تجربة فيفيان الصائغ تلفها قيم تعبيرية، و حالات من التمرد

 

خُلقتُ لأرسم ” جميلة هذه العبارة التي قالتها التشكيلية السورية فيفيان الصائغ ، و موحية جداً ، و تكاد تلخص سر الوجود ، و سر الروح فيها ، بل تكاد تكون و بجدية عالية الإجابة الوافية عن الكثير من أسئلة الحياة و الفن و جمالياتهما ، فهي هنا و ضمن المتغيرات السريعة حتى في تلافيف اللحظة تتسارع بدورها لتعبث بالبياض و بجذوره الممتدة في الأفق ، ملتجئة إلى شقائق الألوان و هي تلامس ذلك البياض بفعل حضاري ، و بعشق قادر على التعبير بلغته التي تحمل كل مفردات الإحتواء .

خلقت الصائغ لترسم ، تؤكد بذلك أن الإنسان هو صانع الحياة و جنتها ، مهما كان المناخ السائد ملوثاً ، فهي هنا تصنع قدرها الحتمي ، القدر الحافل بالمفاجآت و الأسرار ، و بأن المصالحة مع الذات تختزل كل ألوان الحياة في مزاجة واحدة ، و بأن خطواتها ليست إلا تجليات لألوانها ، و بذلك تضفي مكانة أخرى لتلك الألوان ، و بالتالي لتلك الخطوات ،فهي لا تقف وحيدة لتسرد قصة الإنسان في هذه الحياة ، بل ترسم تلك الحياة و تزخرفها بالشكل الذي يجب أن يكون ، فلا حدود لملامحها ، و لا حدود لإنتماءاتها ، ففرصة البحث عن الذات تكمن هنا بين ألوانها و خطواتها تلك ، و حينها و بما تمليها عليها مقولة التجربة الإنسانية ، و بالتوازن مع الوحدة العضوية لأجزائها التي تتسم بالمفارقة من حيث بنيتها الدرامية تتفاعل بطريقة تجر مجمل العناصر الفنية التي تدخل في بناء عملها الفني إلى صياغات تعكس الثوابت الإنسانية ، و معانيها المكثفة ، مع مقوماتها الإدراكية و ما تحمله من آثار متبقية من تجربة عنيفة إلى حد بعيد

تجربة تلفها قيم تعبيرية تؤكدها ذلك الشريط الطويل من الإنفعالات و العواطف بعنفوانها و حرارتها ، و تؤكدها كذلك تلك الألوان بملامحها الحزبنة ، و بحركتها المتعبة ، و هنا تبرز ذروة الألم بإخلاصها وصدقها ، فهذا الإندفاع الإنفعالي و بهذا الحشد له أهميته بالنسبة للصائغ و لمشروعها الجمالي ، فبه تتجاوز مناطق القحط و التجفاف و ما تعيشه من تلاحمات ضمن فراغ ما و إن كان هذا الفراغ ممتداً في الروح و تشكل المساحة الأكبر التي على الصائغ أن تشغلها بدوائر من ذاكرتها ، و تشحنها برؤياها الجديدة ، حتى تتدفق تلك المآسي الإنسانية بغزارة من داخلها نحو بياض العمل.

فاليوميات المرسومة كمفارقات معتقة و بأبعاد غير تقليدية و التي تتعدى حالات التأمل و الإبحار ستكشف بإستمرار ذلك السيل الجارف من القدرة الإبداعية ، و بالتالي ستكشف تلك التربة الخصبة التي عليها تعمل الصائغ ، فالإحساس الذي يملؤها هو ذات الإحساس الغارق في أعمالها ، و الصادر منها لدواخلنا ، هذا الإحساس الحيوي بحركته ، الفاعل بإيقاعه ، الداكن بتأثيره ، تسيل من جسد اللوحة بزخم حافل ، لا كطقس قادم من أسطورة ما ، بل كسيمفونية تصنع فينا الإنسان ، تصنع فينا لحظات مقدسة.

منذ تخرجها عام 2001 من معهد إدهم إسماعيل بدمشق و الصائغ لا تهدأ ، فهي في حركة مستديمة لا دوائر فيها ، حالة الصعود تفرض ذاتها عليها ، و تشكل تلك الإرتعاشات التي تحتدم ضمن حساسية خاصة ، و التي تستمد نبضها من تلك المحرضات البصرية التي تتشظى و هي ترفد عملها بهذا الكم من الهدوء المنحاز لدواخلها ، أقول تشكل تلك الإرتعاشات بوابة الحضور لطقس يخصها هي ، بعناصره ، وبروحانيته ، التي بها تبصر الحدث و محنته

فالصائغ و بملامح تمس الخراب توغل في ذاتها أولاً ، و في المشهد الإنساني الآيل للسقوط ثانياً ، تحتفي بإنحيازها العميق نحو تحريك المشهد لا علىث باته ، تحتفي بلغتها المكتنزة لجماليات هي الأخرى تعبيراتها في مواجهة هذا التحدي القبيح ،القبيح بغضبه المؤلم ، و بإشتعاله للروح المتصدعة حتى الغموض ، مما جعلها تلجأ إلى التراب الغائم بالإنسان حتى تجتاز الطريق و فوضاه ، حتى تنفلت ألوانها الترابية من بين أصابعها على فضاءات الوجع الذي لا ينتهي ، فهي تمتحن الأشواك و هي تتلاطم على جسد شديد الهتك ، تمتحن الألم و هو يدمع من أرواح عملها ، الإيغال فيه تداعيات غربة و سمومها ، تداعيات لا حدود للأشياءفيها ، وحدها الفصول كلها تأتي إليها كأنها تلمس خبايا عشق في معبد قديم .

صحيح أن الصائغ تنظر إلى الفن كدعائم للحياة الواقعية و المعاشة منها على نحو أدق ، إلا أن ذلك لا يبعدها عن الحياة التي تكون أكثر جمالاً إذا إرتبطت بالحس الفني ، و بالثقافة البصرية ، فمن أجل الإنتماء إلى الجمال و خلقه و تفعيل تأثيره و نثر أريجه يكون العنوان نابضاً بإبتسامته ، فاللحظات القلقة و المتوترة غير واردة في عمل الغد الآتي كالضوء الذي يدخل نافذتها كل صباح ، و هي تدرك تماماً بأن المبدع لا يشبه أحداً إلا نفسه ، بل وقد لا يشبه حتى نفسه ، لايشبه إلا كتلته الداكنة منها و المزخرفة ، و كأنه قريب من سموات خلقت له كي يقعد على عرشها و يقول للجمال كن فيكون.

صحيح أن الصائغ تتخذ من المرأة عنواناً للوحاتها ، و ليس في ذلك غرابة ، لكن أن تدخلها في لغة اللوحة و تكون أبجديتها ، بل لسان حالها ، و بتأثيراتها الزمنية و الحسية على كل سطوحها ، و تقتل النعاس فيها ، فهذا هو الإنتماءبعينه ،الإنتماء الذي يتلاشى في جسد لوحتها ، أو قد يقفز من الإطار و يمتد في ذلك السراب المسافر في اللانهائي

فالصائغ تهتم بكل ما يحرك الركود حتى لو كان وجعاً نائماً في قلب إمرأة طحنتها العشق و الإنتظار ، تهتم بنفسها أولاً فهي المرأة ذاتها التي تفرض رائحتها في لوحتها و تشد المتلقي إلى العبق الغائب ، تهتم الصائغ في تقديم عملها على أنها مجموعة أعمال تنبض بنا جميعاً ، المرأة على نحو خاص ، و الإنسان على نحو عام ، فالمعطيات الإبداعية عندها بلا حدود ، و لا ترقد بهدوء ، بل تزحف بحب و قلق ، و تجاور صوت المطر حتى تملك عذوبته و لغته الخاصة ، حينها فقط تضع اللاحدود لمسافاتها التي تستحق أن تجوب الأرض و أكثر .

لا تعليقات

اترك رد