السارية رمز الرحيل المر

 

ختلط على الأمر بين سارية والسارية رغم الفرق الواضح بينهما ذلك أن سارية بطلة الرواية ظلت وثيقة الصلة بالسارية والبحر وحلم الرحيل منذ أن كانت سارية تتابع برنامج من أعماق البحار مصحوبة بالأشواق والأسئلة عن أسرار الأعماق.
أصبحت سارية في مرحلة لاحقة تصنع المراكب من بقايا الأخشاب وعندما ترضى عنها تتخيل حمولتها مع أهلها وجيرانها وزميلة دراستها، وذات يوم صعد صديق الأب إلى عشتهم وطلب يدها.
هكذا بدأت رواية السارية التي صدرت عن الهيئة المصرية للكتاب وهي من تاليف عباس علي عمر وصممت الغلاف الدكتورة هند سمير، بدون مقدمات تنقلنا الرواية إلى العلاقة العاطفية التي داهمتها في بؤرة الحنين حيث إنتمت إليه وإنتمى إليها فكان بالنسبة لها الجسد والأشواق وحبل من مسد وكانت هي رعشة على حافة الأبد.
إتفقا على الزواج فيما ظلت الأسئلة الحائرة تمور في الصدور .. وشاركا المظاهرات وإنخرطا مع الجماهير في الهبة الثورية بميدان التحرير .. إنها جمعة التوقع والواقعة.
وسط دوامة الذهول كانت كفاها مخضبتين بدمه وهو محمول على سواعد الجماهير، عادت سارية إلى السارية وأمسكت العصا بكفيها ثم وضعتها بين نهديها وحاولت إقتناص لحظة هاربة من ذاكرتها .. قطرات الدمع خضبت العصا وبصدرها تمور أحزان الابد.
بدأحلم الرحيل .. عبروا الحدود المصرية، تململت سارية فوق مقعدها، نهش القلق وجدانها ثم غشيت الغيوم عينيها .. رأت سارية ترفرف عالياً، وصلوا إلى أطراف الغابة حيث إستقبلهم الدليل وقادهم داخل الغابة.
قالت سارية : قلت لكم نصنع مركباً فسألوها وهل هذا ممكن ؟ كانت مصممة على صناعة المركب.. البنات تحولن لخلية نحل وسارية هي الملكة، فيما ظل صاحبنا الغامض يراقب الموقف في إنتظار العسل.
كانت شمس الصباح ساطعة والمركب على الساحل مربوطاً إلى المرسى حين وقفت سارية وحيدة تقلب صفحات الذاكرة وقتها أحضر الشباب المحركات .. إنها لحظة الإنتصار.
أشرقت الشمس والمركب على الساحل يحركه الموج وتجمهر الشباب لتركيب المحركات وتدشين المركب، لم تكن سارية حاضرة وحين لاحت من بعيد إلتفوا حولها مترقبين وإستعد الجميع للرحيل في اليوم التالي.
حملت سارية لحافها وإضجعت خارج الخيمة تراود السماء عسى تبصر أملاً وسط بريق النجوم، ومع نسمات الفجر الندية زحفت نحوها أفعى صحراوية، خدر لذيذ أرعش جسدها بينما تلتف الأفعى حول فخذيها .. تلوت فوق بطنها ثم أراحت بين نهديها.
أشرقت الشمس على يوم حزين وهم واجمين حولها، إنتشلوا المرساة بعد صعود الجميع إلى المركب ورفعوا سارية سوداء ونكسوا رؤوسهم في صمت فاجع.
أخيراً رفرت السارية عالياً قبل أن تدور المحركات إيذاناً بالرحيل ليتركنا المؤلف في حيرة من أمر سارية ورحيلها الغامض المفجع.

المقال السابقروح ومنفى
المقال التالىلا تنظر إلى الخلف، وإلا . . .
صحفي سوداني ولد في عطبره وتلقى تعليمه الابتدائي بها والثانوي بمدرسة الثغر المصرية وتخرج في جامعة القاهرة بالخرطوم .. بكالريوس دراسات اجتماعية‘ عمل باحثا اجتماعيا بمصلحة السجون‘ تعاون مع الإذاعة والتلفزيون وبعض الصحف السودانية إلى ان تفرغ للعمل الصحفي بجريدة الصحافة‘ عمل في كل أقسام التحرير إلى ان أص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد