دخلت اللعبة في نهايتها

 

عشنا خلال الفترة الماضية التي زادت عن الأشهر الثلاث مسرحية طويلة وعريضة حول حرب أمريكية إيرانية وشيكة وارتفعت أصوات المحللين بالصراخ هذا مع الحرب وآخر ضدها وغلت أعصابنا بين خوف من وقوعها وما ستخلف من كوارث ستلحق بالبشرية عامة ومنطقتنا خاصة ومنا من قال إنها ستوازي الحرب الكونية في ما سينتج عنها من خسائر وإنحبست أنفاسنا بعد أن أسقطت إيران الطائرة المسيرة الأمريكية الأغلى كلفة في العالم والأكثر تطورا وذات المواصفات التي لا تمتلكها غيرها من طائرات التجسس المسيرة وطبعا ارتفعت وتيرة التصريحات الأمريكية الخطيرة من أعلى المستويات والشرح يطول في هذا الجانب وعدنا الى حبس الأنفاس مرة أخرى بعد أن بلغت الأفعال لا التصريحات الرنانة من أعلى قيادات الأمريكية والإيرانية الى ضرب وتبادل اختطاف السفن من كلا الجانبين وها هي الأيام تمر والحمد لله لم يقع ما كنا نخشاه وأصبحت الأمور تبشر بخير أكثر وتتجه نحو الانفراج وتؤكد ما قلناه سابقا من استبعاد وقوع الحرب بين الطرفين .

في كل الحروب تلعب القوى الاستخباراتية دورا مهما في توقع وحسم نتائجها منذ البداية وآي طرف سيكون المنتصر وعلى هذا الأساس يتم انجاز متطلبات الانتصار وتوفير الاستعدادات اللوجستية له وهل سيكون لهذه الجهة أو تلك رغم إن المنتصر فيها أيضا خسران فان من المهم جدا أن نضع في حساباتنا عند دراسة موضوع مثل هذا إن إدارات الولايات المتحدة الأمريكية تعتمد في سياستها على استطلاعات رأي الشارع الأمريكي المحلي خصوصا ومن ثم الرأي العالمي وان سياستها ترسمها أجهزة مخابراتية يلتزم بها حتى الرئيس الأمريكي نفسه تقوم على أساس البحوث التي تجريها مراكز البحث والدراسة ذات التخصص العميق في القانون والسياسة الدولية وبهذا فان الإدارة الأمريكية تحسب لخطواتها في أي موضوع إلف حساب قبل أن تتجه الى تنفيذه رغم إن الرئيس فيها يمتلك صلاحيات واسعة جدا بحسب الدستور الأمريكي لكنه مع ذلك يتجنب الاصطدام بمعارضيه في الكونغرس الأمريكي أو في أية مكان آخر حفاظا على سمعته الشخصية وسمعة الحزب الذي ينتمي إليه خصوصا إذا كان يطمح الى دورة رئاسية ثانية وحتى بعد هذا يحاول الحفاظ على شعبيه حزبه وقاعدته الجماهيرية ناهيك عن ما سيسجله في تاريخ دولته وتاريخه الشخصي ولا احد يتمنى أن يذكره التاريخ بسوء.

المهم إن ما نريد الخلاص الى قوله إن كل ما جرى هو عبارة عن مسرحية تديرها جهات مخابراتية فالتعاون الأمريكي الإيراني قائم ولن ينتهي بشكل مباشر أو غير مباشر لالتقاء المصالح الحتمي مع تفضيلات بلا شك لمصلحة كل بلد الخاصة وهذا لا يعيب أي دولة ولا ينتقص منها لأنها تسعى الى بناء مجتمع متحضر يواكب سير الحضارة العالمية بالطريقة التي تراها هي لا يراها غيرها لها وهذا سر الاختلاف الحاصل الآن فلا أمريكا تطمح الى ضرب إيران ولا تريد أن تجعل منها دولة هزيلة على الطريقة العراقية ولا إيران تحاول أن تصل الى درجة التقاطع مع أمريكا لأسباب يعرفها الجميع بما فيهم نحن العرب المتضرر الأكبر من كل ما يحصل.

أيام غفوة العرب الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أدوات لتنفيذ رغبات الغير وأموالهم مسخرة بإرادتهم للغير في بدايات المنتصف الثاني من القرن العشرين كانت إيران تسعى لصناعة نووية في مناطقها الحالية واستحصلت موافقات خطية من كل الدول المعنية على السواء دول الجوار والمعني هنا العربية والدول العظمى بما فيها الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي ولكن اختلاف المصالح أوصل الحال الى ما هو عليه الآن مع الانتباه الى مواقف بعض الدول المؤثرة في السياسة العالمية الموالي لإيران كروسيا والصين وهو لا يغير من الود شيء إلا بقدر السعي الى عودة موازين القوى الى وضعها الطبيعي بعد أن انفلتت بعض الشيء وهذا الموضوع الإسهاب فيه غير مناسب في الوقت الحاضر احتراما للمشاعر.

إيران امتلكت قوة لا يستهان بها بناءا على تجربتها خلال الحرب الإيرانية العراقية إضافة الى أسباب أخرى وهذا أيضا حقها الطبيعي خصوصا وإنها تمتلك كل مقومات الصناعة العسكرية إضافة الى الإمكانيات المادية والبشرية والولايات المتحدة الأمريكية تعرف كل هذا وأكثر مما تحاول إيران أن تخفيه من خلال مجساتها التي زرعتها في إيران مع وجود الأقمار الصناعية التي تراقب عن كثب مع العلم إن إيران تعلن باستمرار عن تطوير قدراتها القتالية وتجري تجارب صاروخية غير مخفية وهذا لا يلغي التفوق العسكري الأمريكي وقدرتها على تدمير ما لا يمكن حصره في إيران ولكنها تدرك خسارتها وما ستؤول إليه نتائج الحرب وتدرك معنى ضعف إيران إقليميا وما سيلحق بها من ضرر نتيجة ذلك.

في أكثر من مقالة ومعنا الكثير من الناس الحريصين كنا نخشى من جعل الأراضي العراقية مسرحا لتصفية الحسابات بين الطرفين خصوصا وان إيران تسعى الى الإسراع في حسم نتائج الحصار الأمريكي عليها واستخدمت لذلك كل الوسائل وتواجدها في العراق بثقل كبير ومؤثر حتى في صناعة القرار السياسي لا يخفى على احد وأمريكا تعرف هذا وتحاول الحد منه وهو احد أسباب الحصار على إيران وأمريكا تقود التحالف العسكري المتواجد في العراق ومسئولة عن حمايته من أي اعتداء خارجي على الأقل حسب اتفاقية الدفاع الإستراتيجية المشتركة بين البلدين فكيف يتم اختراق الأجواء العراقية ويتم قصف مخازن الأسلحة وهل إن هذه الأسلحة تؤثر على التواجد الأمريكي وتشكل خطورة عليه علما أنها سارعت الى نفي علاقتها به وان إسرائيل أعلنت مسئوليتها عن القصف ولو بشكل غير رسمي فلماذا تتعمد إحراج أمريكا وهي ابنتها المدللة إذن ؟ وهل إن العراق بما يملك يستطيع أن يشكل خطرا على إسرائيل وإذا كانت إسرائيل تدرك إن هذه الأسلحة إيرانية الصنع فلماذا لم تقصف مخازنها داخل إيران ؟ وهكذا تستطيع أن تضع الكثير من علامات الاستفهام وترسم لها في مخيلتك أكثر من إجابة لكل سؤال للتوضح الصورة أمام عينيك.

عودة على بدء وبعد أن كانت بلادنا مسرح القصف فان طرفي الخلاف أمريكا وإيران بوساطة أو بدونها اقتربا من بعضهما واتجها الى اللقاء والدولتين في سلام دون أن تتعرض أراضي أو شعب كل منهم لأي ضرر وعن قريب سيتم الإعلان عن نهاية الاختلاف ويعود الجميع الى لعب دوره الطبيعي وفقا لمصلحته وسيبقى العرب هم الخاسر الأول والأخير في أي خلاف يحصل.

لا تعليقات

اترك رد