ألووووو … لآمنة الرميلي

 

الكتاب غريب منذ عنوانه: ألووووو… (ستة واوات وكان الأجدى أن تكون خمسة). ونجد تحت العنوان جنس الكتاب: قصص:قد يكون هذا العنوان تمويها

ألوووو.. عبارة تحيل على محادثة سمعيّة قد تقصر وقد تطول. كيف للكاتب أن يحقّق هذا التواصل الشفويّ عبر المكتوب؟ فكيف للسمعي auditifأن يتجلّى من خلال المرئي؟ وهذا المزج قد يبيح لنا أن نتحدّث عن ثنائية l’audition et la vision مع ميشونيك الذي يقول في هذا الصدد: ” الإيقاع يدخل الرؤية في السمع فـ l’audition مجالها الأذن و la vision مجالها الصفحة والحرف المكتوب. وجنس الكتاب قصص فكيف تُبنى القصص بالحوار الشفوي؟

ما رهان الكاتبة في هذا العنوان؟ أجزم أنّه شدُّ القارئ إلى كتابها وإمتاعُه بشتّى الوسائل، بالإيجاز والإخبار

نصوص واعدة بين المكتوب والشفويّ تعد بالمتعة وتستدرج قارئها بما يميل إليه كاستدراج الأمّ لابنها بقطعة حلوى وإغرائه بما يشتهيه. ما الذي يغري قارئا ما؟

كلّ قارئ ينشدّ إلى سحر الخبر وفتنته على شرط أن يكون جديدا، حيّا، وجيزا، واضحا. وقد نجد هذه التيمات في جنس القصة على خلاف الرّواية لطولها والشعر لغموضه.

كلمة “قصص” هل تعني بذلك الجنس المألوف بمقوّماته وفنّياته السائدة أم يكون ذلك الطعم المغري الذي تستدرج به آمنة الرميلي قارئها؟

والكتاب في تقديري: ثلاثة أجزاء متفاوتة:
· جزء1: نصوص مذيّلة بتواريخ من ديسمبر 2010 إلى نوفمبر 2013 من (الصفحة 7 إلى 102)
· جزء2: نصوص متفرّقة ذات وشائج إنسانيّة مختلفة
· جزء3: قصيصات: قصص قصيرة جدّا

فالكتاب في أجزائه الثلاثة متلوّن ومتأرجح بين فنون عديدة: يأخذ من الرواية أسلوبها وعالمها ومن الأقصوصة قصرها واختزالها ومن المذكرات تواريخها ومن الشعر صوره ومجازاته (ص11) (ص16)

هذا الخليط بين الأجناس يكشف عن ماهيّة الكاتب المبدع. هذا الكاتب الإنسان الذي لا يتجزّأ.هو خليط من المشاعر والشواغل كذا الكتابة هي خليط من الأجناس لا يمكن حصرها وسجنها في قوالب جامدة وسنن بالية ونماذج وأجناس نظريّة

تؤكّد آمنة الرميلي في هذا الكتاب أنّ الإبداع عمليّة حرّة تكفر بالتقاليد ولا تؤمن إلّا بالتجديد.

والنصوص بين الرواية والمذكرات والأقصوصة والشعر كلّ يأخذ من الآخر بمقدار فيتشكّل لك عالم بين الحقيقة والخيال، بين الذاتي والجمعيّ. فالكلّ متظافر، غير متنافر، مجتمع غير

منفصل، طوّعت الكاتبة هذا المختلف وأخضعته لمشيئتها الفنّيّة وتعاملت معها أدوات تعبيريّة فحسب فلم تسجن نصوصها في أجناس مكبّلة قد تبدو في الظاهر متباعدة لكنّ الكاتبة بقدرة فائقة صهرتها وأذابت الحدود بينها فتشكّلت بها هذه النصوص المثيرة للدهشة.

آمنة الرّوائيّة الشاعرة القاصّة أي الكاتبة كتبت هذه النصوص بكلّ هذه الصفات بل بروح لا تعترف بالحدود، بروح متحرّرة من كلّ قانون. فلا يعلو عليها شيء ولا تخضعها السّنن، كلّ الأشكال تبيح لها الاختلاط فهي أدوات وأوعية لا ترتقي لتحتوي كيان كاتب لأنّه كيان لا يقبل العقلنة ولا الاحتواء لأنّه غير متناه.

قوّة الكاتب المبدع في تجدّده واختلافه عن الآخر وفي هذا الكتاب جدّة وتميّز فنّياّ ومضمونيّا:

القسم الأول:
تبدو الشخصيّات في هذا القسم مستقلّة لكن إذا اجتمعت في ذهن القارئ تشكّل عالما واحدا متناميا هو عالم المجتمع التونسي في الفترة بين 2010 و2013

هذه الشخصيات بعوالمها النفسيّة العميقة شخصيّات روائيّة استحضرتها الكاتبة في فضاء قصصيّ وبأسلوب شعريّ وفي زمن واقعيّ وبلغة قريبة من اليوميّ. فعلا هي خلطة جميلة معيار جودتها مدى إقبال القارئ على هذا النوع من النصوص المتلوّنة. فكلّ قارئ سيجد نفسه في هذا الكتاب وسيذهب عنه شبح الرتابة الذي قد نهابه عند نيّة القراءة.

الأحداث:
حصرتها الكاتبة في اثنتي عشرة قصّة على عدد أشهر السنة التي باكتمالها في 2013 كان الجزء الثاني في الكتاب مع رأس السنة ومريم تحرق أخشابها لينطلق نوع آخر من القصّ. كلّ قصّة هي حالة نفسيّة من فترة حاسمة مرّت بها الثورة التونسيّة، ثورة الحرّية والكرامة:

1) لحظة احتراق البوعزيزي: شرارة الثورة (ديسمبر2010)
تصوير الحالة النفسيّة للبوعزيزي عند تلقّيه الصفعة

2) فترة القنّاصة ( أفريل 2011)
تصوير مشاعر قنّاص وصراعه النّفسي بين عقله وقلبه وهو يغتال صدور الشباب

3) اعتصام القصبة ( أفريل 2011)
تصوير الأجواء من خلال قصّة حبّ نشأت بين معتصمين بالساحة

4) أحداث جبل الشعانبي (ماي 2011)
نسج حكاية مثلية بتمثيل تونس الخضراء أمّا بعينين خضراوين وتفتح حضنها لأبنائها بكلّ حبّ ثم تتفاجأ بأنّهم ذئاب بأنياب زرق ينهشونها

5) أحداث القمع والتعذيب (جوان 2011)
تصوير مشاعر أمنيّ جلّاد من البوليس السياسي يحبّ الضرب بقطع الكاوتشو( ص35)

6) أحداث الإرهاب والذبح (نوفمبر 2011)
قصّة انهيار طبيبة نفسيّة بعد سماعها لحكاية أحد مرضاها من الإرهايّيين تفّذ عمليّة ذبح

7) وضع الإعلام: الصراع والاضطراب (ديسمبر 2011)
اضطراب مديرة تحرير في صحيفة يوميّة أمام أحمد القهواجي العامل في شرب الجريدة حين اعترف لها بحبّه

8) فترة انتشار النقاب واللّباس الأفغاني في تونس: التطرّف الدّيني ( فيفري 2012)
تصوير مشاعر أمّ تنقّبت ابنتها وغادريت بيتها غضبا من أمّها السّافرة وتهدّدها بألّا تعود إلّا إذا هداها ربيّ.

9) موجة الجهاد إلى بؤر الفساد ( جوان 2012)
مشاعر صحفي تونسي يقع أسيرا في يد مجاهدين أفغان من بينهم تونسي حارسه الذي سيهرّبه.

10) فترة الظلام والتشدّد الدّيني وروح الزهد والتصوّف ( جوان 2012)
حكاية رسّام لم يعد يجد في تونس سوى السواد والبياض والصمت والفراغ فبات عاجزا عن الرّسم وفقد معاني الحياة. (ص78): نزعة الكفر بالجسد ومحاولة إقصائه وتهميش نداءاته

11) فترة التحرّر والانفلات الأخلاقي في تونس (سبتمبر 2013)
قصّة راكب في سيارة أجرة مع هاتفه الرّنّان

12) تغيّر تونس ( نوفمبر 2013)
وصف روائح زنخة \ غثيان \ ظلام \ خوف \ قلق \ دماء \ ضياع… ( ص100 و101)

هنا يتوقّف التأريخ للنصوص ولم تعد النصوص اللّاحقة مذيّلة بالتواريخ. فأوّل النصوص كانت فاتحة سنة جديدة 2014 أي صفحة جديدة في الكتاب ( ص103 ومريم تحرق أخشابها ليلة رأس السنة) مع نهاية سنة وبداية سنة تغيّر الرّاوية مسار القصّ لديها وتغيّر فضاءاتها وشواغلها = مع رأس السنة يبدأ فصل جديد في هذا الكتاب المتلوّن.

لو عدنا إلى العنوان لأكّدنا أنّ آمنة تراوغنا بعد استدراجنا. كذب لذيذ ومراوغة ذكيّة شوّقت بها القارئ الذي هو عماد العمليّة الإبداعيّة. ما من إبداع حقيقيّ يقصي فيه صاحبه هذا المتلقّي مهما اختلف عن الكاتب. وهذا المتلقّي هو الذي يوجّه اختيارات الكاتب أحيانا ويكيّفها الكاتب وفق رغباته. آمنة بين شخصيّاتها وقرّائها تحاورهم وتراوغهم. تحاور شخصيّاتها وتحادثها عبر ألووووو عنوان قصّة من القصص ص 85 ( لهذا قلت أفضّل لو كانت خمسة واوات لأنّها ركّزت على الرّنّة الخامسة في قصة ألووووو) وتراوغ قرّاءها بمكر لذيذ ولا نستغرب من آمنة قدرتها على المراوغة فهي راوغت الأصفهاني في مدوّنته في كتابة القتل فكيف لا تراوغ قارئها؟ وقد لمست فنّياتها الماكرة في كتابها ذلك ولم أستمتع بكتاب نقديّ قدر استمتاعي به.

مكر آمنة وكيدها الفنّيّ سمة ثابتة في كتاباتها المستفزّة اتي تطلب قارئا فطنا، ذكيّا، لا يقلّ عنها مكرا. وهذا النوع من الكتابة شبيه بكتابة الرواية الغربية الحديثة: تجربة كتابة الرواية بأساليب القصّة والأدب الوجيز. فنجني الإيجاز والتكثيف الدلالي والتّنوّع الفنّيّ.

لا تعليقات

اترك رد