التشاطىء .. أزمات ونهايات مشتركة !

 

ثمة مدن للظلام صنعتها الحروب المتكررة على بلداننا العربية ، بفعل الصراعات الحاضرة بين الاطراف المتنازعة سواء كان بين الافراد او الشعوب او البلدان المتشاركة في مناطق جغرافية او بيئية او بحرية او تراثية ..والتي انتجت الخلافات والنزاعات ذات الطابع القبلي بين المتشاطئين فتعمق الثأر للصراع من اجل البقاء كما في الجاهلية لتطفو على السطح حاجة الى الحوار مع الجوار ، وفق مبدأ التشاطىء ؛ بوصف ان التشاطىء بمثابة مبدأ تقسيم مياه النهر الدولي بين بلدان المنبع ودول المجرى ودول المصب .

فالانسان بطبيعتيه السايكولوجية والفسيولوجية ، يعد عاشقا لمبدأ التشاطىء روحيا و فكريا و تنظيميا ، ولكن تداعيات حروب الامس المتكررة على بلداننا قد منحت للفرقة حضورا على الارض فصنعت الفتن بين دول الجوار من جهة وتداعيات المواجهات بين الدول الكبرى ، للسيطرة على دول العالم الثالث من الجهة الاخرى، فأعطت الضوء الأخضر للمتربص في صناعة حروب جديدة ، أحدثها حرب المياه من قبل دول المنبع على دول المجرى و المصب ، فبنيت السدود للتحكم بمقادير المياه التي تتناسب طرديا مع المصالح الخاصة لاصحاب السد على حساب الاخر المتضرر .. كما هو حاصل بين تركيا(سد إليسو 2018) على العراق واثيوبيا (سد النهضة 2019) على مصر و السودان وغيرها .

وبالتالي تتشاطىء في أذهاننا عدة اسئلة مشروعة أهمها : هل أصبحت صناعة السدود اليوم بمثابة أسلحة مشروعة بيد الآخر المتربص بنا منذ زمان؟ وهل يعيش انسان اليوم تحت ظلال صراع وصدام الحضارات بفعل هيمنة الكولونيالية الغربية والاوربية على بلداننا ؟ وهل تفي شعارات التسامح والتشارك الدولية التي اطلقتها منظمة اليونسكو حلا للوضع الراهن ؟ بجانب العديد من الاسئلة التي تتشابك وتتشارك مع محن اوطاننا.

ان العديد من الدول العربية خلال ثلاثة عقود ماضية قد عانت شعوبها ومازالت من تداعيات الخلافات العرقية و المذهبية و الجغرافية ، الحاضرة بين الدول الجارة ، لتصبح تلك الدول بمثابة ساحات حرب لتصفية خلافات دول أخرى كما حصل ويحصل في بلدي العراق على وجه الخصوص الذي يتشاطىء بمياهه الاقليمية (دجلة والفرات) مع جيرانه والذي يعيش محنته الجديدة (حرب المياه) بعد اصرار تركيا على بناء السد للتحكم بالمياه كما فعلت في عام 1991 عندما اغلقت المياه لمدة شهر كامل على الشعب ! فقد مر العراق بالعديد من النزاعات منذ الاحتلال الانكليزي و مرورا بحرب الثمان سنوات في الثمانينيات وحصار التسعينيات فضلا عن حرب الاحتلال الامريكي عام 2003 و سقوط النظام الجائر وصولا الى صناعة بعض دول الجوار وبمساعدة دول غربية ما يسمى بداعش و زمرته الارهابية التي انطفأت بنور فتوى الدفاع الكفائي التي اطلقتها المرجعية الدينية العليا في النجف الاشرف فحررت البلاد بالتشارك ببن القوات الامنية والقوات المسلحة والحشد والجيش ..

فضلا عن السياسات الارتجالية المعاصرة والقرارات الخاطئة والغير مدروسة التي مارسها حكامنا في الامس واليوم مع شعوبهم ، فالحاضر بمثابة ثمار نزاعات سياسية سابقة لا دخل للشعوب في تقرير مصيرها .

فالمياه والثقافة والفنون والتربية والتعليم العالي والمؤسسات الاكاديمية والاتحادات والجمعيات والنقابات والمنظمات وغيرها من التشكيلات المجتمعية في بلداننا اليوم بحاجة الى التمسك ببنود التشاطىء الدولية ، من اجل التشارك فيما نمتلكه من موروث حضاري وتراث اسلامي ونتاج فكري وفلسفي وجمالي الذي يجمعنا و يوحدنا معا ويظهر هويتنا العربية الاسلامية أمام الاخر الكولونيالي ..

فكلما كانت موارد التشاطىء و مساحة التشارك الثقافي والفكري والعلمي اكبر بيننا ، كانت اوطاننا أكثر تماسكا وحضورا في عالمنا المعاصر ، وشعوبنا أكثر تحضرا وتقدما وتناميا ، فتنتصر الوحدة ومفاهيم التعايش السلمي على حساب النزاعات والحروب مع الوقت… ؛بوصف ان مشاركة المعرفة على وجه الخصوص وفي جميع الاديان شيء مقدس لانه بمثابة صدقة معرفية جارية تمنح مستخدميه قوة وتقدم وازدهار ، وان امتلاك المعرفة بدون مشاركتها مع الآخر لامعنى لها وربما يؤدي بها الى الطمس والنسيان .. فمتى تبقى شعوبنا حبيسة أخطاء حكامنا ؟ ومتى نكون على الشواطيء متشاطئين !

فالنحلة الواحدة لايمكن لها أن تجني العسل كما الحائط لايبنى بحجر واحد .

لا تعليقات

اترك رد