لعبة الخداع هل خدع هيكل قراءه ؟

 

لما يزيد على سبعة عقود ظل الكاتب الراحل الكبير محمد حسنين هيكل يكتب، لم تمنعه عن هوايته التى وصلت إلى درجة العبادة معارك اضطر لدخولها، ولم تعطله عواصف أحاطت بتجربته، ولم تحبطه حملات تشويه نالت من تجربته المهنية والإنسانية، كان يلقى بكل ذلك خلف ظهره، مرددا عبارته الشهيرة: بلا دوشة.

يحاول البعض اضفاء قيمة لهيكل عندما يقولون أنه كان شريكا لعبد الناصر فى صنع تجربته السياسية بعد أن حط الفعل الثورى رحاله.

أنيس منصور كان يبالغ فى الأمر كثيرا، ويقول أن عبد الناصر كان صناعة هيكلية، وهو ما لا يمكننا الركون إليه، ربما لأن أنيس كان يريد النيل من الرجلين، عبد الناصر لأنه منعه من الكتابة وشرده، وهيكل لأنه حجبه مهنيا، فلم يستطع أن يكون الصحفي الأول أبدا، وهو ما حدث مع كثيرين فى حياة هيكل وبعد وفاته التى استسلم لها فى فبراير ٢٠١٦.

رغم كل الأدوار السياسية والدبلوماسية وربما المخابراتية التى لعبها هيكل، إلا أن قيمته منحتها له كتاباته التى امتدت من تقاريره الأولى التى نشرها متدربا فى جريدة الايجبسيان جازيت فى بداية أربعينات القرن العشرين وحتى كتبه التى مات دون أن ينشرها محتفظا بها فى أرشيفه الخاص، ولا أحد يدرى هل تنشرها أسرته أم تظل خبيئته التى لا يعرف أحد عنها شيئا.

كنت جالسا مع الأستاذ فى مكتبه المطل على نيل الجيزة، وبين سطور حديث سياسى وشخصى، وجدته يلتفت يسارا، ويقول لى: هذا هو كنزى الحقيقى، ولما سألته عن ماهيته؟ وجدته يتحدث عن أحد عشر كتابا كتبها بالإنجليزية مباشرة.

عاودت الاستفسار عن كونها كنزه، قال لى: كتبت فيها ما أردت كما أشاء، لم يتدخل أحد، ولم أخضع لمواءمات فيما كتبته بالعربية، ودون أن ينظر إلى، فقد سيطرت كتبه بالإنجليزية على اهتمامه كله قال: من الصعب أن تكتب لقراء العربية.

أمسكت بهذه الكلمة التى لم تغادرنى أبدا، وأنا أطالع ما كتبه هيكل بالعربية مباشرة، وهو أمر فعلته ولا زلت أكرره كثيرا، وظل معى سؤال لا يبارحنى أبدا، وهو: هل صارح هيكل قراءه بالعربية بكل شئ، أم أنه مارس معهم لعبة الخداع التى يجيدها الكتاب فيمررون من خلالها ما يريدون، دون الإمساك بهم وهم يتفلتون من بين أصابع جمهور لا يريد سوى الحقيقة، أو ما يعتقد على الأقل أنه كذلك؟

تجسدت الإجابة على هذا السؤال وأنا أطالع ما كتبه هيكل عن مبارك بعد رحيله عن السلطة فى فبراير ٢٠١١، فى ثلاثة كتب ومنحها عنوانا دالا هو ” مبارك وزمانه”.

فى مقدمة ما كتبه هيكل قال أنه سينشر كل ما كتبه عن مبارك، فى محاولة منه لتفسير ما جرى فى مصر ولها، من رئيس يبدو أنه لم يكن يحمل له أى قدر من الود أو أى مساحة من التقدير، ربما لأن مبارك قال لهيكل فى أول لقاء بينهما _ كما يروى الأستاذ _ : الصحفيين دول عالم لبط.

انتهيت مما كتبه هيكل، ولم يكن صعبا على أن أعرف أنه لم يكن صادقا مع قراءه، فقد حجب جزاء مهما مما كتبه عن مبارك، ولأن الأرشيف سلاح الباحثين عن الحقيقة، فقد عدت إلى أوراقى التى استعنت بها فى كتابة رسالتى للدكتوراه عن تيار الإثارة المصرية لأجد ما هو أكثر إثارة.

حوار على ثلاث حلقات نشرته جريدة أخبار اليوم بداية من ٤ يناير ١٩٨٦، ثم ثلاث مقالات نشرتها الجريدة الأسبوعية بعد حالة الحوار التى بعث فيها هيكل بالدماء الساخنة فى الشرايين المتيبسة.

عندما تعرف ما قاله هيكل فى حواراته ومقالاته، ستعرف لماذا حجبها.

كان هيكل يمهد لعودته للكتابة بالحوار، الذى قال فيه نصا: إذا كان لرأيى قيمة فهو موجود لمن يطلبه، فى إشارة واضحة إلى أنه يحاول أن يعود إلى سيرته الأولى بالقرب من رأس النظام، متجاهلا ما جرى فى النهر من مياه كانت كثيرة.

فى مقالاته فعل هيكل ما هو أكثر، عندما وضع مبارك بين قوسين وهو أنه أمانة فى ضمير كل مصرى، لم يكن هذا عنوانا وضعه هيكل لمقاله، لكنه كان المعنى الذى يدور حوله، وكان سهلا على كاتب بحجم وخبث إبراهيم سعدة رئيس تحرير أخبار اليوم ناشرة المقالات أن يبلوره ويصدره على أنه رأى هيكل فى مبارك.

فى كتاب هيكل عن مبارك لم أجد أثرا لا لهذه الحوارات ولا لهذه المقالات، فبدأت طقوس قراءتى له تتغير، فأنا لا أبحث عما قاله الكاتب الكبير، ولكنى أسعى وراء ما لم يكتبه، لا يشغلنى ما كشف عنه، بل يعنينى ما حجبه، وقد أثبتت التجربة أنه كثير ومهم.

لا ينكر فضل هيكل على الذاكرة العربية إلا جاحد، لكن لا يستسلم لكل ما قاله دون مناقشة إلا ” مغفل”.

لقد كتب هيكل ما أراد، لا ما يجب.

ولذلك فمراجعة تراثه الذى أصبح ملكا للتاريخ أمر حتمى، وهو ما أعتقد أنه لابد أن يتم بعيدا عن ساحات التقديس التى يطلق فيها دروايشه البخور طلبا لرضاه رغم وفاته.

محاولة مثل هذه لا تنتقص من هيكل ولا تسيئ إليه، سبق وفعلها هو مع الأحداث والمواقف والرجال، وأعتقد أن من حقنا أن نفعل ذلك معه، ولو قلت أنه مات ولا يجب نزال رجل ميت، سأقول لك أن هيكل نازل الأموات إلا قليلا.

على الهامش: أعمل على كتاب عن هيكل يحمل نفس عنوان المقال.

المقال السابقالبدعـــــــــــــــة صندوق الافكــــــــــــــــار !!!!
المقال التالىمهنة الروّاف
د. محمد الباز كاتب سياسى رئيس مجلسى الإدارة والتحرير لمؤسسة الدستور مقدم برنامج ٩٠ دقيقة على قناة المحور مدرس الصحافة بكلية الاعلام جامعة القاهرة اهم مؤلفاته العقرب السام ... عمر سليمان جنرال المخابرات الغامض كهنة المعبد ... أسرار السياسة والصحافة التركة الملعونة ... كتاب الأسرار ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد