قَيْرَوانُ شَقائق النّعمان

 

السَّماءُ مُلَبَّدَةٌ بالغُيُومِ

وَمَيضُ البُرُوقِ تتالى‏

بدُونِ رُعُودٍ تُرافقُهُ‏

والشّوارعُ فارغَةٌ

عنْدَما انْدَفَعَتْ صَوْبيَ‏

العَرَبَهْ‏

فَقَفَزْتُ على صَرْخَةِ الذُّعْرِ‏

أعْلو و أرْسُو‏

على ظَهْرِ حُوْتٍ تَحَرَّكَ بي‏

فَنَهَضْتُ:‏

سَريريَ بَلَّلَهُ عَرَقِي‏

وَدِماءٌ تراءتْ على العَتَبَهْ!.‏

……………….

البَحْرُ ذئبٌ‏

لا يؤَنْسِنُهُ شِراعٌ في الأفُقْ‏

واليابسَهْ‏

كلْبُ السَّماءِ اليائسَهْ‏

واللهُ بُوصَلَةٌ‏

أضاعَتْها الطُّرُقْ‏

-1-

ها أنا في العَراءِ‏

أماميَ هذا الجدارُ تعالى إلى اللهِ‏

قطْعانُ أذئبَةٍ مِن جَهَنَّمَ تَعْدو وَرائي‏

جدارُ خطايا تَسَلَّقْتُهُ بحِبالِ دِمائي‏

ها أنا طائرٌ مِن رَمادِ القَصيدَهْ‏

ها أنا في مَهَبِّ العَقيدَهْ‏

ها أنا أتماسَكُ في سَفْحِ مَعْرِفَةِ اللهِ‏

أقرأ «هفْتَ الأظِلَّةِ»‏

أسْمَعُ فيروزَ‏

أنظُرُ لَوحات “سبهانَ آدَمَ”…

حتى أفَكِّكَ عاصِفَةَ الغُرَباءِ‏

-2-

أنتَ خارِجَ طَقْسِ الحَفاوَةِ بالمَوْتِ باسمِ الإلهِ‏

تُصَلِّي وحيدا‏

أنتَ يا نافِخ الرُّوحِ في الكلماتِ العذارى‏

رَمَتْكَ الشياطينُ بالحَجَراتِ على الطرقاتِ الحيارى‏

وكلُّ طريقٍ سترسمُها قدَماكَ إلى جَبَلِ النارِ‏

ترفَعُها كَتِفاكَ صليباً جَديدا‏

كانَ قلبيَ بكْراً كَفَجْرٍ‏

كزَنْبَقَةٍ سُرْبِلَتْ بالنَّدى‏

كَدِمَشْقَ التي كاااانَ يَنْبعُ مِن خَصْرِها بَرَدى‏

وما أن تَغَمَّدَه خِنْجَرُ الليْلِ‏

أضْحى حَديدا‏

-3-

في الطَّريقِ إليَّ‏

– كم نأيْتُ عَنِ الذَّكَرِ المُتَطَلِّبِ فِيّ؟! -‏

جَسَدٌ تَعَفَّرَ بالظّنُونِ‏

جَرَحَتْهُ أشواكُ العُيُونِ‏

فَلَثَمْتُهُ بأنامِلي‏

حتى تَبَرْعَمَ وَرْدُهُ‏

وَعَلا اشْتِعالُ الشَّهْوَةِ الكُبرى‏

رَمادَ الياسَمِينِ‏

-4-

في الطّريقِ إليَّ

– كَمْ نأيْتُ عَنِ الضّادِ فِيَّ؟!-

وَإنْ شَرَّدَتْنِي فلسطينُ

حتّى عَلَتْ قَسَماتِيَ أسئلةٌ

في تَناسُلِها جُنَّ قَلبي

لَمْ أُضِعْ لَحْظَةً

قُبْلَةَ المُتَنَبِّي!.

– 5-

في الطريقِ إليَّ

– ثلاثينَ أيقونةً رُبّما قَد كَسَرْتُ؟!-

ولكنّ موسكو التي أضْجَرَتْنِي بِلِينِينَ

حتّى سَلَوْتُ بِغوركي

فاضَ عَنّي الحَنينُ إلى صَفَحاتِ دَفاتِرِها

فانْزَوَيْتُ إلى دستوفسكي

إلى أنْ تَفَتَّقَ حَدْسِيَ عَن وَجْهِ “بوتينَ”

يَطْلَعُ مِن رُوحِ روسيا

بِعَيْنَيِّ طِفْلٍ يَرَى ما تَوارى

نَبيلاً يُبَلْسِمُ جُرْحَ بِلادِيَ

مِنْ غَدْرِ آخِرِ ترْكِي!.

-6-

في الطّريقِ إليَّ

– ضَبابٌ وَضَوْءٌ شَحيحُ؟!-

تُرى هَل دُخانُ حرائق تلكَ القُرى؟

هَل بُخارُ الدّمِ المُتَدَفِّقِ يشخبُ فَوْقَ الثّرى؟

هَل أنينُ الحِجارَةِ حِينَ الجّدار تَهَدَّمَ

والشّيْخُ يرقبهُمْ يذبَحُونَ الحفيدَ بِدُمْيَتِهِ مُطْلِقاً صَرْخَةً صامِتَهْ

وَالفَتاةُ يُمَزَّقُ عَنْها الرّداءُ بِمِخْلَبِ طائفَةٍ شامِتَهْ

سَوْفَ يُعْمِي البصيرَةَ عَن تل أبيبَ وَعَن أنْقَرَهْ؟.

-7-

في الطريقِ إليَّ، وهَل أصِلُ ؟‏

– وحوشٌ بأقنِعَةٍ حاكَها نَوْلُ قابيلَ‏

تربضُ في كُلِّ مُنْعَطَفٍ مِن مساراتِ أو مِن مَسرّاتِ هابيلَ‏

تأكلُ تنكَحُ أو تَقتِلُ! -‏

على هؤلاء يُراهِنُ مَن حَسِبُوا أنَّهُم يرسمونَ حِصاناً بحريَّةٍ يصهلُ‏

على هؤلاء يُعَلِّقُ أحلامَهُم شُعَرَاءٌ يظنُّونَ‏

أنّ حَداثَتَهَم تتجلّى بقافيةٍ تأفلُ‏

إلى هؤلاء رَنا مَن تَوَهَّمَ أنَّ الإطاحةَ بالآنِ مُسْتَقْبَلُ ؟!‏

بَخٍ يا قطيع مَراعي الرّبيعِ‏

بَخٍ أيُّها البَغْلُ و النَّغْلُ و الغافِلُ‏

-8-

في الطريقِ إليَّ‏

أنا الواقِفُ الآنَ فَوقَ ذُرى يأسيَ المُرِّ أهتفُ:‏

مَن يَذْبَح الله مِن جيدِ يافِعَةٍ مِن بَناتِهْ‏

كيفَ يرجو قُبُولَ صلاتِهْ ؟!.‏

ثُمَّ أسخَرُ مِنِّي‏

لأنّي‏

كأنّي‏

إذا قاتِلٌ قالَ شيئاً‏

سأُصْغِي إلى كَلِماتِهْ ؟!.‏

-9-

في الطريقِ إليّْ‏

جَدْوَلُ الحبْرِ‏

يحْمِلُ في رَهَقٍ‏

زَوْرَقَ العابثِ الوَرَقِيّ :‏

هل أنا صَخْرَةٌ مِن ” كَفَرْيَةَ ” صارت غُباراً‏

فَتَنْثِرُها الرِّيحُ بينَ جِهاتِ البسيطةِ‏

أم أنَّني مَوجَةٌ رَفَعَتْهَا إلى سَطْحِ باخِرَةٍ غادَرَتْ مَرْفأَ اللاذِقيَّةِ ،‏

عاصِفَةٌ‏

أم رسولٌ تأخَّرَ في حَمْلِ إنجيلِ سوريَّةَ العَرَبيّ إلى غَرْبها‏

أمْ غَزالٌ سها عَن عُيونِ المَها،‏

فأُدِخِلَ دَيْرُ البلادِ التي ضاعَ رُهْبانُها ؟!.‏

-10-

البيوتُ الفقيرةُ في عَدِّها و العَتادِ‏

مُبَعْثَرَةٌ في جبالِ بلادي‏

البيوتُ التي نَبَتَتْ هكذا كالصخورِ‏

و كالعشْبِ بين شقوقِ القُبُورِ‏

عُلِّقَتْ كالقناديلِ‏

في كلِّ تَلٍّ و سَفْحٍ وَ وادِ‏

هكذا فجأةً زَمْجَرَتْ حولها عاصِفَهْ‏

مِن لِحى الغُرباءِ‏

كُلَّما كبَّرَتْ في الورى‏

ضرَّجَتْ ثلّةً و سبَتْ ثلَّةً مِن شبيبَةِ تلك القرى‏

لَسْتُ أدري إذا كانَ ذاكَ الإلهُ أطَلَّ‏

على جرْحِ ” تَللاّ ” ؟‏

.. مثَلاً‏

أم انَّ اللِّحى اخْتَطَفَتْهُ ودَسَّتْه تحْتَ الثّرى‏

قُبَيْلَ اخْتِطافِ و ذَبْح الضحايا‏

وَ سَبْيِ الصبايا‏

قرابينَ كي ينتشي بالدّماءِ

و كي يَتَسَلّى؟!.‏

-11-

يا أيّها الأعرابُ‏

نامُوا، ربّما “غودو” إلى أحلامِكُم يأتي‏

و”غودو” عندَكُم مَوتِي‏

حَرارَتُكم قد ارتَفَعَتْ‏

وسوف يصمُّكُم صَوتي‏

دَمُنا سؤالُ وُجُودِنا‏

في طَمْيِ أرْضٍ مُنْبِتٍ‏

بنَضَارِنا يأتي‏

وَدِماؤكُم في الرَّمْلِ تَيْبَسُ‏

تَحْتَ طاغُوتٍ ومُنْبَتِّ‏

………………

يا قَيْرَوَان الغَيْمِ والجُّذُورِ‏

ياحارسَ ابتسامةِ الرَّضيعِ‏

والحَمامَ مُرْسِلاً هَديلَهُ البديعَ‏

والحِمامَ كامِناً في الزِّنْدِ والزّنادِ‏

رابضاً ينتَظِرُ الغُزاةَ‏

في الثُّغُورِ‏

يا قَلْعَةً حَصينَةً‏

تَناسَخَتْ في كُلِّ شارِعٍ وغابَةٍ وشاطئٍ‏

تُنَظِّف البلادَ مِن ثقافَةِ اللّحيةِ والسّاطورِ‏

يا مُطْلِق السِّباعِ تَقْنص الذِّئابَ في أوكارها‏

إنْ شاءت الغُربانُ أن تَنْعَقَ في سمائنا‏

فبانتِظارِها مشيئةٌ‏

تَصْفرُ في مَخالبِ النّسورِ‏

كافُورُ واشنطُنَ في قِباعِهِ الأبْخَرَ‏

قَدْ يُرْعِشُ عَرْشَ تَيْسٍ‏

في قَطيعِهِ …‏

لكنَّ مَن يزأرُ لا يُصْغي إلى ضَرْضَرَةِ النَّمُورِ‏

(أعْمى البَصيرةِ‏

ربّما أغْوَتْهُ شارِدَةٌ مِن الأوهامْ‏

فَلْيَهْنَأ إذَنْ‏

بفَصاحَةِ المَلِكَيْن عبداللهِ‏

بُوصَلَةً مُعَطَّلَةً لِغَزْو الشّامْ )‏

قابورُ أمريكا الحقُوقيّ‏

المُعَطَّرُ مثْلَ جثَّهْ‏

(باريسُ مخزنُهُ!)‏

ألقى مُكابَرَةً عَصاهُ‏

وزَيَّنَ العينَيْن بالنظّارةِ المَلَكِيّة السّوداءِ

وارْتَبَكَتْ خُطاهُ‏

وَضَلَّ في صحراءِ إسرائيلَ‏

لكنَّ الهَوى حَثَّهْ‏

وسارَ مُنَكِّساً رأسَهْ‏

وتاهَ أمامَهُ كَفَّاهُ ترتَعِشانِ‏

مِن ضَحِكاتِ ألغامٍ بدَيْجُورِ‏

لا لَنْ يمرُّوا‏

أوْ يَسْتَقِرّوا‏

والقَيْرَوَانُ الباسِلُ المِقدامُ سُوري‏

*المنزه التاسع-تونس

____________‏

*القيروان لُغَةً العسكر أو الجيش.

لا تعليقات

اترك رد