موسم الهجرة من التعليم الخاص إلى التعليم العمومي في تونس

 

لا تنظر غالبية التونسيين إلى التعليم الخاص بعين الرضا. ولم يكن يوما موضوعا حارقا مثل ما هو في هذه السنوات الأخيرة. فرغم أنّ المعاهد الثانوية الخاصة كانت معروفة في تونس منذ أواسط الثمانينات من القرن الماضي حيث مثلت الملجأ لمن تعثروا في مسيرتهم التعليمية في المعاهد الحكومية, فإنّ التعليم الابتدائيّ الخاص كان شبه غائب. بل كان بدعة غير مبررة في بلاد ما فتئ ساستها يؤكّدون, منذ عقود كثيرة,أنّ قطاع التربية يستحوذ على القسم الأكبر من ميزانية البلاد.

وتبدأ مرحلة ضبط هذا القطاع وتنظيمه في أواخر السنوات الثمانين(1989) ثمّ ينقّح القانون بالأمر الرئاسيّ الصادر بالرائد الرسمي في فيفري 2008 ويحدد المقصود بالتعليم الخاص إذ يؤكّد في فصله الأوّل على أنّه ” تعتبر مؤسسات تربوية خاصة، على معنى أحكام هذا الأمر، المؤسسات التربوية الخاصة التي يتم إحداثها من قبل الأشخاص الطبيعيين والمعنويين والإنفاق عليها والتي تسدي خدمات تربوية وتعليمية حضوريا أو عن بعد بمقابل وبصفة منتظمة أو دروس دعم وتدارك مع إمكانية الجمع بينها وهي : ـ المؤسسات والفضاءات التي تعنى بالتربية قبل المدرسية، ـ المدارس الابتدائية، ـ المدارس الإعدادية، ـ المعاهد، ـ مؤسسات التربية والتكوين عن بعد، ـ المؤسسات التربوية التي تعتمد برامج وتنظيمات خصوصية أو تعد لاجتياز امتحانات أجنبية. وتعتبر المباني والمرافق التابعة لمؤسسة تربوية خاصة كالمطعم والمبيت جزءا من المؤسسة المذكورة وتكون خاضعة لأحكام هذا الأمر.

ومنذ ذلك الحين و التونسي الذي بدأت حياته الاقتصاديّة تعرف بعض تطوّر, منذ ذلك الحين ومسألة التعليم الخاص تجتذب اهتمام النّاس وتحظى بالتّداول فيها لدى العامة والخاصة.

ولكنّ اللافت للانتباه هو أنّ هذا القطاع قد عرف أوج ازدهاره في فترة ما بعد 2011 وذلك يرجع إلى عدّة عوامل نذكر منها:

– تطبيق شروط صندوق النقد الدّولي الدّاعية إلى “رفع الحكومة يدها عن التعليم “,كما يرى ذلك مرشد إدريس عضو النقابة العامة للتعليم الثانوي. وقد بيّن إدريس لإذاعة “إكسبريس أف أم” أن عدد المدارس كان 100 مدرسة خاصة في 2010 وأصبح في 2016 400 مدرسة.

– سوء الظّروف التعليمية في المدارس العموميّة المتمثلة في الافتقار إلى التجهيزات الضروريّة ورداءة الخدمات واضطرب مواظبة المدرسين والاكتظاظ. ففي بعض المدارس الحكومية قد يتجاوز عدد التلاميذ بالفصل الواحد الخمس وثلاثين تلميذا.

– الأزمة النقابية الحادة التي وصلت بالمدرسة العمومية في تونس إلى حافة الهاوية في السنوات الأخيرة. ففي 2015 ,تمّ تعطيل الامتحانات في قطاع التعليم الابتدائيّ. ورُقّيَ التلاميذ كلهم بصرف النّظر عن معدّلاتهم وتحصيلهم, و تكررت الأزمة وبنفس الحدة تقريبا في التعليم الثانوي في سنتي 2018 و2019, حيث تعطّلت الامتحانات نسبيا. وكان لهذه الأزمات الأثر الكبير في دفع الأولياء إلى التفكير بجدية في نقلة أبنائهم إلى المدارس الخاصة.

غير أنّ هذه القفزة التي عرفها التعليم الخاص في هذه السنوات أصبحت مهدّدة بصفة جديّة ابتداء من السنة الدراسية المقبلة (2019-2020)بسبب المنشور الوزاريّ الصادر عن وزير التربية. وقد مثّل هذا المنشور ضربة قاصمة للتعليم الخاص في تونس إنّ طُبّق بحرص وصرامة. فقد منعت الوزارة على المدرسين الذين يعملون في المدارس العموميّة من التدريس في المدارس والمعاهد الخاصة. ومن شأن هذا الأمر أن يحرم التعليم الخاص من خبرات كثيرة كانت له دعامة قويّة تمده بالخبرة. وسيكون القطاع مجبرا, بعد تراجع عدد المقبلين عليه, على اعتماد جهاز تكوينيّ ذي كفاءة عالية يتكفّل بإعداد مدرّسين أكفاء يستعيدون ثقة “حرفاء” هذه المدارس الخاصة. ولكن بأيّة كلفة؟

وفي هذا السياق, أكّد عبد اللطيف الخمّاسي رئيس الاتحاد التونسي لأصحاب المؤسسات الخاصة للتربية والتعليم والتكوين أنّ عدد التلميذ المرسمين بالمدارس الخاصة للسنة الدراسية 19-2020 قد نقص بمقدار 40 في المائة أي أنّ المرسمين هذه السنة لن يتجاوز عددهم التسعين ألف تلميذ. وأكّد السيّد الخماسي أن سبعين في المائة من هذه المؤسسات التعليمية الخاصة تواجه تهديدا بالغلق. محذّرا من أنّ 30 ألف من العاملين في هذه المؤسسات سيتعرضون لصعوبات تشغيلية بسبب نقص التلاميذ وإغلاق بعض المؤسسات.

لقد تبيّن من خلال هذه الأرقام أنّ الهجرة العكسيّة من التعليم الخاص المستنزف لجيوب التونسيين والمشغّل للمدرسين في ظروف أقل ما يقال فيها إنها قاسية والمستفيد من خبرات كوّنها التعليم العام قد أزفت ساعتها. وقد أثبتت وزارة التربية أنّه باستطاعتها المساهمة في الحفاظ على دور المدرسة العمومية ودعم الثقة فيه . ولكن الأهم هو إصلاح هذه المدرسة بإصلاح التعليم

هل ستصمد وزارة التربية التي يسندها الاتحاد العام التونسي للشغل في خيارها “الثوري”؟أم ستغيّر من موقفها نتيجة الضغط الذي تمارسه نقابة المؤسسات التربوية الخاصة بتونس مدعومة بسياسة اقتصادية يوجهها البنك الدولي وصندوق النقد الدّولي؟

لا تعليقات

اترك رد