وطْءٌ على عتبات ” مدرسة أثينا ” ج.1

 

“ما تعنيه الصورة لا ينحصر بأي حال من الأحوال فيما تعرضه للإبصار”.
“اللوحة عبارة عن فضاء دال يمكن وصفه وفقًا للأشكال التي تمثله”. جان لويس شيفر Jean Louis Schefer
“يتحدث العمل المرسوم فقط حين نعرف كيف نسائله… كل هذا يتوقف على “معرفة” العوارض والأنساق المرجعية الخاصة به”.

من المألوف أن التساؤلات التي تطرح في معظم الخطابات النقدية المتصورة حول الفن، تدور حول وصف الأعمال الفنية، حيث يتلخص الطرح في إيجاد بدايات لبنية محددة فيما توحي به الصورة المرسومة. فالصورة الكلاسيكية تتوافق مع القراءة التقليدية (إيقونوغرافية/إيقونولوجية)، التي أصبحت غير قابلة للتطبيق بشكل عام في سجل فنون القرن العشرين، خصوصا مع بروز التيارات اللاشكلية.

ونحن أمام اللوحة/الجدارية “مدرسة أتينا”، تواجهنا “عتبات” عدة، متنوعة ومختلفة، تساعدنا على ولوج عالمها ـ عالم الفن ـ لأنه عكس ما يظن المتذوقون للفنون الكلاسيكية خاصة، من الصعب جدا فهم واستيعاب الخطابات التي تحملها الأعمال التصويرية الكلاسيكية، وما تخفية وراء ستارة الظاهر من الألوان والأشكال والتكوينات الفنية، دون إحالة الأعمال على مرجعيتها الفنية/الجمالية ودون وضعها في سياقاتها التاريخية، الفكرية والفلسفية والدينية/اللاهوتية…لقد تناولت العديد من الاتجاهات النقدية الحديثة دراسة الأعمال الفنية من وجهات مختلفة وبمناهج متنوعة، بعضها فَصَل بين الشكل والتمثيل، أي الموضوع أو المضمون الذي يتناوله العمل الفني. فجاء في كتاب “الفن” لكلايف بل (1881ـ1964) أن “العنصر الذي يميز العمل كفن ليس التمثيل بل الصورة الدالة أو الشكل الدال، أي نمط حبك الألوان والخطوط مع بعضها البعض”. فالمقاربة الشكلانية هاته تعتمد شيئا من المحايثة، حيث تسعى إلى فرز النص وعزله وتخليصه من السياقات المحيطة به.

الحقيقة أن المؤسس الفعلي للنظرية الشكلانية في الفن هو مؤرخ الفن السويسري هنريش وولفلين Heinrich Wolfflin (1864ـ1945)، الذي بنى نظريته النقدية انطلاقا من مقارنة الفنين الكلاسيكي والباروكي. فلم يعر اهتماما بالمضامين (الموضوعات والدوافع وغيرها)، بقدر ما ركز على الطرائق والأشكال والإمكانات البصرية. فبالنسبة إليه يعد تاريخُ الفن تاريخَ الأشكال.

في عام 1915، نشر مؤرخ الفن هاينريش وولفلين (1864-1945) المبادئ الأساسية لتاريخ الفن، والتي شرح فيها الاختلافات في الأسلوب بين الفن الباروكي وفن عصر النهضة، وذلك باستخدام خمس فئات أساسية ينبني عليها تكوين العمل الفني:

· التصويري على الخطي
· العمق على تصفيف السطوح
· الشكل المنفتح على الشكل المنغلق
· التعدد على الوحدة
· الغامق على الواضح.

كان لهذه الدراسة الشكلانية تأثير كبير على النقد الأدبي، فحاول النقاد والمنظرون تكييف المصطلحات البصرية التي استخلصها وولفلين من تأويله لفن الباروك، كأسلوب يتميز بالحركة واللاتماثل والتنافر، وجعلها توائم السياقات الأدبية نثرا ونظما.

سيكون الباروك وفقًا لـ Wolfflin أقوى، لأنه يُخفي قدر ما يُظهِر، مما يؤدي إلى إثارة مشاعر المشاهد بينما يسعى الكلاسيكي إلى مزيد من الذكاء من خلال توفير إمكانية قراءة مثالية. ومن تم نجح ولفلين في تحديد وحدتين أسلوبيتين في تاريخ الفن من خلال العمل فقط على النماذج، دون اللجوء إلى المعرفة خارج الأعمال، المعارف التي عادة ما تؤدي إلى تأويلات متشعبة وتبعد عن مقاصد مؤلف العمل الفني. فكان ما توصل إليه السيميائيون في وقت لاحق من تصورات لتجديد قراءة الفن، تتويجا لأعمال وولفلين النقدية.

ومع الشكلانيين و السيميائيين، سوف يُعترف بالحقائق التالية: إذا كانت الصورة مقروءة، فذلك يدل على أنها تشكل مجموعة من العلامات؛ وأن هذه المجموعة لا تأخذ بدورها معناها إلا لكونها تشكل كلاً منظمًا وترتبطا بالتجربة المعاشة.

وليتحقق التمييز بين الإنشاء الإيقوني للصورة وتمفصلاتها المنطقية، العملية التي غفل عنها معظم المؤلفين الإيقونوغرافيين، سيكون من الضروري انتظار ظهور الباحث إرفين بانوفسكي Erwin Panofsky (1892ـ1968) لوضع أسس الأيقونوغرافيا الحديثة: ف”ما تعنيه الصورة لا ينحصر بأي حال من الأحوال في ما تعرضه للإبصار”.

عكس ما توصل إليه الاتجاه الشكلاني، نجد المؤرخ والناقد Erwin Panofsky يتناول في كتابه L’œuvre d’art et ses significations “الفرع من تاريخ الفن الذي يرتبط بموضوع أو دلالة الأعمال الفنية في تعالقها بأشكالها”. ويوضح أن عملية التأويل إيقونيا، تتأسس بناء على ثلاثة مستويات:

1. مستوى الدلالة الأساسية أو الطبيعية ، ويقصد به “الوصف ما قبل إيقوني” Description pré-iconographique، الحامل لمعنيين، واقعي حسي، وتعبيري مخفي، يمكن الكشف عنهما عبر تحديد الأسلوب ومكوناته الشكلية المعَيَنة من الخطوط والألوان، والعناصر الشيئية المؤثثة للفضاء، والكتل البرونزية أو الحجرية أو غيرها من الخامات المعتمدة للتشكيل النحتي ولتمثيل الأشياء الطبيعية، يضاف إلى كل ذلك المعالم المعمارية وما يرتبط بها من مفاهيم وتصورات وتخطيطات وإنجازات فضائية … و”يمكن وصف عالم الأشكال الصرفة التي ندرك أنها مشحونة بالمعاني الأساسية أو الطبيعية بعالم الدوافع أو البواعث الفنية، التي يشكل تعدادها وصفاً ما قبل إيقونيا للعمل الفني”.

2. مستوى الدلالة الثانوية أو التوافقية: حيث تتم دراسة موضوع العمل الفني باعتماد التحليل الإيقوني الصرف، عبر تعالق التراكيب والمفاهيم بالاستناد إلى مرجعيات مصاحبة، ومن تم يمكن اعتبار الدوافع المعترف بها، الحاملة لمعنى ثانويًا أو توافقيا، أنها صور Images، والبعض يسميها قصصا ورموزا Histoires et allégories. فتحديد الصور المماثلة أو الرموز هو بالضبط مجال اشتغال الإيقونوغرافيا، و”من الواضح أن التحليل الإيقوني، بالمعنى الدقيق للكلمة، يفترض تحديدًا صحيحًا للحوافز الموضوعية”.

3. مستوى الدلالة الضمنية: هو مستوى يتوافق مع التحليل الإيقونولوجي، أي الدلالة الداخلية للعمل بتموضعها داخل المضمون. “يستوعبها المرء من خلال إدراكه لهذه المبادئ الأساسية التي تكشف عن العقلية الأساسية لأمة ما، أو فترة، أو طبقة، أو اتفاقية دينية أو فلسفية -تم تحديدها بغير وعي من قبل شخصية الفنان الذي يفترض ذلك -والمكثفة في عمل فني فريد من نوعه”.

تسمح مستويات التحليل الثلاثة هذه بإجراء تحليل شامل للعمل الفني. على الرغم من أنها تبدو مستقلة عن بعضها البعض، فهي في الواقع مرتبطة ولا يمكنها أن تُجَزَّأ. وتشكل الضرورة الملحة لإنجاح تحليل موضوعي ومتكامل وشمولي للمنجز الفني، إذ أنها تساعد على فك شفرة عتبات النص التشكيلي، و”الوقوف على دلالاتها والعلاقة الجامعة بينها، والعلاقة بينها وبين المتن”.

ونحن أمام لوحة “مدرسة أثينا” L’Ecole d’Athène، للفنان الإيطالي رفائيلو سانويو Raffaello Sansio (1483ـ1520)، يمكننا أن نقف على ثلاث عتبات رئيسية تساعدنا على النفاذ إلى عوالم اللوحة المتنوعة والمحيلة إلى منظومات فكرية مختلفة، فلسفة وعلوم وأدب وغيرها. عتبات زمانية تتناول السياقين التاريخي والفني/الجمالي، وعتبات مكانية: تحدد مكان تواجد اللوحة، وعتبات ذات مرجعية ثقافية، فلسفية وأدبية ودينية.

وقبل التطرق إلى العتبات الثلاث قراءة وتحليلا، نعطي نبذة عن حياة الفنان رفائيل، مما يساعد على وضع العمل الفني في سياقه العام، الفني/الجمالي والفكري.

من هو رفائيلو سانزيو؟
رفائيلو سانزيو Raffaello Sanzio ( 1483 – 1520)، يعد من أبرز فناني عصر النهضة الإيطالية Cenquecento، إلى جانب كل من مايكال أنجلو (1475ـ1564)، وليوناردو دافنشي ( 1452ـ1519).

فقد والديه وهو في سن طفولة متقدمة. ولما بلغ سن السابعة عشر، ألحق بمرسم الرسام «بيروجينو”، عندما رأى هذا الأخير رسومات رفائيل، قال: “دعوه لكي يكون تلميذي، لأنه سوف يصبح في القريب العاجل أستاذي”. وبالفعل، ذلك ما تحقق، حيث تجاوز التلميذ بعبقريته، حرفية الأستاذ. عندما وصله خبر شهرة ليوناردو دافنشي وما أنجزه من أعمال بمدينة فلورانسا، شد الرحال إليها متمنيا تحقيق أحلامه بزيارتها ولقاء ليوناردو هناك. تأثر كثيرا بلوحة الموناليزا، حيث انعكس طيف وجهها على عدد من البورتريهات التي أنجزها خلال إقامته بفلورانسا، كما تأثرت تكويناته وطريقة ترتيب المجموعات التشكيلية داخل فضاء اللوحة، بتكوينات الرسام “ماساشيو”.

كان كل من البابا يوليوس الثاني وخليفته البابا ليون العاشر، معجبين بفن رفائيل، فوجها له الدعوة للالتحاق بروما، كي يساهم في إنجاز ديكورات الفاتيكان. كان عمره لا يتجاوز خمس وعشرين سنة حينما قام بتزيين جدران أربع صالات في الفاتيكان بلوحات رائعة. تتناول مواضيعها قصص دينية وأساطير من الميثولوجيا الإغريقية والرومانية، وموضوعات فلسفية وقانونية، وتصوير معاني جاءت من أقوال الشعراء والحكماء. وكان من أشهر ما أنجزه خلال تلك الفترة، اللوحة المعروفة باسم “مدرسة أثينا”. كما أشرف شخصيا على تنفيذ بقية أعمال التزيين، والتي قام بها مجموعة من تلامذته. بالإضافة إلى تنفيذ مجموعة من الصور على الورق المقوى، تم عن طريقها إنجاز المنسوجات الخاصة بالكنيسة (السكستية( نسبة إلى البابا سكست الرابع.

في الجزء القادم، سنتناول العنوان كأول عتبة نصية، عادة ما تلازم الأعمال الفنية، لا تفارقها. اختلفت آراء المؤرخين والنقاد حول تواجد العنوان (النصي) إلى جانب المتن (التشكيلي)، فمنهم المؤيد لحضوره، ومنهم من يجده عنصرا مشوشا، لا فائدة من تواجده! إلا أن العنوان هنا “مدرسة أثينا” La scuola di Atene (كما تسمى في اللغة الإيطالية)، يرفع من قيمة المنجز الفني ويبعده عن محطات الوصف العادية والمبتذلة، ليعمق القراءة التأويلية للصور الحاضرة على فضاء اللوحة، إن تشكيليا أو ثقافيا.

لا تعليقات

اترك رد