النضج البشري عبر الأديان 4-2

 

فشل النزعة المادية و النظم العقائدية الوضعية في تحقيق وحدة العالم الإنساني و الوصول إلى النضج :

ورَغْمَ ما كان للدّين من قوّة حيويّة في تاريخ الإنسانيّة، ورغم ما كان لظهور الحميّة الدّينيّة أو حركات التّعصّب المتَّصفة بالعنف من آثارٍ تُثير النّفوس، فقد اعتبر عددٌ متزايدٌ من البشر، حِقَباً طويلةً من الزّمن، أنَّ الأديان ومؤسَّساتها عديمةُ الفائدة ولا محلّ لها في الاهتمامات الرّئيسيّة للعالم الحديث. وبدلاً من الاتِّجاه نحو الدّين اتَّجه البشر إِمّا نحو لَذَّة إشباع أطماعهم الماديّة، أو نحو اعتناق مذاهب عقائديّة صَنَعَها الإنسان بُغْيَةَ إِنقاذ المجتمع الإنسانيّ من الشّرور الظّاهرة التي يَنُؤ بحَمْلِها. ولكنّ المؤسف أنّ مذاهب عقائديّة متعدِّدة اتَّجهت نحو تأليه الدّولة، ونحو إخضاع سائر البشر لسَطْوَة أُمَّةٍ واحدة من الأُمَم، أو عِرْقٍ من الأعراق، أو طَبَقَةٍ من الطّبقات، بَدَلَ أن تَتَبَنَّى مبدأ وحدة الجنس البشريّ، وبَدَلَ أن تعمل على تنمية روح التّآخي والوئام بين مختلف النّاس. وباتت تسعى إلى خَنْق كلّ حوار ومَنْع أي تَبادُل للرّأي أو الفكر، وذهبت إلى التّخلِّي دون شفقة عن الملايين من الذين يموتون جوعاً تاركةً إِيّاهم تحت رحمة نظام سوق المعاملات التّجاريّة الذي يزيد بوضوحٍ من حدَّة المحنة التي يعيشها معظم البشر، بينما أَفسحت المجال لِقطاعات قليلة من النّاس لأن تتمتَّع بتَرَفٍ وثراءٍ قلَّما تصوَّرهما أسلافنا في أحلامهم.

فكم هو فاجعٌ سِجِلُّ تلك المذاهب والعقائد البديلة التي وضعها أولو الحكمة الدُّنيويّة من أهل عصرنا. ففي خِضَمِّ خَيْبَة الأمل الهائلة لدى مجموعات إنسانيّة بأسرها، لُقِّنت الأماثيل لتتعبَّد عند محاريب تلك المذاهب، نَستقرئ عِبْرَة التّاريخ وحُكْمَه الفاصل على قِيَم تلك العقائد وفوائدها. إِنَّ المحصول الذي جَنَيْنَاه من تلك العقائد والمذاهب هو الآفات الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي نُكِبت بها كلّ مناطق عالمنا في هذه السّنوات الختاميّة من القرن العشرين، وذلك بعد انقضاء عقودٍ طويلة من استغلالٍ متزايد للنّفوذ والسّلطة على يد أولئك الذين يَدينون بما حققوه من سُؤدَد وصعود في مجالات النّشاطات الإنسانيّة إلى تلك العقائد والمذاهب. وترتكز هذه الآفات الظّاهريّة على ذلك العَطَب الرّوحيّ الذي تعكسه نَزْعَة اللاّمُبالاة المستَحْوِذةُ على نفوس جماهير البشر في كلّ الأُمم، ويعكسه خمود جَذْوَة الأمل في أفئدة الملايين مِمَّنْ يُقاسون اللَّوْعَة والحرمان. لقد آنَ الأوانُ كي يُسأل الذين دَعَوا النّاس إلى اعتناق العقائد الماديّة، سواءً كانوا من أهل الشّرق أو الغرب، أو كان انتماؤهم إلى المذهب الرّأسماليّ أو الاشتراكيّ – آنَ الأوان ليُسأل هؤلاء ويُحاسَبوا على القيادة الخُلُقِيّة التي أخذوها على عواتقهم. فأَيْنَ “العالم الجديد” الذي وعَدَت به تلك العقائد؟ وأَين السّلام العالميّ الذي يُعلِنون عن تكريس جهودهم لخدمة مبادئه؟ وأين الآفاق الجديدة في مجالات الإنجازات الثّقافيّة التي قامت على تعظيم ذلك العِرق، أو هذه الدّولة، أو تلك الطّبقة الخاصّة؟ وما السّبب في أنَّ الغالبيّة العُظْمَى من أهل العالم تنزلق أكثر فأكثر في غياهب المجاعة والبؤس في وقتٍ بات في متناول يد أولئك الذين يتحكَّمون في شؤون البشر ثرواتٌ بَلَغَت حدَّاً لم يكن لِيَحْلُم بها الفراعنة، ولا القياصرة، ولا حتى القوى الاستعماريّة في القرن التّاسع عشر؟

إِنَّ تمجيد المآرب الماديّة – وهو تمجيد يُمثِّل الأصول الفكريّة والخصائص المشتركة لكلّ تلك المذاهب – إِنَّ هذا التّمجيد على الأخصّ هو الذي نجد فيه الجذور التي تُغذِّي الرّأي الباطل الذي يدَّعي بأنَّ الإِنسان أنانيٌّ وعدوانيٌّ ولا سبيل إلى إصلاحه. وهذه النّقطة بالذات هي التي يجب جلاؤها إذا ما أردنا بناء عالم جديد يكون لائقاً بأولادنا وأحفادنا.

فالقول بأنّ القِيَم الماديّة قد فشلت في تلبية حاجات البشريّة كما أَثبتت التّجاربُ التي مَرَّت بنا، يفرض علينا أَنْ نعترف بصدق وأمانة أَنَّه أصبح لِزاماً الآن بَذْلُ جَهْدٍ جديد لإيجاد الحلول للمشكلات المُضْنِية التي يُعانيها الكوكب الأرضيّ. فالظّروف التي تحيط بالمجتمع الإنسانيّ، وهي ظروف لا تُطاق، هي الدّليل على أَنَّ فَشَلنا كان فشلاً جماعيّاً بدون استثناء، وهذه الحالة إِنَّما تُذْكِي نَعْرَة التّزمُّت والإصرار لدى كلّ الأطراف بَدَلَ أن تُزيلها. فمن الواضح إذَن أنَّ هناك حاجة مُلِحَّة إلى مجهودٍ مشترك لإصلاح الأمور وشفاء العِلَل. فالمسألة أساساً مسألةُ اتِّخاذ مَوْقِف. وهنا يَتَبادَر إلى الأذهان السّؤال التّالي: هل تستمرّ الإنسانيّة في ضلالها مُتمسِّكة بالأفكار البالية والافتراضات العقيمة؟ أم يَعْمِد قادتها متَّحدين، بِغَضِّ النّظر عن العقائد، إلى التّشاوُر فيما بينهم بعزيمةٍ ثابتة بحثاً عن الحلول المناسبة؟

ويجدُر بأولئك الذين يهمّهم مستقبل الجنس البشريّ أن يُنْعِموا النّظر بالنّصيحة التّالية: “إذا كانت المُثُل التي طال الاعتزاز بها، والمؤسَّسات التي طال احترامُها عبر الزّمن، وإذا كانت بعض الفروض الاجتماعيّة والقواعد الدّينيّة قد قَصَّرت في تنمية سعادة الإنسان ورفاهيته بوجهٍ عامّ، وباتت عاجزةً عن سدّ احتياجات إنسانيّة دائمةِ التّطوّر، فَلِتندثِرْ وتَغِبْ في عالم النّسيان مع تلك العقائد المُهْمَلة البالية. ولماذا تُستثنَى من الاندثار الذي لا بدّ أن يُصيب كلّ مؤسّسة إنسانيّة في عالمٍ يَخْضَع لقانونٍ ثابت من التّغيير والفَنَاء. إِنًّ القواعد القانونيّة والنّظريًّات السّياسيّة والاقتصاديّة وُضِعت أصلاً من أجل المحافظة على مصالح الإنسانيّة ككلّ، وليس لكي تُصْلَب الإنسانيّة بقصد الإبقاء على سلامة أي قانون أو مبدأ أو المحافظة عليه”.(رسالة السّلامُ العَالميُّ وَعْدٌ حَقٌّ تَرْجَمَةُ البَيَانِ الصَّادِرِ عن بَيْتِ العَدْلِ الأعْظَمِ والموجَّه إلى شعوب العالم ص19-24)

مبدأ الاعتدال و عدم الانغماس في المدنية المادية و العلاجات الواهية

ويتفضل بهاء الله بقوله الأقدس :
” إن المدينة التي شاد بذكرها أهل الفنون والعلوم تكون شراً عظيماً علي الناس إذا تركت تتعدى حد الاعتدال …. إن المدنية إذا أفرط فيها تكون سبباً في جلب الشر كما كانت سببا في جلب الخير عندما كانت في حد الاعتدال , سوف يأتي يوم يحرق لهيبها المدائن , وينطق لسان العظمة الملك لله العزيز الحميد “.

وفي مقام آخر يتفضل ويقول :
” منذ أن نزلت سورة الرئيس إلي اليوم ما أطمأن العالم ولا أرتاح أهله …. أن مرضه يقرب من اليأس بما منع الطبيب الحقيقي من العلاج بينما المتطببون ملحوظين بالاعتبار ولهم تمام الحرية في العمل , أن غبار الانقلاب قد أظلم قلوب الناس وأعمى أبصارهم ولسوف يرون ما اكتسبت أيديهم في يوم الله “.

ويتفضل أيضا بقوله عز بيانه :
” هذا يوم فيه تحدث الأرض أخبارها وأهل الظلم أثقالها . قد صاح المنادي والقوم أعرضوا عنه إلا أن غضبه لشديد , يبكي وينوح أهل الشمال , وأهل اليمين في الرفارف العليا يشربون خمر الحيوان من أيادي ربهم الرحمن ألا أنهم هم الفائزون “.(الكشف عن المدنية الإلهية ص39 مترجم عن المقدمة الإنجليزية في رسالة وجهها ولي الأمر المبارك لأحباء الغرب نشرت في كتاب الكشف عن المدنية الإلهية الذي صدر سنة 1936 و ترجم إلى العربية و نشر في مصر بمطبعة رمسيس في الإسكندرية بتاريخ يناير 1947م)

التعاليم الإلهية سرج العناية و طريق نحو تحقيق النضج الروحاني بين الخلق

لكل من المجتمعات الحديثة قيـمه ومعاييره لما يعتبره مقبولا من ناحية الأخلاق والتصرفات اللائقة والمتعارف عليها وعند تدقيق النظر نجد ان لكل هذه القيم جذورا في التقاليد والمعتقدات الروحية لذلك المجتمع إما في الديانات الحاضرة أو في المعتقدات القديمة في تاريخ المنطقة.

وجاءت كل الديانات السماوية بتعاليم روحية وأخلاقية وبقوانين وأحكام سيطرت على تعاملنا مع بعضنا البعض كأفراد ومجتمعات وحضارات الى أن أصبحت هذه القوانين والأحكام شيئا فشيئا متعارف عليها دوليا وعالميا الى حدّ ما، وصرنا نتوقعها ونتطلبها في حياتنا اليومية حتى في الدول التي لا يمارس فيها الدين بصورة جدية حسب الظاهر.

وترتب على اتّباعِنا وتقيّدنا بهذه الأحكام تطوّر وسموّ وترقّي المجتمعات البشرية ودفعت بنا بعيدا عن الطبائع الدنيّة التي فيها يتساوى الإنسان مع الحيوان وهكذا أدّت بالإنسانية الى نهوض حضارات تجذّرت فيها على مدى العصور أسباب السلام والاستقرار حيث ظهرت على مدى الأجيال معالم محددة لحقوق الإنسان من جهة ووضوح مسؤليات الفرد والجماعات من جهة أُخرى وعندها توفّرت أسباب للضعفاء ومنحت الأمل للعناية بمن قسى عليهم الدهر من الفقراء والمرضى والمساكين .

والدين البهائي كما هي الحال في الديانات والرسالات التي سبقته في التاريخ، جاء مؤكدا ً ومعزّزاً لهذه القيم الأخلاقية ومصرّا من جهة أن يكون تطبيقها والتمسك بها في كل لحظة في الحياة اليومية أينما كنا .. في البيت أو المدرسة أو العمل و مشددا ً على ان غير الأفعال الطاهرة لن يقبل أبدا … ومن جهة أُخرى جاء موضّحا أنّ هذه الأحكام كانت دائما تعبر عن محبة الله لنا ورحمته بنا وبأننا بدورنا في تمسكنا بها وإطاعتنا لها والتقيد بها يجب ان يكون ذلك عن حبّ عميق نكـنّه في قلوبنا لله عزّ وجلّ وكذلك لبريّته وأن يكون اتباعنا لها طواعية ورغبة منا لإظهار هذا الحب وليس طمعا في الثواب أو خوفا من العقاب . وفي توضيح هذه المعاني نجد في كتابات حضرة بهاء الله :

“يا أبناء آدم .. تصعد الكلمة الطّيبة والأعمال الطّاهرة المقدّسة إلى سماء العزّة الأحديّة فابذلوا الجهد أن تتطهّر أعمالكم من غبار الرّياء وكدورة النّفس والهوى فتدخل ساحة العزّة مقبولة لأنه عمّا قريب لن يرتضي صيارفة الوجود بين يدي المعبود إلا التّقوى الخالصة، ولن يقبلوا إلا العمل الطاهر. هذه هي شمس الحكمة والمعاني التي أشرقت من أفق فم المشيئة الرّبّانيّ طوبى للمقبلين” (الكلمات المكنونة)

“يَا ابْنَ الوُجُودِ ! اعْمَلْ حُدُودِي حُبّاً لِي، ثُمَّ انْهِ نَفْسَكَ عَمّا تَهْوى طَلَباً لِرِضائِي” (الكلمات المكنونة)

“يا ملأ الارض اعلموا انّ أوامري سرج عنايتي بين عبادي ومفاتيح رحمتي لبريّتي كذلك نزّل الأمر من سمآء مشيّة ربّكم مالك الأديان لو يجد أحد حلاوة البيان الّذي ظهر من فم مشيّة الرّحمن لينفق ما عنده ولو يكون خزآئن الأرض كلّها ليثبت أمراً من أوامره المشرقة من أُفق العناية والألطاف قل من حدودي يمرّ عرف قميصي وبها تنصب أعلام النّصر على القنن والاتلال قد تكلّم لسان قدرتي في جبروت عظمتي مخاطباً لبريّتي أن اعملوا حدودي حبّاً لجمالي طوبى لحبيب وجد عرف المحبوب من هذه الكلمة الّتي فاحت منها نفحات الفضل على شأن لا توصف بالأذكار لعمري من شرب رحيق الانصاف من أيادي الألطاف إنّه يطوف حول أوامري المشرقة من أُفق الإبداع. لا تحسبنّ إنّا نزّلنا لكم الأحكام بل فتحنا ختم الرّحيق المختوم باصابع القدرة والاقتدار يشهد بذلك ما نزّل من قلم الوحي تفكّروا يا أُولي الأفكار” (الكتاب الأقدس)

أصبح من الممكن الآن أن ننظر إلى العالم البشري بنظرة عامّة شمولية وهو يناضل بعناد وإصرار خلال مراحل انتقاله التدريجي من مرحلة سنين المراهقة الى مرحلة النضوج الى ما ينبغي له ويليق به ولمّا كان هكذا إنجازات، أصبح من اللائق أن يـُعامـَل أفراد ُه معاملة الشخص الناضج الذي يتبوّأ مسؤلياته عن فهم وإدراك لأهميتها ويتمسك بالأحكام الإلهية عن ايمان بفوائدها وقيمتها في إصلاح العالم دون ان يحتاج لمن يجبره على أتباعها أو يـَعـِظه أو يذكـّره . ويكون هو نفسه الآمر بالمعروف لنفسه وناهيها عن المنكر.

لا تعليقات

اترك رد