المضمر \ المهمت في الق.ق.ج ” رقصة النار … ” أنموذجا للقاصّة التونسية فتحية دبش

 

القصة القصيرة جدّا او كما يرمز إليها بـ ” الق.ق.ج” أدب وافد انتعش بالمغرب كتابة ونقدا ونشرا. ونذكر على سبيل الذكر لا الحصر أعلاما اختصّت في هذا الجنس من ذلك: الناقدة الد.سعاد مسكين والباحث الد. جميل حمداويوالناقد الد.عبد العاطي الزياني وغيرهم من الذين خاضوا غمار البحث في هذا النوع السردي الق.ق.ج لغة وأسلوبا وتخييلا وبنية وعوامل انتشار هذا الجنس.

وقد تتعدّد المقاربات في تناول هذا الجنس المستحدث كأن نتناول هذه القصص باعتماد المقاربة الشعرية أو الميكروسردية أو المقاربة النسبية أو الفنّيّة أو التاريخية… وأمام تعدّد المقاربات وكثرتها ارتأيت أنّ أنسب مقاربة للولوج إلى عالم القاصّة التونسية فتحية دبش في مجموعتها القصصية البكر “رقصة النار” هي مقاربة التلقّي بالبحث عن المضمر\ المهمت L’impliciTé.

قصص فتحية دبش تنقل هموم الواقع وتناقضاته منذ العتبات الأولى المتمثلة في عناوين القصص. وهذه العناوين يحكمها الترادف حينا:
( رفقة = الرفيق \ مجزرة = جثة = الموت الأحمر \ سعير = ما وراء الجحيم… )

والتقابل حينا آخر:
( مجاعة ، مأدبة، هلوسة، لاجنون، نكران، عرفان، حبّ، تحرّش … )
وعناوين أخرى يجمعها الحقل المعجمي لتشكّل كتلتين قصصيتين:
كتلة عاطفية: حبّ ـ ليلة الدخلة ـ قطوس النفاس ـ رغبة ـ طلاق ـ دموع ..
كتلة أخلاقية: ذمم ـ تحرير ـ انتصار ـ عاقبة ـ ضمير ـ ثمن الأنين ـ خذلان ـ موازين..

وحين نتسلّل إلى جوف هذه الق.ق.ج نقف عند مجموعة من المضمرات منها ما هو متعلّق بالنص والتناص ومنها ما هو متصل بالمرجع النفسي والواقعي والايديولوجي. وسنشتغل على المسكوت عنه داخل النص.

المضمرات النصّيّة:
& تتعدّد الأصوات في اللّغة السردية. هذه اللغة تجعل الكتابة فنّيّة أدبيّة. وهذه اللغة الفنّية هي التي تجمع بين الملقي والمتلقي. لغة ينتفي فيها الانسجام والتوحّد بسبب تقنية الحذف والإضمار. لهذا لا يهيمن عليها صوت واحد أو رؤية ايديولوجية واحدة للعالم بل تتسلّل إلى النص أصوات متعدّدة تبنيه: (نص ليلة الدخلة ص45: خيّم بينهما صمت ثقيل طويل… ختمت بسؤال يرتجف: “ماذا سيقولون عنّي؟” قولي:” لم يكن حيوانا ” )

(نص رغبة ص25: لم ينتبه إلى الزمن الذي مرّوهو على حاله… عاشق هو. لا! كان يرى هناك، في الأفق البعيد خبزا قد استوى وصار شهريا.. )

& ولا نغفل عن زاوية الرؤية:
فالقاصّة متحكّمة في شخصياتها تسيّرها وفق الزاوية التي تريدها في لعبة التخفّي. فالقاصّة لا تحضر في هذه النصوص علنا بل هي مثل القوّة الخفيّة تشرف على الفضاء والكون القصصيبذكاء شديد دون الإعلان عن حضوره مثل فعل الإله نشعر بوجوده ولا نراه ولا نسمعه (زاوية من الخلف). كذا القاصّة تلعب لعبة التسيير والتخيير مع شخصياتها القصصية والقارئ على حدّ السواء وهو ما يجعلنا نشارك القاصّة فيما تسجّل من أحداث وتضمرها ( نص عقد ال…ص9: قال الأول: مات الرجل. الثاني: بل لعلّه بين نوم ويقظة! وثالث… وحيث انتهت الجلبة بالقول الفصل: بارد هذا الجسد! هلّلت أنثى بعبارات النصر: “اليوم فقط انزاحت غشاوة عقود من الاستباحة.” ) وفي هذا النص قد يحضرنا قول نيتش” لقد مات الله ونحن الذين قتلناه ” كذا مات الكاتب والمتلقّون هم الذين قتلوه. وهي فكرة تتماشى مع فكرة موت المؤلّف عند البنيويّين. لكنّ الطريف أنّ الكاتب يموت ويرثه القارئ بمرجعياته ودلالاته السياقية فيولد مؤلّف آخر.

& وظاهرة التناص تكسب الق.ق.ج قيمة دلالية بل هي قصّة التناص بامتياز تثير فضول القارئ وتدفعه إلى ممارسة التخييل والتحليل والتأويل وملء الفراغات البيضاء. يعني الق.ق.ج لا تنمو بمفردها بل مع نصوص أخرىتتناصّ معها. وهذا التناص يولّد الإيحاءات والمضمرات في ذهن المتلقّي. ( نص مدّ وجزر ص47: من جملة خيارين اثنين، وقف قرارنا على البحر… عندما اشتدّ الموج تخلّف نوح فيما حضر الحوت…” )

والخطير هنا إذا لم يتحلّ المتلقّي بالكفاءات المعرفية والثقافية والنفسية الواجبة أثناء عملية تركيب الرّسالة encodage فماذا سيكون مصير هذا الملفوظ القصصي المختزل والمضمر؟ وإلى أيّ حدّ يمكن أن يستوعب القارئ هذه النصوص وما مدى تأثره بها؟

فالقارئ قد يتفاعل معها سلبا أو إيجابا وفق درجة تقبّله لها وتجاوبه معها. فالمتلقي هو المنتج الأساسي لهذه القصص لأنّها تستعيد في ذهنه الأحداث المشتركة الماضية المخزّنة في اللّاشعور والمتراكمة في النفس.

وفي الشعور الباطني للمتلقي يتداخل المكان والزمان لتتوحّد حالاتنا الشعورية واللّاشعورية وتصبح الأعوام يوما واحدا بل لحظة حاسمة في حياة الشخصيات ( نص لحن الشياطين ص31: في اليوم الأول قال لها: – “أنت رائعة!” في اليوم الثاني سألها عن اهتماماتها يبحث عن ندّ معه يعيد تدوير الكرة الأرضية ) وتلك اللحظة تعطي لهذه القصص الديمومة والاستمرار ماضيا وحاضرا ومستقبلا.

إذن فالق.ق.ج نص مفتوح يحتمل قراءات متعدّدة لقارئ واحد قابل للتأويل وتوليد الدلالات بفضل تعدّد الأصوات polyphonie ومضمراتها ما يجعل الق.ق.ج مثل المرأة المتمنعة لا تمنح نفسها دفعة واحدة بل هي ذكية تغري القارئ في كلّ مرّة.

لذا فهذه القصص تحتّم على القارئ أن يقرأها من الداخل ويربطها بعالمه الخارجي وهو أيضا مطالب بتفكيك جميع المؤشرات السيمائيّة ( علامات التنقيط ) وهي مضمرات بصرية (ص58)

فرسم العنوان والغلاف وعلامات الوقف لها دور نفسيّ يؤكّد تحرّر هذا النوع من الكتابة شكلا ومضمونا وتدفع المتلقّي إلى التساؤل عن أسباب هذه الاختيارات.

المضمرات الثقافية:
هنا نلمس مدى حذق القاصّة في استدراج المتلقي ليشعر بالغموض مثلها وإحداث درجة من التقاطع الثقافي أوالتماهي بين الطرفين الشريكين في هذه اللعبة: الملقيالمتلذّذ بالكتابة وتقنيات الحذف والخداع، والمتلقي المستمتع بلذّة القراءة والاكتشاف؟

فهل القارئ الجيّد هو الذي يصل إلى مقاصدها أم الذي يتعدّاها؟

هذا القارئ عليه أن يجد مؤشرات لغوية في مستوى اللّفظ والتركيب. ففي كلّ نص ألفاظ مفاتيح ينفجر منها المعنى (كلمة “أنثى” في نص عقد ال… ص9 أو في نص تحرّش ص12 ). فهي عبارات مقصودة من الملقي يورّط بها القارئ.

في النهاية نصوص الق.ق.ج نصوص غير بريئة بل ماكرة تستدعي قارئا ماكرا ولا يمكن أن تعزل هذه النصوص عن صاحبها لأنّه هو واضع خيوط اللعبة. وما هذه الق.ق.ج إلّا أحجية قليلة الكلام كثيرة المعاني.

القـــفـــلـــة:
نهايات صادمة ومربكة وأحيانا مستعصية بسبب البياض وبلاغة الحذف. فكانت بين الظاهر والمضمر ( نص رقصة الماتادور ص37: على الجانب الآخر كثير من القطن الأبيض…

نص تحرير ص17: أياد كثيرة التفّت بالحطب تشعل نارا.
نص حلقة مفرغة ص16: كلما أشرقت شمس وبددت بللا هطلت أمطارا حمراء وخضبت الأرض.)

وهنا نستحضر المنهج التداولي حيث أنّ اللّغة في هذه النصوص لا تفهم في شكلها المعجمي والقاموسي الذي يحنّطها بل تُفهم في السياقات والدلالات النفسية والاجتماعية لينتج المعنى:

( نص عُملة ص 19: لغط الرجل مستنكرا ! ما هذا يا سيدة؟ إنها نقود مضروبة مثلي والخبز ردّت عليه علبة الحليب.)

فالقاصّ يكتب منجزه وهو يستحضر القارئ المحتمل ويحاول إشراكه وتوريطه في تأثيث فضاء العمل القصصي. وهذه النصوص هي رسائل صادرة من القاصّ نحو المتلقّي المخصوص وتكون مشحونة بحمولات فكرية وإيديولوجية تخضع لعملية التأويل وما بعد التأويل مثل نص المثلية، موت دكتاتور، اغتصاب، مجاعة، تحرّش، عنف، الشهيد، موت زوج، التضحية…

فتحية دبش كاتبة تتتبّع المحيط الاجتماعي في أقاصيصها القصيرة جدّا. فهي بهذه النصوص تعيد تشكيلالحياة ورؤيتها للوجود ومهارتها في الكتابة. وهي تعي تماما أنّ القارئ شريكها وأنّ بداية نصّها ونهايته تنتظرها في ذهن القارئ.

المقال السابقالضبط الاقتصادي
المقال التالىالتنوير والتغيير
ولدت إلهام بوصفارة في مدينة المهدية بالساحل التونسي في 30 جانفي 1973 متخرّجة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة ومتحصّلة على الإجازة في اللّغة والآداب والحضارة العربية وعلى شهادة تكميلية في الفلسفة 1996 وتشغل حاليا رتبة أستاذة أولى مميّزة في المعهد الثانوي النموذجي بمدينة سوسة. وهي عضو اتّحاد ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد