فُرص القرية الضائعة

 

الجبلُ شامخُ ، بعض الشويهات ترتعُ هنا وهناك ، غرس الله كعادته يقرأ القرآن بعيدًا عن العيون و بين الجفون ، الصّوت يتسلّل مع النّسيم ، القرية تعيش معركة العمودية ، من سيصبحُ عُمدة القرية ؟ و من سيصبحُ واليًا للبلاد ؟ أحلاف و أعلاف و ركض و كرّ وفرّ في السّوق و بين التّلال ، أسمارٌ كثيرة ، وأحاديث ومكائد في الحمّامات و المخابز و المطاعم والحانات والمساجد و في الشّواطئ والموانئ والمطارات والحانات ، لغطٌ و غلطٌ و أشواق وأحلام و عذابات ، و أحقاد وبغضاء و دسائس تحت الماء و في المخازن ، الإدارات تعجُّ بالقيل والقال و التوقّعات ، انقطعت الأعمال و فسدت مصالح النّاس ، لأسابيع متتالية لم تنتصبُ الشّوق الأسبوعيّة ، الكلّ يغوص في بحر الكُرسي ، انتفض الصّوت من سُباته و اقترب امتدّ بين السُّيول و جذوع النّخل ، و قال:{ أستطيعُ أن أضع نفسي حَكمًا بين ذينك العلمين الجليلين ، و لا أستطيعُ أن أفعل ذلك بين العمدة و نائبه } اختفى الطّيفُ و خمد الصّوتُ ، امرأتان واقفتان وراء سطر التّين الشّوكي ، همست السّمراء العذبةُ للكاعب البتول بحديث فقالت ــ : .. ثمّ لم تكن جدّتي أمينة و لم يكن أبي صادقا في وعده ، لقد استهلك كل مؤونة البيت ، وباع الحصان والبقرة و باع أشجار الزيتون شجرة تلوى الأخرى بسبب نزوات أخي الأكبر الأحدب الأحول ، أخي اللّعين الّذي كان يشارك المهرّبين و الخمّارين و يُقحمُ نفسه في البورصة القروية ، أخي الأكبر كان يستغلّ مكانة أبي في القرية ، و يدخل بيوت القرويين ويشاركهم أموالهم بالتمويه و الكذب ، كنتُ منتبها إلى ذلك ، ولكنّني كنتُ أخشى سطوة أبي وغضبه لأنّه يحبُّ أخي حفيظ كثيرًا ، و أخي حفيظ كان فاشلاً في كلّ شيء . كلّما دخل سوقًا إلاّ وكسدت ، ولكنّه كان داهية و ماكرًا ، هو يعلمُ أسباب فشله ، وأوّل تلك الأسباب تسرّعه و نرجسيته وتهكّمه على القرويين أحيانا كثيرة ، و القريون مدفوعون إلى كسب ودّ حفيظ ، وبذلك استطاع حفيظ ضرب عصفورين بحجر واحد ، كان يكثرُ مجالسة أبي في الحلقات التي تجمعه بالغلابى و سادة القوم ، ويُظهر الوقار و لا يتكلّم ، و يُكثر من مصافحة الأشياخ و تقبيلهم ، فظنّوا به خيرًا وشاركوه تجارتهم وفلاحتهم ، واختلط مع أبنائهم المهرّبين ، ماذا أقول لك يا خالتي رُزيقة هذه حكايتي مع المرحوم والدي الّذي أفسد القرية وضيّع علينا فرصًا كثيرة و باع كلّ شيء بسبب أخي الفاسد حفيظ ، و صرنا اليوم نقترض من القرى المجاورة الدّقيق و المال و ننكّس رؤوسنا للأغراب . كانت رُزيقة تُصغي إلى الهانية ابنة شيخ القرية و هي تحكي أخبار عائلتها لصديقتها و رفيقة دربها داخل محطّة الحافلة . و فجأة بكتْ الخالة رُزيقة وقالت ــ : ليكُن في علمك أنّ والدك تزوّجني سرًّا وأخفى في كوخي مالاً كثيرًا ، لم أقدر إلى الآن على صرفه ، هيّا معي إلى البيت لنقتسم المبلغ . انطلقتا بسرعة إلى كوخ حذوى الجبل ، دخلتا ، حفرت الخالة رزيقة حفرة و سحبت كيسا بلاستيكيًّا وفتحته ، اهترأت الأوراق المالية وأكلتها حشرات الأرض ، لم تعد صالحة لا للقبض و لا للبسط ، ثمّ فتحت ورقة صفراء بالية و لكنّ الخطوط المكتوبة فيها واضحة ، عجّلت الهانية بقراءة الورقة الأولى ، و وضعت سبّابتها على جملة واحدة في الورقة الصّغيرة ــ هذه حُجّة ملكية الأرض القبلية مساحتها عشرون هكتارا لابنتي الهانية و لكن عليها أن تبني مدرسة في القرية ، أنا لم أكُنْ فاسدًا ولا ظالمًا و حفيظ ابني ربّي يهديه استغّل محبّتي الفائقة له و أفسد كلّ شيء . فخطفت الهانية الورقيتين وخرجت تجري و هي لا تستطيعُ أن تتحكّم في دموعها.

لا تعليقات

اترك رد