التنوير والتغيير

 

مما يدعو للدهشة فى عالمنا العربي انه كلما ذكرت كلمة التنوير نجد الكثير من أنصار الجماعات والمذاهب على اختلاف معتقداتها الدينية المختلفة وحسب المذهب والفكر الذى ينتمون إليه ، نجد كل هؤلاء فى حالة حرب واستنفار وعداء مع كل من يكتب مقال أو فكرة او رأي يطالب بالتنوير.

وليتهم يكتفون بذلك بل يقومون بشن نوع من الإرهاب المعنوي والفكري ضد كل صاحب رأى وفكر يطالب بالتنوير فيكفرونه أحيانا ويهددونه أحيانا أخرى .

إن معنى التنوير هو إعمال العقل والفكر فى كل شيء والتخلي عن الجمود الفكرى وعدم تسليم العقل للأخرين .

أوروبا كانت تعيش عصور الظلام فى القرون الوسطى نتيجة سيطرة رجال الدين فى الكنيسة على مقدرات الأمور وكانوا يصورون للناس أنهم ينوبون عن الله ويبيعون صكوك الغفران .. فلما بدات حركة التنوير على يد الفلاسفة والمفكرين امثال فرانسيس بيكون وإيمانويل كانت ..والذين طالبوا بحرية الفكر والعقيدة وعدم تدخل رجال الدين فى السياسة والحكم .

حاربهم رجال الدين وكفروهم ..لكن انتصر الفكر وانتصر التنوير وبدأ عصر النهضة والعلم وكان من نتائجه الحضارة الأوربية التى نراها الأن ..
وما أشبه مايدور فى بلادنا بما دار فى عصور الظلام عندهم ..كلما ذكرت كلمة التنوير كلما استنفروا كل أسلحتهم لمحاربة كل من ينادى ويطالب بإعمال العقل والفكر والدعوة إلى العلم والتخلص من الجهل والخرافة .

لو تأملنا مفهوم التنوير عندنا ودلالته ..نستطيع ان نقول
إن حركة التنوير التى حدثت فى أوروبا أخذت من الفكر الإسلامى والحضارة الإسلامية أفكارها ..لان المفهوم الحقيقي للتنوير فى الدين الإسلامى يدعوا إلى إعمال العقل والأخذ بالعلم وحرية العقيدة .. فالمصدر الرئيسي للتنوير تجده فى الدين وكم من الأيات التى دعت إلى إعمال العقل وإلى الأخذ بالعلم وحرية العقيدة .

وكان ابن رشد الفيلسوف والعالم والطبيب الإسلامى هو رائد حركة التنوير فى الإسلام وفى العالم وأخذ منه الفلاسفة الذين قاموا بحركة التنوير وانتشلوا اوروبا من عصور الجهل والظلام إلى عصور الحضارة والنهضة .

ولعلنا نجد ايضا فى العصر الحديث الإمام محمد عبده الذى وصفه الكاتب والمفكر عباس محمود العقاد بأنه عبقري التنوير فى العصر الحديث والإمام محمد عبده كان قد تولى منصب مفتى الديار المصرية فى أواخر القرن التاسع عشر وكان فكره تنويري وكان من الذين يطالبون بالدولة المدنية وعدم إقحام الدين ورجال الدين فى السياسة والحكم ..وكان من الذين توقعوا خطورة تدخل الدين فى السياسة وتخوف من وصول رجال الدين إلى الحكم وأن ذلك سيكون بمثابة الخطر على الدين وقد تحققت مخاوفه ورأينا ذلك ومازلنا نعانى من أثار ماحدث .

مفهوم التنوير عند رواده مثل إبن رشد ومحمد عبده ليس إلغاء الثوابت فى العقيدة وليس إلغاء للحدود أو التعدي عليها وليس إلغاء للسنة او النيل منها ..ولكن إعمال للعقل والأخذ بالعلم وحرية العقيدة والا يسلم أحد عقله لأحد ويفكر بنفسه ولنفسه .

وما نعيشه فى عالمنا الأن يجعلنا أن نحتكم إلى العقل وجعله الدليل والرائد فى أمور حياتنا .
ولا نرضى لأنفسنا أن نعيش فى عصور ضبابية كانت تعيشها أوروبا قبل النهضة .
والطريق الصحيح هو طريق العقل والتنوير، وأن نبتعد عن الطريق المظلم وطريق الجهل والخرافة.

لأن التنوير فى الإسلام مصدره العقل والإيمان أو العلم والدين واوروبا أخذت بالعقل وحده او العلم وحده . والتنوير عندنا ليس اتجاها إلى العلمانية التى يتهمونها بالكفر والإلحاد ولكنه إتجاه للعلم وتحرير العقل وتوضيح الصورة الصحيحة للإسلام كما جاء بالقرآن والسنة الصحيحة . فمن يرفض هذا إنما يرفضه لهوى فى نفسه او حق مكتسب يخاف أن يفقده .

التنوير ليس بدعة وليس كفر والعقل سوف يتحرر والعلم سوف يسود ومايحدث الأن ماهو إلا اللحظات الأخيرة فى الصراع الذى سوف ينتهى فى صالح العلم والعقل والتنوير والتغيير .

لا تعليقات

اترك رد