الكولونيا .. أبجديات عطرُ ومفر ومقر !

 

لا يٌخفى على أحد ان الكولونيا ماء وعطر نفاث يعود بنا الى بدايات القرن الثامن عشر باتجاه مدينة كولونيا الالمانية ! وربما يتساءل القارئ ما العلاقة بين الكولونيا كعطر وكمفر (هجرة) وكمقر )ملاذ( نلجأ إليه عندما نهاجر اوطانناً الاصلية هرباً من الضياع ؟..و ما هي القيم او الابعاد التشاركية بينهما ؟ وما مدى اتساع ابواب المدن الجديدة لذاكرتنا البكرية المحملة بالهموم والضياع ؟.

فالانسان في كل بقاع الارض نراه عندما تضيق به أبواب وطنه ويتغير كل شيء فيه وتتلاشى ملامحه شيئاً فشيئاً ، يصبح الحاضر الذي يتداركه ويتعايش من خلاله غريباً وفي بعض الاحيان عدواً له !! ، فيفكر في وقتها بمغادرته خوفاً على مصير ما تبقى من القادم المجهول ، بحثاً عن حياة جديدة مسالمة ، تصنع له وطناً آخر بلون المحبة في مدنٍ حديثة متوّجة بالسلام لتكون بمثابة الملاذ الآمن الذي افتقده هناك .. ؛ فيتعايش من خلاله من أجل كسب المعرفة وتوسيع تطلعاته ومهاراته واكتساب آفاق معرفية جديدة تبعده عن خطر الخطوط الحمراء التي كانت تهدد مصيره وكيانه بسبب الحروب المدمرة والاحتلالات المتكررة على البلاد والانتهاكات التي كانت ومازالت تحصل بحق انسان اليوم الحائر الضائع المظلوم .

وبالرجوع الى موضوعة عطر الكولونيا نجده قد ارتبط بأحد صناع العطور ومخترعه (يوهان فيرنا) والذي كان قادماً من بلده الاصلي ايطالياً بحثاً عن السلام والتجارة عالمياً فاستقر في مدينة كولونيا الالمانية بحدود عام 1709 م … وقد وجد هذه المدينة الجديدة بمثابة وطن ثان له لما تحويه المدينة من جمال جغرافي وسحر طبيعي وتحضر مدني وتكنولوجي وحضور بشري كبير جداً .. تعايش مع مجتمعاتها فصنع حياته وابتدع منجزاته فصار منتجاً بعد أن كان مستهلكاً في وطنه الاصلي ، فاصبح مواطنا فيها حاله حال الاخرين ، بعد أن قدمت كولونيا له دعم وحماية ورعاية وسلام دائم لتصبح هذه المدينة فيما بعد وطناً ثان ان لم نقل ملاذا آمنا له استقر بها نهائياً .. وبالتالي يلاحظ ان الانسان عندما يهاجر من بلده الام لاسباب كثيرة تم ذكرها سلفا باتجاه مدن جديدة وحديثة ، يحاول لحظة الاستقرار ان يقدم لهذه المدن التي اكرمته واحتضنته بمحبتها مكافئة بسيطة من خلال انتاج وابداع شيء باسمها .. فكان من صانع العطور على وجه الخصوص من ان يخترع عطراً ساحرا نفاثاً في هذه المدينة ويسميه باسمها (عطر الكولونيا) تكريما لها و احتفاءا بها واعترافاً بالحب لها . وكم من

البشر في بلداننا العربية قد هاجروا الى بلاد الغرب على سبيل المثال وعاشوا في تلك المدن وتعايشوا مع مواطني البلد آمنين وتحصلوا على فرص الاستقرار فيه وعلى الجنسية فأصبحوا مواطنين فاعلين صالحين ، يعملون لاجلها ويصنعون السلام بها ومنها ويبدعون ويخترعون باسمها تكريما ومحبة لها .

وبالتالي نجد ان عطر الكولونيا المنسوب الى المدينة الجديدة اصبح بمثابة مقر ووطن بديل لمخترعه بعد ان كان مفر ، بحيث يذكره العطر لحظة استنشاقه بالوطن الاصلي (ايطاليا) على حسب قول مخترعه فلم يشعر بالغربة أو الاغتراب .. فانتشر فيما بعد هذا العطر بسرعة فائقة بين البشر لجودته واحترافية صناعته ، ووصل الى جميع انحاء أوربا وامريكا واسيا فامتلئت قصور السلاطين والامراء والملوك والنبلاء والقياصرة والتجار آنذاك بهذا العطر الساحر .. ومن منا لا يتذكر هذا العطر ويستخدمه ويتفاخر به وبسحر عبيره بين اقرانه .. واتذكر قصة طريفة قد قراتها حول هذا العطر مفادها بان نابليون بونابرت قد أمر في احد الايام من صانع أحذيته من أن يترك مكاناً صغيراً لقنينة الكولونيا !

فالعطور بمثابة لغة الوجد والعاطفة والمشاعر والذكريات ، لها قوانينها الانسانية وعناصرها الجمالية وابجدياتها المعرفية ، والتي ترتبطت بالروح والجسد معاً ، لما تبثه من معان وأفكار ورسائل عشق ومحبة وسلام الى الآخر .. بحيث جعلت حضارات العالم بشكل عام والاسلام على وجه الخصوص من ان تهتم بها ، ولا ننسى بان العرب قد ابتدعوا وسيلة التقطير منذ عام 1300 فانتجوا ما يسمى ب(عطر الورد) كما هو مدون في كتب العطر لدى العرب .. ومازلنا نرى هذا الماء حاضراً في حياتنا المعاصرة ؛ بوصف ان لكل انسان ولكل كائن ولكل بيت ومدينة رائحة خاصة ، فتتمظهر وكأنها ابجديات المحبة المتوشحة بالسرور ، تنشط ذاكرتنا البكرية فتفعل العلاقة بين البشر عبر التواصل والتفاعل والتحاور فيتم تنشيط الخيال المنتج للابداع فتصبح الرائحة هوية ووطن وصدق .

المقال السابقرسالة الكاتب
المقال التالىحكومة عبد المهدي بين السقوط والاسقاط
الاستاذ الدكتور شوقي الموسوي Prof.Dr.Shawqi Al.Musawi Babel University / College of Fine Arts - شوقي مصطفى علي الموسوي - تولد العراق /1970 - حاصل على شهادة البكالوريوس في الفنون التشكيلية / كلية الفنونالجميلة بجامعة بابل / 1992 - حاصل على شهادة الماجستير في الفنون تشكيلية ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد