل الذي يغرّد في صدري الخافق؟
سأُشعلُ عينيّ زوجتك المفتونة،
وسأعيد لابنك قوّته وألوانه
وسأكون، لمُصارع الحياة الضعيف هذا،
الزيت الذي يقوّي عضلات المصارعين ”
أمّا دريدا فوجد في لعبة الموت ما يُضفي غموضا على قدر الإنسان ونهايته، ليضع سلسلة لهذه النهاية التي تؤكّد في النهاية على أنّ الإنسان الفرد، ككائن حيّ، هو منطلق مصيره ومنتهاه:
” نهاية الإنسان هي التفكير في الكائن، والإنسان هو نهاية فكر الكائن، ونهاية الإنسان هي نهاية تفكير الكائن. الإنسان منذ الأزل هو نهايته الخاصة، بمعنى نهاية ذاته. الكائن منذ الأزل هو نهايته الخاصة، بمعنى نهاية ذاته ”
يمكن للمعرفة أن تتطوّر وتزيح الظلمة جانبا، وهو الأمر الذي أشار إليه هيغل بقوله:
” بومة منيرفا تفرد أجنحتها فقط مع هبوط الغسق ”
ودريدا وجد في الوعي المتناهي طريقة للعيش، لكنّه وجد في الإنسان (كما وجده المحلّل النفسيّ الفرنسي الأبرز جاك لاكان) كائنا هو الوحيد الذي يُعدّ فريسة لطفولته التي من شأنها أنّ تشدّه للوراء، ليشكّل ” اللاوعي” سببا لانكفائه، ولكنّه لا يجد في ” ملكة الإدراك ” ما يميّز الإنسان عن الحيوان، بل ما يميّزه هو صفة الإنسان كفاعل حرّ، بينما ذهب (هايدغر) إلى أنّ ما يميّز الإنسان عن باقي الكائنات هو قدرته على وضع وجوده موضع تساؤل ليعاني من قلق أنطولوجي، مُمعنا في جدوى وجوده.
وصف ( جان بول سارتر ) ذلك القلق الأنطولوجي بالشغف الذي لا نفع منه، فالأهمّ هو معرفة تموضعك من أي شيء، بحيث لا تتموضع في مكان إلا بما يجعلك محرّرا من أي شيء وما يجنّبك حالة السكون، حتى تكاد لا تتموضع في أيّ مكان، وما يؤهّلك لذلك هو حدّ أدنى من الوعي، وهو الأمر الذي دفع سارتر لذكر مثاله عن عدّ لفائف السجائر، منطلقا من اعتبار عملية العدّ فعلا ونشاطا واعيا يجعلك بشكل ما تدخل في علاقة مع السجائر التي تحاول معرفة ما هو عددها وهو ما من شانه أن يُشعرك بوجودك، ويجعلك مسؤولا عن أفعالك.
وعيٌ يُعدّه سارتر سابقا على التأمّل، ذهب فيه بعيدا لحدّ اعتبار أن “لا يوجد أبدا ما يمكن أن نعدّهم ضحايا أبرياء” فمعرفة الفرد لهويّته كذات غريبة عن هذا الكون هو الأمر الأكثر احتمالا وهو الأكثر حماية له من أيّة دوافع خارجية، وهذا ما يجعل هذا الاغتراب أمرا طبيعيا ، فالحقيقة لا تحدّها إلا الحقيقة ذاتها، كما هي حال الوعي نفسه، أما الوجود نفسه فيرزح تحت حالة من الشكّ اللانهائي، وهذا يقودنا لكينونتنا الفردية كبشر، والكينونة لدى فوكو لم يجدها ممثلة في الوجود بل في الحدث الذي يمتاز بظرفيّته المؤقّتة لكنه يسمح بانفتاح أفق واسع لكائن يمثل لديه الوميض الذي يُساهم في كتابة الحدث، فذهب إلى وضع فرضية أطلق عليها ” سياسة الحياة ” تقوم على مبدأ ” حقّ الموت والسّلطان على الحياة ” ليُعيد تعريف كل من الحياة والسلطان والوشائج التي تربط بينهما، ودريدا لم يكن إلا قارئا لفوكو، ولعلّ أكثر ما أوحى به فوكو لنا هو أنّ الحياة قد اندمجت في آليات سلطات الدولة وسيادتها واستراتيجيّاتها، أمّا دريدا فلم يكن بعيدا عن هذا بحديثه عن الاختلاف كمغايرة فعّالة والوصول إلى أماكن غير مرتادة بعد في التفكيك .
يتساءل الفرنسي (ريجيس دوبريه):
ما الشيء الذي يستطيع تحويل جمعٍ من الأنانيات إلى (نحن) فريدة؟
(تيري إيغلتون) وصف معنى الحياة بأنّه كالمعنى الذي تملكه غيمةٌ ما، فإنّ كنّا عاجزين عن منح معنى لوجودنا ولحياتنا كجموع متخالفة مع سلطات تريد لنا صورة واحدة ونسخة واحدة تمثّلنا كلنا لديها لدرجة أنّها تُفقدنا أجسادنا، فليسع كلّ منا ليمنح بوجوده معنى للحياة، فنحن كأفراد غير متشابهين أو يُفترض بنا ألا نكون متشابهين، أما أن يعلّمنا دريدا الحياة فلا أظنّه وغيره قادرين على ذلك.
(ألبير كامو) وجد في الكاتب خادما للحرية والحقيقة، كصنوٍ للجميع وإن شعر بتميّزه عنهم، وعليه أن يعترف بذلك لأن رجعته الأزلية للآخرين، وعليه ألّا يُنصّب نفسه قاضيا على الآخرين، وأن يطمح في الوصول لمكان وصفه نيتشه بالقول:
” لن يسيطر فيه القاضي بعد، بل المخلوق، عاملا كان أو مفكّرا ”
ودريدا يدرك ذلك أكثر منّا وهو لذلك كان يتساءل إن كان العيش من الأشياء التي يمكن تعلّمها؟ أو تدريسها؟ ليٌقرّ بأنّه لم يتعلّم فنّ العيش الذي يفرض عليه وعلينا تعلّم فنّ الموت، كحقيقة للتفلسف، في وقت لم يتعلّم القبول بالموت.
رأى دريدا أنّ هنالك استفزازا في أن يعلّمنا أحد ما أيّا كان كيف نحيا ونعيش، فهي خبراتٌ فردية تتراكم ليس هنالك ما يمنع من تلاقحها وتلاقيها، لعلّنا فعلا ننجح في خلق ” نحن ” فريدة تنجح حتى في منع انهيار العالم، خاصة وأنّ السلطة تستثمر في الحياة أكثر من القتل كما أكّد ( ميشيل فوكو )، عبر مراقبتها و تدخّلاتها في الجسد البشري كنوع بيولوجي، في حين أن (جورجيو أجامبين) يجدنا معرّضين لخطر الموت على الدوام لأنّ الحياة العارية، لا حياة الجودة، تختصر وجودنا، فأصحاب السيادة ( وقد حدّدهم دريدا باختصار في المنظّمات التي تُسيّر العالم كصندوق النقد الدولي و منظمة التجارة العالمية و مجموعة دول الثماني، ومنظّمة الأمم المتّحدة ) علينا يصرّون على الاحتفاظ بتلك السيادة عنوة عنّا، لتصبح الحداثة نفسها مثار شكّ في هذه الأوقات، في علاقة أبويّة تستند على ” التحكّم بالرقاب “، لتبقى مسارات حياتنا وكأنّها دروبٌ قسرية أكثر من كونها خيارات شخصية نفضّلها في العيش، ودريدا كان يحلو له استبدال حكمة الطيبة الطبيعية القائلة ” حبّ لأخيك ما تحبّه لنفسك ” بحكمة وصفها بالأقلّ كمالا لكنّها أكثر فائدة، تقول:
” اصنع الخير لنفسك بأقلّ أذى ممكن للآخر “.
ولأنّ (فان غوخ) كان يبحث عن قبضة يد أكثر نعومة وأكثر لطفاً من كثير من الأيادي التي عجزت عن تقديم أيّ شيء له ليكفّ عن الانتحار، سنكون محظوظين إن عثرنا على قلب بهذه اليــد الحانية، في عالم يصحّ فيه وصف آرتو لإحدى لوحات (فان غوخ):
” غربانٌ سود فوق فضاء حقل مليء بالحياة ربما، لكنه خاوٍ على أية حال، حيث ألوان الأرض تتجابه يائسة مع أصفر القمح الموسخ “.
وبعد ذلك، يحقّ لكم حتى ارتكاب جريمة ما، إن صادفكم من يقول لكم، كما كان يُقال لـ (آرتو):
” سيّد آرتو، إنّك تهذي! ”
ولا تنسوا أنّ تُحسّنوا أداءكم للجريمة، فالرجال والنساء عرائس الحقيقة الكبرى في عرف ( شوبنهاور )، لكنّها حقيقةٌ لن تنكشف إلا بمشاركة النساء والرجال في عرف إيغلتون وفي عرف كاتب هذه السطور .

لا تعليقات

اترك رد