محمد العكلة يخلق سيجالات متأثرة بين المفقود و اللامفقود

 

ذكّرني الفنان الصديق خليل حم حمسورك بالفنان محمد عكلة (1970 الرقة) ، و هذه بادرة إيجابية تسجل له ، فجميل أن يفكر أحدنا بالآخر الصديق ، و يريد له ما يريده لنفسه ، و موقفه هذا أوحى لي بذلك الكم الهائل من الحب و الصدق و الإنسان الذي ينبض به ، و حين إقتربت من حقول العكلة ، و أنا مازلت في أرض معزولة ، أدركت أنني أمام فنان يستحق أن نمضي السير في حقوله ، تلك الحقول التي ترتدي من الطيب ما يجعلها تفوح بعيدان القصب ، و بألوان ثياب الفتيات الرقاويات و هن يذهبن إلى النهر ، تلك الحقول المثمرة بيقظة العصافير و ما تؤول إليها صوتها ، المثمرة بإخضرار القلب و ما ينبض به من حب و جمرات عشق و أغاني الفرات و هي تسير على سلالم الضوء .

أدركت أنني أمام فنان جُبِل بماء التعب و بخرير النهر الحزين كموسيقا مفعمة بروح عاشق و حنين غائب ، فمن خلال مشاهداتنا الأولية لأعماله أُكتشف لنا هوية إستغراقاته في مرآة ذاته حين يقترب منها برؤية مؤكدة و متماسكة المعالم حيناً و متناقضة في الوقت ذاته حيناً آخر ، له كل المبررات لوجود هذا القلق الكبير الذي ينسكب من اللوحة حاملاً ذات الفنان ليقوده نحو الحلم الذي سقط منه منذ سنوات ، فلا شيء يتجاوز مسقط لونه ، فالمنفعلة منها يحاور المتلقي بقوة و يستفزه ، فالإرهاصات كثيرة و طافحة بالمعاناة ، و الهادئة منها تحاور بياض اللوحة بتماه وإمعان نظر

فشحنات التعبير نمنمات تكشف البعد الجمالي لذاته الحزينة ، و تشحن نسيجه البصري بصراخات لونية تكاد تشكل نهجه الحركي في إيقاظ عوالم اللوحة ، فالإندفاع نحو رؤى جديدة تكسبه خصوصية في حمل المعاناة و الآلام بغزارة داكنة ، و بدمع فائض بالمأساة الإنسانية يبحث عن إرهاقات اللوحة و التشديد على مسافاتها المتعبة ، و التي لها نصيب الأسد من الحضور ، و على الطرف الآخر فالصياغات التجريدية التي يشتغل عليها محمد العكلة و بهذا التكنيك الحداثي ، و بهذه الحركات الحديثة ، يحول ردود الأفعال من مظاهرها البسيطة إلى حالات إكتمال لعمليات الإثارة في جانبها التصوري لفهم المعرفة الحقيقية بتحويراتها التي تدفعك إلى التذوق الطويل لها على نحو مناسب دون أن تكتفي بالنظر إليها ، مستبعداً فكرة الموضوع ، فقط متطلبات الذوق بقناطرها الكثيرة والمثيرة هي الحاضرة بقوة ، و هي التي ستوصلك إلى تلك الأشكال التي تماثل الصور البصرية و أكثر ، بقيمها الخاصة ، بقيمها الأشبه بقناديل صغيرة و هي تشعل الروح جمراً ، بوصفها إفتراضات جمالية تعكس خبرة الفنان و متلقيه معاً ، مع أخذ الإعتبار خبرة الثاني في التذوق ، أقصد خبرة المتلقي ، على نحو غير إلزامي ، على نحو يجعله يرمي بكل شيء في بئر اللوحة لتفجيرها ، و لتبدأ البؤر بنفض الغبار عن أغانيها

فالحالة بائسة إلى حد ما ، و الصباح يجلس في حديقة قريبة ينتظر صياح الديكة حتى يشرق و يعلن عن ضوئه ، عن تقريب المسافات بنقاطها التي يمكن أن تمزج بين الخطوات ، بين تنويعاتها المصحوبة بالدهشة ، و بين تجديداتها المائلة إلى القوة و الكثافة ، و بنغمة تؤكد أن الأوجه المختلفة للونه ما هي إلا توكيدات لونية أو أنها تراكمات لتفاصيل كثيرة على أبعد تقدير ، و هذه قد توهمنا كمتلقين بأنها إضافات بحثية نحو تشكيل إهتزازات بصرية التي تجعل بدورها ألوانه في مهب الطبيعة حيث التأثيرات المناخية عليها على أشده ، و هنا يكمن سر العلاقة بين العكلة و الفرات ، بينه و بين المكان الذي يشرب و يتنفس الفرات و ينبض به

هنا يكمن سر الإيحاء العميق بتغيرات ألوانه تبعاً للطقس الخارجي/ الجوي ، هنا يكمن سر التدرج المفاجىء من الألوان الدافئة إلى الباردة أو العكس ، فالتحدث عن هويته اللونية لا يمكن أن يتم دون قراءة طبيعة المكان الذي يتم فيه إنتاج هذا العمل ، لا يمكن أن يتم دون الإقتراب من طقوسها المناخية ، حينها فقط ستدرك بحدسك أن السلوك البصري هي التي تستغل كل التشكيلات اللونية الواسعة ، و هي التي تترجم الحالات المزاجية كتعبير شديد التنوع بما فيها ذلك الكم الكبير من التنافرات البصرية و التي قد تبدو كإنفعالات مختلفة ترتبط إلى حد بعيد بالطبيعة ، و بمحتوياتها المجردة ، و بهندسة التداخل بين أشكالها و تكويناتها من جهة و بين التناقضات الداخلية داخل اللون من جهة ثانية ، و بهذا النمط و بحمل مفاتيح ذلك نستطيع التحرك بين ثيماته و إن بدرجات متفاوتة

فعكلة و بإندفاع معرفي و إنفعالي إلى حد ما ، و من أجل إحداث أثر جمالي ، و مع تواجد الفصول الأربعة في الوقت نفسه ، و ضمن علاقة جمالية ذي طبيعة تفاعلية ، و كشكل من أشكال الإزدهار لمقاماته اللونية و التي تعتمد في نسجها على درجات متفاوتة من الإضاءة يؤكد على حضور اللمسات التي لا تفتقر للحب و على قدر كبير من المرونة لمتتالياته البصرية بقوة و بعذوبة الفرات ذاته ، و هذه تبعث الروح في ذاكرته التشكيلية فيصر الإعتماد على مناخات الطبيعة و ما سيتحقق منها لإكتمال التعابير الحركية ، السرابية منها على نحو أخص بقواها الخفية ، و بتقاطعاتها اللونية التي تسيطر على مشهده البصري بمداه الضوئي ، و بعمق ذائقته الفنية ، و هذا ينظم عالمه الداخلي و إن بخلق سيجال متأثر بين المفقود منها و المحطم أو المدمر منها و بين تلك التي تبذل جهداً في ترميم ذاتها ، بخلق سيجال مناسب بين مكوناتها المختلفة بأنساق مختلفة تتكىء على معايير مألوفة و تكشف وحدات نشاطه المشحونة بطاقة تتجه كمؤازة نحو تنظيم صيغه المكثفة لا إبعادها و بعثرتها في الضباب .

1 تعليقك

  1. Avatar خليل حمسورك

    العكلة يمسك يدينا ويقودنا نحو كهوف بعيدة كبعد الانسان الأول بحساسية عالية وهو يغمس ريشته بعذب الفرات ليروي انسانه البدائي وتارة تجده قريبا من عبثية الأطفال خاصة وأنه عمل ومازال مع الأطفال احساس عميق وشفاف بالمكان والمساحة شكر عكلة شكرا غريب

اترك رد