استنطاق الجسد تكريما للفنان Vladimir Velickovic

 
XJF412239 Jumping over three horses...chestnut horse Hornet, from 'Animal Locomotion, An Electro-Photographic Investigation of Consecutive Phases of Animal Movement', c.1872-85 (b/w photo) by Muybridge, Eadweard (1830-1904); Private Collection; English, out of copyright

“الفنانون لا يأتون من طفولتهم”. أندريه مالرو
هذا صحيح، إلا أن هذا القول ليس على إطلاقه. فالفنان فلاديمير فيليكوفيتش Vladimir Velickovic (1935ـ2019) واجه الرعب في سن العاشرة، عندما شهد مناظر القوات النازية وهي تصلب عناصر من المقاومة اليوغسلافية على أعمدة الكهرباء في حيهم بيوغوسلافيا. منذ ذلك الحين، أصبح الصراخ الذي سينتهي فقط بالموت يستوجب وبحدة وإلحاح مستمرين، التعبير عنه وترجمته إلى فن أسود من حَلَكِ الغراب.
يوم 29 غشت 2019 رحل الفنان اليوغوسلافي الأصل، الفرنسي الجنسية، فلاديمير فيليكوفيتش Vladimir Velickovic عن سن تناهز 84 سنة. هو من مواليد 11 أغسطس 1935 في بلغراد (يوغوسلافيا). تخرج من كلية الهندسة المعمارية عام 1960. ونظم أول معرض له في عام 1963. انتقل إلى إحدى مناطق باريس للعيش والاشتغال، بعد حصوله على جائزة في بينالي 1965.
في عام 1972، مثل فيليكوفيتش يوغوسلافيا في بينالي البندقية بإيطاليا. وفي عام 1983 عين أستاذاً في المدرسة العليا للفنون الجميلة في باريس، وقام بالتدريس فيها لمدة ثمانية عشر عامًا. وفي 31 يناير 2006 انتخب عضوا في أكاديمية الفنون الجميلة بفرنسا.
في عام 2009، أنشأ “صندوق فلاديمير فيليكوفيتش للرسم” الذي يكافئ الفنانين الصرب الشباب.
هو أيضا عضو في الأكاديمية الصربية للعلوم والفنون.

أعماله وأسلوبه:

وسائل فنه، سوف يتعلمها بمفرده، فهو بمعنى من المعاني فنان عصامي، رغم تكوينه الهندسي. سيراقب ويسائل على مدى سنوات كل من ليوناردو دافنشي، ومايكل أنجلو، وفرانسسكو دي جويا، وألبير دورير، يقلب دفات تاريخ فن كلاسيكي تساعده على صقل مواهبه الفنية وتهذيب رؤاه الجمالية.
بمجرد ولوجنا عوالمه يستوقفنا موضوع واحد ووحيد: الإنسان. الإنسان/الجسد الذي مزقته وشوهته الآلام منذ الولادة الأولى وضاعفت من معاناته كلاب وفئران، استغل الرسام حضورها المجازي لتقوية خطابه التشكيلي التصويري الذي لا تنضب سردياته.
فلاديمير فيليكوفيتش من الفنانين البارزين في اتجاه التصوير السردي Figuration narrative.
الحركة الفنية التي ظهرت في أوائل ستينيات القرن الماضي في فرنسا، وكان من برامجها العودة إلى التصوير Figuration ضدا على التجريد السائد بقوة آنذاك، والحركات المعاصرة للواقعية الجديدة وفن البوب آرت.
التصوير السردي عبارة عن تيار تعبيري يقيد في البداية مجال الصورة من خلال اعتبار أي عمل يشير إلى تمثيل مُصوَّر في الزمن، إما عن طريق تداول الأشياء على سطح اللوحة أو عن طريق سرد تسلسلي، بما في ذلك ما يتم تقديمه على شكل مجموعة من اللوحات المتكاملة، ذات مقصدية سياسية ونقدية للمجتمع الاستهلاكي. من بين مصادر إلهام فناني هذا التيار الرسوم المصورة والسينما والتصوير الفوتوغرافي والميديا…
من بين الفنانين البارزين في حركة التصوير السردي: جاك مونوري Jacques Monory (1924ـ2018)، ليوناردو كريمونيني Leonardo Cremonini (1925ـ2010)، هنري كويكو Henri Cueco (1929ـ2017)، إيرو Erro (1932)، فاليريو أدامي Valerio Adami (1935)، بيتر كلازن Peter Klasen (1935)، هرفي تيليماك Hervé Telemaque (1937)، إدواردو أروايو Edouardo Arroyo (1937ـ2018)، جيرار فرومنجير Gerard Fromanger (1939)…

