يوميات مخرج في مستشفى الرشاد للامراض النفسية – الحلقة الحادية عشرة

 
يوميات مخرج في مستشفى الرشاد للامراض النفسية - الحلقة الحادية عشرة

(( حكاية انسانة …….. خلف جدران عالية تموت الاحلام ))

خلف جدران عالية وبعيدا عن الحياة وبهرجها وبدون اهل واحباب كانت المريضة ( آفاق … ) ترقد في المستشفى لا تملك من الحياة شيئا الا حلم الخروج الى الدنيا والعيش ضمن اسرة تحبها وتحترمها وتشعر معها بالامان والاستقرار , كثيرا ما خرجت من المستشفى ولكن سرعان ما تعود ومعها احلامها المكبوتة تحملها في صرّة ملابسها واشياءها الخاصة , فقدت عائلتها ولم يبق لديها الا اقرباء لا يحتملون وجودها بينهم بسبب المرض العقلي وما ينتج عنه من سلوكيات لا تتلائم مع المجتمع وبسبب رفضها اخذ العلاج باستمرار .
كان الحزن رفيقها دائما رغم انها تحاول اخفاء هذا الحزن امام الجميع في المستشفى وكانت حكايتها مغرية جعلتني افكر جديّا في ان اكتب عنها مسرحية نحكي للعالم معاناتها والتي هي عبارة عن معانات عدد كبير من المرضى الراقدين هنا في المستشفى . كنت اعرفها جيدا لترددها الى قسم العلاج التاهيلي النفسي مع باقي المريضات المؤهلات ومن ضمن البرامج المعدّة للعلاج , هادئة متعاونة مطيعة تلتزم باخذ العلاج في اوقاته المناسبة , حين اخبرتها بانني انوي كتابة مسرحية عن حياتها فرحت كثيرا وطلبت مني ان أدوّن ما لم يعرفه الكثير عنها كي يكون العمل ناجحا وتصل الرسالة من خلاله للجميع .

بعد موافقة الطبيب المشرف على علاجها الطبيب الاستشاري / نعمة الياسين تمّ عقد جلسات مع المرضى والمريضات وتهيئتهم للمشاركة في هذا العمل الجديد , وبدأت تحكي حكايتها منذ طفولتها وفقدان الام وتزوج الاب لأمراة ثانية والمشاكل مع هذه المرأة وفيما بعد مع اخوتها من ابيها وتدهور حالتها الصحية ورفض هذه الزوجة ان تكون ضمن الاسرة مع والدها فقرر الاخير ان يتخلص منها بان ارسلها الى بيت جدها ومع اخوالها عاشت الامرين من الاضطهاد والقسوة والجهل والاهمال وبدات تتردد على عيادة الاطباء النفسييين واخيرا استقر بها الحال في داخل المستشفى لتنقطع علاقتها بالواقع الخارجي . كانت سعيدة جدا ومستعدة ان تمثل حياتها امام الجميع وكانت في احسن حالاتها وبدات تجتهد كثيرا وتروي تفاصيل اخرى عن حياتها فكانت تأتي في الصباحخ ومعها اوراق تدوّن فيها ملاحظاتها ويتمّ مناقشاتها فيما بيننا ( الطبيب المعالج والممرضه وانا ) .

تمّ اختيار المرضى والمريضات للمشاركة معها في هذه المسرحية وتمّ الاتفاق على ان يكون عنوانها ( حكاية انسانة ) , لان الانسان الذي يصاب بالمرض النفسي والعقلي مهما يكون المرض شديدا فسيبقى في اعماقه انسان يحب ويتألم ويحلم ويعاني ويفرح ويتأثر بما حوله ويتفاعل مع الواقع من حوله ولو بدراجات متفاوتة لكنه يبقى انسان يجب احترامه والوقوف الى جانبه بدلا من الوقوف امامه ويجب مدّ يد العون والمساعدة له وانتشاله من عالم المرض والظلام والاخذ بيده نحو الحياة والنور . تمّ توزيع الادوار على المرضى والمريضات وكانت ( ….. ) هي بطلة المسرحية وكان الجميع يساندها ويشجعها على الاستمرار والابداع اكثر فاكثر , فعلا كانت مبدعة تجيد تمثيل شخصيتها بطريقة ملفتة للنظر , ملاحظاتي لها كانت تتعامل معها بطريقة جيدة وتصرّ دائما على ان تكون متميّزة عن المرضى الاخرين وانت تثبت لنا بانها تستطيع العيش والاعتماد على نفسها خارج المستشفى اذا سنحت لها الفرصة المناسبة في الخروج ( ولكن الى اين ستذهب والجميع تخلّى عنها ويرفضها ويرفض تواجدها بينهم … ؟؟!!! ) .

من خلال التدريبات قمت باستبدال اكثر من مريض ومريضة بمرضى اخرين لعدم تمكنهم من التواصل ورفض البعض منهم المسرحية والعمل فيها لعدم الجدوى منها ( حسب اعتقاد البعض وبانهم سيبقون مرضى مجانين للابد لا تشفع لهم هذه المسرحية ولا غيرها ) . لكن البعض منهم ظلّ مستمرا في العمل حتى اخر المسرحية .

في صباح احد الايام وبعد ان حضر جميع المرضى الممثلين الى مكان التدريبات لم تحضر بطلة المسرحية وبعد الاستفسار عنها قيل بانها ترفض المجيء والعمل في المسرحية وان الجميع هنا يتآمر عليها لكونها شخصية مهمة في المجتمع ولديها رسالة يجب ان تبلّغا للعالم اجمع ( أوهام مرضية ) , حين زرتها في الدرهة وجدتها في حالة يرثى لها ملابس ممزّقة وشعر منكوش وذبول وشحوب بسبب رفضها تناول الطعام وكذلك العلاج وغير مستقرة تروح وتجيء في الغرفة وكثيرة الكلام الغير مترابط والغير مفهموم ( حالة انتكاسة مرضية شديدة ) .

كان قرار الطبيب المعالج بان يتمّ اعطائها صدمات كهربائية وبالسرعة الممكنة للسيطرة على اعراض المرض المتسارعة والشديدة وعدم اشتراكها في الوقت الحاضر بالعمل المسرحي . كانت صدمة شديدة بالنسبة لي ولباقي المرضى الممثلين والكادر العامل معي , توقف العمل في المسرحية وتمّ تأجيل التدريبات لحين العثور على مريضة اخرى تجيد التمثيل لهذه الشحصية المهمة والمركبة في نفس الوقت , كل المريضات اللواتي التقيت بهن لم يكن عندهن الاستعداد ولا الشخصية القريبة من شخصية البطلة ولا تملك من ملامح الشخصية شيئا يذكر , تستمر الايام ونحن بلا تدريبات ولا حتى حضور المرضى والنقاشات معهم حول هذا العمل واصبح الاستمرار في هذه المسرحية شبه مستحيل .

بعد اسابيع قررت ان اجتمع بالمرضى والمريضات الممثلين لكي لا ينتابهم اليأس من الفشل لكن حضرت مريضة جديدة مع المريضات وكانت اكثر استقرارا وهدوءا وكانت تتفاعل مع المجموعة وتعطي ملاحظاتها حول هذا العمل المسرحي , حين عرضت عليها دور بطلة المسرحية ضحكت من اعماقها وقالت : ـ ( استاذ انا هنا من اجل قضاء فترة معينة ومن ثمّ اخرج الى البيت … ) … اغلب المرضى هنا يقولون نفس الكلام بان الاهل والمجتمع متآمرون عليهم وبان بقاءهم في المستشفى يستخدمها الاهل كعقوبة لهم .
رغم عدم قناعتي بها ان تلعب دور بطلة المسرحية لكنني وافقت مكرها كي استمر مع البقية في العمل وابقى انتظر مريضة اخرى تستطيع تجسيد هذه الشخصية وتكون قريبة من شخصية المريضة ( ….. ) .

المقال السابقالنفور الحكومي من السلطة الرابعة
المقال التالىغَـنَـيتُـكِ بَغــدادَ
كريم عبدالله شاعر وكاتب عراقي صدرت له العديد من الدواوين منها ديوان العشق والاسطورة .. ديوان العشق في زمن الغربة .. .. ديوان ( بغداد في حلّتها الجديدة ) .. اخرج وألف العديد من المسرحيات .. مسرحية الغريب ( سايكودراما ) .. مسرحية الشيزوفرينيا ( سايكودراما ) ...مسرحية الجهل والحرمان ( سايكودراما ) .....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد