الانتخابات هي الحلّ .. الانتخابات هي المشكلة

 

تدلّ مادة “ن,خ,ب” في لسان العرب على : انتخب الشيء اختاره والنخبة ما اختاره منه ونخبة القوم ونخبتهم خيارهم قال الأصمعي يقال هم نخبة القوم بضم النون وفتح الخاء.”

عندما نذكر الانتخابات نستحضر رغبة الناس في المجتمعات المتحضرة منذ القرون الوسطى وحتى قبلها في إيجاد نظام بديل عن الاختيار بالتعيين في المسائل العامة التي تهم القبيلة والأمّة والشعب وليست تهمّ الفرد فقط أو تهم عائلة بذاتها. وتكون للانتخابات آثار ملحوظة على حياة تلك المجتمعات . فقد لجأ عرب الجاهلية مثلا إلى شكل قريب من الانتخابات ألا وهو استشارة الأقداح للفصل في الأمور الدينية والدّنيويّة الهامة ذات القيمة والتي يمكن وصفها بالمصيرية. وفي اليونان وروما وهما شعبان سبّاقان إلى الحضارة لجأ القوم فيهما إلى الانتخاب وسيلة لحسم الخلافات وتلفي ما يمكن أن ينجم عن الاستبداد في الرأي في عملية الاختيار.

الانتخابات هي الحلّ:
ليست الانتخابات الأداة المثلى في المطلق. ولكنها الأمثل في ما هو متاح اليوم. فهي التي بواسطتها تحسم.الشعوب في اختيار القادة والممثلين والمسيّرين وحتى اللاعبين والمطربين عندما يتعلق الأمر بالمسابقات. فالانتخابات إذن أشمل من كونها أداة لحسم الخلافات السّياسيّة.والانتخابات التي ربّما جاءت بنتائج غير متوقعة (أو تبدو غير متوقعة بالنسبة إلى البعض) لا تنجم عنها الخلافات إلاّ حينما تكون النوايا المبيتة غير خالصة لتحكيم هذه الوسيلة التي تبدو أفضل الممكنات.

بالانتخابات النزيهة والشفافة تسدّ الذرائع أمام النزاعات والحروب حينما تكون عقدا بين كل الأطراف يحظى بالقبول من الجميع أوالغالبية العظمى من المعنيين بها على الأقلّ.

وبالانتخابات استطاعت البرجوا زيّة في أوروبا تحييد الكنيسة وحلفائها من الإقطاعيين وملاك الأرضي. وغدا هذا الشكل الديمقراطي في التصعيد أداة للتحرّر من جور تحالف الدين مع المال. كما استطاعت كثير من الدّول في العالم النّامي أن تهزم بها الرّأسمالية المتوحشة وتصعد بفضلها مناضلين من أحزاب يساريّة يبشرون بمناويل تنموية جديدة تراعي الطبقات الفقيرة والعمّال.فهي تعتبر ,في هذا الإطار, أداة الطبقة الكادحة لتحقيق “ثورة” نظيفة بلا دماء.

الانتخابات هي المشكل.
رغم أنّ الانتخابات هي أفضل الموجود وليس أكمل المنشود, ورغم أنها ساهمت في تجنيب الأمم والشعوب كوارث لا يعلم نتائجها النهائيّة إلاّ الله. فإنّها في الآن نفسه لا تخلو من نقائص قد ترتقي أحيانا إلى مرتبة الجرائم في حقّ الشّعوب. وتبدو الوعود الكاذبة إحدى هذه ” الجرائم ” التي لا يتحدث عنها القانون صراحة.ومن المعلوم أنّ المترشحين للانتخابات يغدقون على المواطنين الوعود البرّاقة التي تحرّك في النّاخبين عواطفهم. وتشحنهم بالآمال الكاذبة التي تحوّلهم إلى جموع انتخابية تميل بثقلها لتصعيد صاحب هذه الوعود الكاذبة. ومن أمثلة ذلك ما وعد به حزب تونسي الناخبين في انتخابات 2011 فقد أكّد لهم أنّ رغيف الخبز سيكون ب100 مي. ووعدهم بتعميم منحة البطالة على الشباب والرفع منها إلى 500 دينار (رغم أنّ كثيرا من العمال في تونس لا يصل مرتب الواحد منهم إلى 500 د الآن ونحن في 2019) ومنّاهم بجعل النّقل مجانيا بالنسبة لفئات واسعة من التونسيين. وفي هذا الإطار ذاته وعدت حركة النهضة ناخبيها خاصة والتونسيين عامة بإحداث 400ألف موطن شغل إذا حكم الحزب. ووعد المرحوم الباجي قائد السبسي بالكشف عن قتلة بلعيد. ولكنّ هذه الوعود تبخّرت لمجرّد أن وصلت هذه الأحزاب إلى الحكم . وتبخرت وعود الرئيس الباجي ولم يُنجَز منها شيء ذو بال.

لقد اختار رجال الأعمال التونسيين في 2014 وما قبلها التحرّك من وراء السّتار لخدمة مصالحهم. لكنّهم قرروا في انتخابات 2019 ترأس القائمات الانتخابية لقطع الطريق على السماسرة. وبذلك سيتحوّل البرلمان, إذا فاز هؤلاء وهو أمر راجح, إلى ناد لرأس المال يستعمله الفاعلون الاقتصاديون للتشريع لمصالحهم في المقام الأوّل. وهذا خطر داهم يهدد روح الديمقراطية وجدوى العملية الانتخابية.

المال الفاسد وتصعيد الفاسدين
يسيطر رجال الأعمال على الانتخابات ويتخذونها وسيلة للوصول للحكم والشروع في سنّ قوانين تناسبهم هم فقط.ولا ينال منها الناخبون في غالبيتهم إلاّ التهميش.

و شرّ الانتخابات لا يتوقف عند الوعود بل يتجاوز ذلك إلى توظيف المال الفاسد الذي يشتري بهرجل الأعمال والأطراف ذات المصلحة (والتي يمكن أن تكون أحيانا أجنبية )منافع اقتصادية لا يسمح بها القانون .فيتحوّل النّائب المنتخب و المستشار البلديّ ورئيس الدّولة إلى بضاعة مدفوعة الثمن سلفا وما عليه إلاّ أن يفي برغبات صاحب المال الذي موّله ورعاه في الانتخابات أو مكنه من ثمن خدماته بعد الانتخابات.

والأدهى أنّ عملية السمسرة قد تتم أحيانا بإغضاء القانون عن هذه الممارسات المشبوهة إمّا لعجز عن النّفاذ وإمّا لأنّ المال يبدو أقوى بكثير من القانون والأخلاق. وقد تتم في أحيان أخرى في ظل غياب القوانين المنظّمة أو سوء تأويلها.

وفي النهاية , يجدر بنا أن نشير إلى أنّ هذه التقنية الديمقراطيّة قابلة لمزيد من الإصلاحات لتجنّب أكثر ما يمكن من المشاكل التي قد تكون مهددة للديمقراطيّة في ذاتها . ويعتبر المزيد من مراقبة المال الانتخابي والتمويل المشبوه وتشديد العقوبات على المترشحين والناجحين منهم بعد الانتخابات إذا تبيّن أنهم على علاقة باللوبيات الفاسدة.

لا تعليقات

اترك رد