فلاديمير فيليكوفيتش من الفنانين الذين ضمهم النقاد إلى هذه الحركة إذ أن أسلوبه الفني يشاكل مشروعها الجمالي/الاجتماعي العام، من حيث الواقعية التي يقدمها الرسام كتعبير عن الألم والعنف البشريين، ومن جانب كونه أقحم أسلوب اشتغال مختلف عما كان سائدا. أسلوب يرتكز على الرسم Dessin ودقة التفاصيل وتصوير الحركة وتنضيد الأشكال وتركيبها مع بعضها. فهو بذلك أعاد الحياة إلى ذاكرة فنية طواها النسيان منذ ظهور إرهاصات الفن الحديث الأولى، فرسومه المصبوغة تحيلنا على الأسماء التي ذكرتها آنفا، دافنشي وتشريحه للأجساد البشرية والحيوانية، ومايكل أنجلو وجدارياته الهائلة وغويا والوجوه المشوهة…
في هذا السياق كتب الناقد جان لوك شالومو Jean-Luc Chalumeau1: “في تحقيقه الشغوف واهتمامه بالجسد، يظهر فيليكوفيك كرسام اليوم وفي نفس الآن كشاهد على أقدم التقاليد الفنية، حيث إن لوحاته تقدم من خلال النوبة، لغة رمزية أخرى أساسية: لغة القدر. لأن كل شخص مقدر عليه الانتماء إلى كونية الحالة الإنسانية”: “إلى الولادة والموت؛ إلى الحياة الجنسية، إلى الحيوانية وكذلك إلى المعرفة ” (مارك لو بوت Marc Le Bot2)

منذ بدايته في أوائل الستينيات، حدد فيليكوفيتش المواضيع التي سيتناولها في عمله، المتجسدة في رسم الشخوص والحيوانات (غالبًا الفئران أو الكلاب) التي تواجه أجسادها مواقف مثيرة ومرعبة. وانطلاقا من عام 1972، رسم سلسلة من اللوحات والرسومات استوحاها من صور الإنجليزي إدويرد ميوبردج Eadweard Muybridge (1830ـ1904). ومن خلال مقارنة اللوحات بالصور الفوتوغرافية يتضح جليا التأثيرإلى درجة اقتباس بعض المكونات الخطية الواردة في الصور كالخطوط العمودية والأفقية، كان الهدف منها تشديد قوة التكوين وتأثيث فضاء اللوحة بعناصر تشكيلية تضاف إلى رمزية اللون والشكل.
إن جودة عمل فيليكوفيتش ليست وحدها هي التي توحي بأصالة وقوة عمله، هنا ما هو أبعد من ذلك، إذ أنه لا ينحصر في التصوير، بل في الحضور، حضور الذات المُعنفَة. شخصية الإنسان هنا هي ذريعة لانحراف كامل للسلسلة المرسومة، التي تظهر أحيانًا في شكل تشويق صوري، وأحيانًا في ديناميكية الذعر، تترجم بقوة البعد الوجودي لهموم الفنان واهتماماته. “فاللوحة وما تحويه من أشكال ورموز، في نهاية المطاف، هي بدائل لجسد الفنان نفسه”.

إن عمل فيليكوفيتش عالم متسم بالمأساة والفواجع، حيث تسمو الألوان السوداء والرمادية والحمراء بالقوة التعبيرية للمناظر الطبيعية المقفرة والآفاق المسدودة، الأجساد التي تنخرها الفئران المسعورة، وغربان الشؤم المتطايرة هنا وهناك، لتملأ المناظر الطبيعية المهجورة الحالكة، وكأنها ساحات قتال، وحتى أجساد النساء المتناثرة أصبحت إيواء للوحوش.

غالبًا ما تكون الصور التي يعطيها الفنان فيليكوفيتش عن العالم، مصحوبة بوحشية شديدة وبنوع من الدقة في التفاصيل، يعمل أحيانا على مسح بعضها بيده وكأنه يعيف رؤيتها ويكره وجودها قائمة منتصبة أمام عينيه. تفاصيل تدعمها وثائق فوتوغرافية عملت يد الفنان على إلصاقها كما هي، وكأنها شاهدة على مراحل المخاض… مراحل جنينية تناسلت خلالها الأفكار وتوالدت، لتنتج عملا متكاملا، موضوعه الرئيسي الإنسان وجراحه وآلامه.
جراح وآلام تعبر عنها أدوات طبية جراحية… أدوات تعذيب … إنها نظرة قاسية تزيد الجرح إدماءً، يُلزم الفنانُ المشاهدَ بتلقيها ولو عنوة، مما يشل أي محاولة لقراءة “عاطفية” للعمل الفني.

هوامش:
1ـ مؤرخ الفن وناقد فرنسي من مواليد 1939، له عدة مؤلفات عن الفن المعاصر.
2ـ Marc Le Bot (1921ـ2001)، كاتب وأستاذ تاريخ الفن بجامعة السوربون,

لا تعليقات

اترك رد