الوعي الوطني الجديد وثالوث الوصايا التأسيسية القديم !

 

أشرنا في سابق لنا إلى ما ساقه الباحث الفرنسي المختص في شؤون الجزائر نيكولا بو، من تدخل فرنسي خفي في توجيهه لجماعة سعيد بوتفليقة (العصابة) بمعية القائد السابق للمخابرات الفريق محمد مدين في صراعها مع قيادة الأركان التي يقودها الفريق أحمد قايد صالح وهذا من أجل استبقاء مصالح المستعمر القديم في الجزائر، وهذا ما أعطى ولا يزال يعطي المبرر الإيديولوجي الموضوعي لأحمد قايد صالح للاستمرار في مواجهة بقايا الحراك الشعبي بل ومكنه ذلك من شق صف هذا الحراك إذ لامس مناطق حساسة من العاطفة الوطنية للجزائريين المعادية تاريخيا لفرنسا وعملائها القدماء منهم والجدد، مثلما مكنته بادرته بسجن هاته العصابة أذنابها من وزراء ومسئولين أمنيين وعسكريين وقادة أحزاب مصطنعة بتهم الفساد وتبديد المال العام من صرف جزء كبير من الحراك عن مطالبه العميقة والمتصلة بالوعي الجديد، تلك المتعلقة بوجوب التحول من نظام سياسي قديم تهالك بفعل أسباب ذاتية تتصل بتلاشي فكرة نشوئه الأولى وأخرى موضوعية تعلقت في جملتها بإفرازات التاريخ والحتم البيولوجي.

لكن ثمة نقطة أكثر من حساسة أشار لها نيكولا بو وهي تخص مستويات تورط الجيش ليس فقط في العمل السياسي، بل في توجيه أو بالأحرى التأثير في الوعي المطالب بالتغيير ورفع الوصايا العسكرية على الممارسة الوطنية في بلد تغيرت فيه رؤى الناس للتاريخ وأشيائه، فنيكولا بو أكد بأن الجيش الجزائري ليس مستعدا للتخلي عن صلاحياته الرئيسة الثلاث وهي:

أ) حمية الأمن الوطني

ب) الثوابت الأساسية.

ج) الانسجام الاجتماعي.

الملاحظ أن هذا الثالوث يقع في قلب المطالب المرفوعة من قبل الحراك مباشرة بعد تخطيه مرحلته المطلبية الأولى بإبطال الولاية الخامسة لبوتفليقة وتفكيك منظومته وعصابته التي تأسست بشكل فوق العادة على ظهر النظام السياسي القديم بالجزائر، فالجزائريون من وقتها صعدوا من مطلبيتهم من مجرد إزاحة الفساد إلى وجوب إزاحة آليات إنتاج الفساد ورجالاته بالبلاد، أي بتحرير المؤسسات السيادية لا سيما النيابية المنتخبة منها، من هيمنة قوى التعيين

بالانتخاب الصوري التي مورست على الإرادة الشعبية منذ الانتخابات الصحيحة والنزيهة الوحيدة في التاريخ الجزائر السياسي والتي جرت في 26 ديسمبر 1991 وتقدمت فيها الجبهالت الثلاث، الإسلامية (جبهة الإنقاذ)، الوطنية (جبهة التحرير) والعلمانية (جبهة القوى الاشتراكية) قبل أن تقدم القوات المسلحة على إلغائها بقوة الانقلاب العسكري وتزج بالبلاد في أتون حرب أهلية ضروس زُهقت فيها أرواح حوالي مائتي ألف قتيل.

والقطيعة التي ينشدها الوعي الجديد المحمول من أطراف متعددة ومتضادة حتى داخل الحراك هي أساسا مع مكونات ذلك الثالوث المؤول للتاريخ وقواعد التأسيس الوطني، بمعنى آخر أن الوعي الجديد صار ينظر إلى خطاب السلطة المستمدة النظام منمط للوطنية لكونه ليس ذلك المشروع الوطني الذي تداعت له تيارات الحركة الوطنية في بيانها التأسيسي بل هو مشروع دولة “جماعة وجدة” التي قطعت بانقلاباتها العسكرية والتاريخية مع أصول المشروع الوطني، وإعادة صياغة معنى الوجود الوطني بما يخدم مصالحها وبقائها أزلية في مركز الوعي الشعبي.

فأمن الوطن من حيث المبدأ هو نقطة إجماع كل الجزائريين، لكن الأمن الذي حمله خطاب السلطة من زمن الأحادية الشاملة، السياسية منها والثقافية والاقتصادية إلى فترة الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد سنوات التسعينيات من القرن الفائت، كان عمليا يعني حصرا المس بأمن “السلطة” ويعطى مسمى ومعنى أمن الدولة وليس أمن الوطن الذي قاتل وقُتل من أجله دوما الجزائريون، وبذلك صار الإشكال يتعلق بمدلول العملي معنى أمن الوطن ومن بوسعه أن يصنف ممارسته بكونها للأمن الوطني أم أمن الدولة أم السلطة وعصبة من عصبها.

ذات القول يقع على المسألة الثانية التي تستفرد المؤسسة العسكرية بصلاحية الحفاظ عليها وهي الثوابت الأساسية المشكلة للذات الوطنية، فالعسكري الذي يشار إليه في أدبيات التاريخ الوطني بوصفه مؤسس دولة الاستقلال، ليس مستعدا لترك فرصة لأي أحد ولأي جيل استجد لمعادة النظر في الثوابت الأولى المؤسسة للذات الوطنية، والتي يراها ثابتة لغة واصطلاحا وبمنطق التاريخ كما يتصوره هو، وحتى في عملية الانقلاب العسكري التي قادها جنرالات بداية التسعينيات ضد إفرازات الصندوق الانتخابي التعددي الأول في تاريخ الجزائر، برروها يومها بالتهديد “الاسلاموي” لأس من أسس القيام الجمهوري للدولة، في حين عاش الجزائريون عصرا أبعد ما يكون عن الجمهورية وأقرب ما كان من الملكية المطلقة طيلة حكم بوتفليقة وأسرته وأبناء منطقته ممن ينحدرون من تلمسان الذين تولوا مناصب مفتاحية في الدولة.

ولعل إصرار الجيش على الاطلاع بصلاحية تكريس وفرض “الثوابت الأساسية” هو ما يشرعن به اليوم رفضه لقطاع من الحراك الجزائري الحامل لرمزيات خاصة، ونقصد به

التيار البربري الامازيغي، الذي حقق طيلة فترة حكم بوتفليقة انتصارات لم يحققها مذ ظهر النقاش حول طبيعة الذات الوطنية فجر بزوغ الحركة الوطنية بداية القرن الفائت، كالاعتراف باللغة “الامازيغية” دستوريا كلغة وطنية ورسمية، وترسيم ما يسمى بالتقويم التاريخي الامازيغي في الدستور، بيد أن ارتباط نخبه الثقافية والسياسية بفرنسا وطعنه الدائم خطابيا في في مشاريعه الثقافية والسياسية في المكون العربي للجزائر يضعه دائما محل استرابة من قبل الجهاز المؤسس للدولة (العسكري) بداعي أنه مشروع مشكلة وطنية زرعتها فرنسا في الجسد الوطني.

لكن كيف يمكن تحقيق الانسجام الوطني الذي ترفض المؤسسة العسكرية بحسب كلام نيكولا بو أن تفرط فيه كصلاحية هامة من جملة صلاحياتها كفاعل في الوجود الوطني، إذا ما جُعلت الثوابت الوطنية غير قابلة لمعاودة النظر أو الجدل؟

الانسجام الذي تحدث عنه “بو” بوصفه حاجة مجتمعية تفرضها القوة وليس الوعي، لم يتحقق في بقعة صغيرة بالصحراء مثل “غرداية” التي يتماس عليها عرقان عربي (شعنبي) وأمازيغي (ميزابي) حيث تشهد أزقة هاته البلدة عن صراعات دموية لأسباب أحيانا يُراد لها أن تكون مجهولة، في حين تؤكد أطراف عارفة بالأصول التاريخية لهذا النزاع أن منشأه كان في عهد بومدين يوم خربت سياسته التأميمية للأراضي بالنظام الوراثي للأرض فورث بالتالي المجتمع الريفي أوزار “جماعة وجدة” في الاسقاط القسري لحداثة التاريخ (الاشتراكية العلمية) على الجغرافيا في تغييب لواقع وأفق الوعي الشعبي بها.

خلاصة كل ما سبق هو أن الوعي الوطني الجديد يقف حاليا محل استرابة من قبل سلطة النظام القديم، التي بسطت بحضورها وسطوتها على المجتمع بدون مشروع الوطني موضوعي كان بوسعه يجنب البلاد الفراغات القاتلة التي يعيشها حاليا ليس فقط على صعيد فراغ الشرعية السياسة التي ظلت محور النقد السياسي لمشروع جماعة وجدة، بل لشرعية ما تم فرضه ورفضه في مسار نشوء ونمو الوعي التعددي الذي تفجر في هذا الحراك بشكل موحد في ضرورة تجاوز الوصايا على الوعي واحتكار سيادة الشعب في الاختيار لممثليه وتدبير مصيره ومتعدد بل ومتناقض في تفاصيل مطلبيته.

وكل ذلك يؤكد أن بوتفليقة لم يأت بمشروع وطني يفتح وينفتح على ورشات تشتغل على مسألة ملء الفراغات الكبرى الذي تركتها جماعة وجدة ووهي اليوم ثقل كاهل المؤسسة العسكرية، بل ظل مشروعه هو حكم الجزائريين والتأسيس لأولويغارشية مالية هجينة تكون بديلا سياسيا للطبيعة التعددية التي أقرها دستور 1989 وتراجع عنها بشكل كبير دستور 1996 قبل أن يقتلها بوتفليقة بخرقه المتواصل والمتتالي للدستور، أوليغارشية عملت بالمال العام الذي نهبته على إطالة حكمه والتأسيس لدولة العائلة القريبة للملكية المطلة منها

للجمهورية ولا أحد تدخل وقتها، بما في ذلك قيادة الاركان الحالية للحفاظ على الثوابت الأساسية للدولة الوطنية.

المقال السابقاسنان الفساد تطال الحريات الصحفية
المقال التالىضجيج الباطل لا يُسبـغ عليهِ حقـاً ج 3
بشير عمري كاتب صحافي جزائري.. يشتغل على نقد الخطاب السياسي، بالإضافة لاشتغاله في حقول الأدب والفن نقدا وإبداعا يكتب في القصة القصيرة والرواية... عمل بالعديد من الصحف الجزائرية، ويساهم في عدة دوريات عربية وأجنبية. حامل لدبلوم في الاقتصاد التربوي، من المعهد التقني للتسيير. صدر له: 1) حول ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد