َالــــبنـــــايـــــة

 
َالــــبنـــــايـــــة
لوحة للفنان زهير حسيب

– قفي مكانك ! !
أرعبها الصوت, انتفظت خائفة, أمامها شخصان يثيران الرعب, يحدقان بها نظراتهما حادة متواصلة وعدائية, إنهما مسلحان, وقد دفعهما وجودها في هذه البقعة النائية إلى الريبة والشك…
نجحت بعد محاولات متكررة أن تصل إلى هنا, رفض العديدون أن ينقلوها بسياراتهم إلى البناية المطلوبة, ما أن يسمع أحدهم بإسم المرأة المبتغاة وهي تنطق به برهبة حتى يعتذر مدعيا أنه لا يعرف أين يمكن أن تعمل – ولم تصدق دعواهم- فالجميع يعرف أين يقع المكان حتى هي تعلم في أي بقعة من العاصمة يكون مطلبها, عليها أن تذهب إلى هناك مع أنها لا ترغب بالذهاب.

– ما الذي تفعلينه هنا؟
– ……………………………..
– ألا تعرفين أن المرور من هنا ممنوع؟

بعد محاولات مضنية وقد كاد اليأس أن يتطرق إلى نفسها نجحت في العثور على أحدهم.
– أليست المديرة هي السيدة …….؟
– نعم هي نفسها

إنها واثقة أن الجميع يعرفون من تكون تلك السيدة لكنهم يدعون الجهل – هم معذورون حثما ولديهم أسباب قوية وقاهرة ترغمهم على ادعاء الجهل, وغموض مصير العديد من المعارف والأصدقاء سبب قوي يجعلهم ينكرون..

– أين كنت؟ وإلى أين تزمعين الذهاب؟

أدت عملها بإتقان, استطاعت أن تقنع نفسها بذلك, وشاركتها بهذا العمل الكثيرات ممن يمتهن المهنة نفسها.
– أجيبي أين كنت؟

انتهت من المهمة وغادرت –
البناية ضخمة لم تر مثيلا لها من قبل, على بابها يقف رجال مدججون بالسلاح ودت لو تجد سيارة الأجرة بانتظارها ولكن حدث ما كانت تخشاه, فالبقعة خالية وكأن الجميع جرى يحلم بالهروب تبخرت المخلوقات الحية إلا من نخلة وحيدة تندب حظها وعزلتها.
عليها أن تغادر وأن تقتدي بالأخريات وبأقصى سرعة وإلا شكل وجودها ذلك خطأ لا تدري كنه عواقبه.

– ما الذي يثبث لنا أنك لا تكذبين؟ هل لديك ما يؤكد أقوالك؟

كيف تستطيع أن تثبت, حضرت ومعها الكثيرات لكنها لا تعرف أيا منهن فما الوسيلة التي يمكن أن تنقدها من هذا المطب؟

– أذكري اسما واحدا فنصدق قولك

اضطرت إلى السير, الطريق طويلة قدماها تؤلمانها – بطنها الكبير المنتفخ تشعر أنه سيقدف ما بداخله إلى الخارج وهي ما برحت تغد السير إلى مرادها البعيد.

– حافظي على صحتك – سيدتي – الجنين في خطر- وأنت مهددة بالإسقاط

– لا أحد يجرؤ على المرور من هنا فماذا تدعين؟ اذكري شيئا يمكن أن ينطلي علينا أيتها المرأة.

الألم يتضخم..يتزايد, القدمان يتشنجان, البطن ينتفخ, يتمدد الجسد, يتفجر, الجنين يصرح, يصرخ

– أريد لطفلي أن يحيا, جنيني لن يموت

– خذي حدرك سيدتي, حافظي على صحتك ابتعدي عن الإرهاق.

– لن ندعك تذهبين حتى تذكري الحقيقة هيا يا امرأة ما الذي تفعلينه هنا؟

القدمان متورمتان, والشمس قد آذنت بالمغيب والظلام يوشك أن يخيم ويسود وهي ما تزال بعيدة.

تغد السير وتواصل وساقاها ينهبان الأرض…
– لا تسيري كثيرا ولا تقفي لوقت طويل, وإذ تشعرين بوصول الثعب فسارعي إلى الفراش.

شفتها تيبس, قدماها يتضخمان تتورمان لا يطاوعانها والطريق مازال طويلا.
– أين الناس؟ هل تجدين مخلوقا؟ فلماذا سلكت هذا الطريق؟

الطريق وعر قاس …منهك.
– حاولي الحصول على إجازة طبية وضعك الصحي لا يعينك على العمل.
– قولي شيئا, قد نصدقك حسنا أين كنت؟ وماذا تريدين؟

أعضاؤها تصرخ, تلهت, تنفجر والألم يشتد, يتفاقم, يتضخم.
وهي تنشد الراحة وتود لو تنتهي من هذه المساءلة.
– أعيدي علينا الحكاية مرة أخرى ومنذ البداية أترين؟ أنت امرأة مسكينة وحامل, ولن تشكلي خطر علينا.

المقال السابقغَـنَـيتُـكِ بَغــدادَ
المقال التالىبنية تحتية
صبيحة شبر، كاتبة عراقية، بدأت الكتابة في الصحف العراقية عام 1960،أصدرت أربع مجموعات قصص قصيرة:الثمثال من مطبعة الرسالة في الكويت عام،امرأة سيئة السمعة ،لائحة الاتهام تطول ،التابوت ،لست انت صدرت عن دار ضفاف لها اربع روايات الزمن الحافي رواية مشتركة مع الادبا العراقي سلام نوري ، العرس رواية صدرت عن ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد