حوار مع أركيولوجيا الزمن .. معرض فندق إكسلسيور 1918

 

عرف المغرب لوحة الحامل la peinture de chevalet مع عهد الحماية التي خضع لها عام 1912. منذ ذلك العهد، استوطن العديد من الرسامين الأوروبيين نواحي مختلفة من أرض المغرب، فساعد ذلك على خلق أسلوب من التصوير الأكاديمي الغرائبي، أطلق عليه التصوير الكولونيالي la peinture coloniale أوالمدرسة الكولونيالية l’école coloniale. هي فعلا مدرسة لأنها شكلت جبَّا متح منه، وما يزال، عدد كبير من الفنانين المغاربة المحليين، التأثير الذي سيتقوى مع إنشاء مدرستي الفنون الجميلة بكل من مدينتي تطوان والدار البيضاء.

تم رفض اللوحة الاستعمارية رفضا مطلقا من قبل الفنانين الحداثيين الشباب، الذين تكونوا بالخارج! فقد وجدوا فيها تعبيرًا عن الاضطهاد… صرح محمد شبعة في مجلة أنفاس: “إن المسؤولين في ذلك الوقت عن تدريس الفن المستورد وإدخاله إلى المغرب، كانوا رسامين أوروبيين رديئين médiocre، أنجزوا لوحات وثائقية غريبة، بيرتوتشي في تطوان، ماجوريل في مراكش، وبيرلي في طنجة….”

كلام فيه شيء من الجور والإجحاف! بني على أحكام قيمة…كيف يقيس محمد شبعة أعمال برتوتشي وماجوريل ويحكم عليها بالرداءة؟ أين تتجلى الرداءة في أعمالهما، وهما من هما؟ فنانان يملكان مهارات تقنية عالية، ويتوفران على تجربة صقلتها الممارسة الدائمة والمستمرة…

فما من أولئك الذين “يمثلون مغربًا يعرفونه جيدًا لأنهم يعيشون فيه. انفصلوا بتأن عن الرؤى الغربية القديمة، وعن مفاهيم المستشرقين. إنهم يرون المغرب بعيون جديدة، ولا يرسمون ذكريات قديمة، بل الصور في انبثاقها وتوهجها الأوليين، صور “موضوعية”. (لمرابط) بعض أولئك الرسامين الأوروبيين ستمجدهم الإدارة الاستعمارية وتعتز بأعمالهم وتخلدها، معتبرة إياها من التراث الفرنسي الوطني، نظرا لقيمتها التسجيلية الإثنوغرافية ولمكانتها الدعائية، ومن تم سيلقون تشجيعات كبيرة تجسدت في تنظيم معارض، وصالونات فنية وإنشاء جمعيات على شاكلة تلك المتواجدة بفرنسا آنئذ. تجلت أكبر تظاهرة فنية في المعرض الجماعي الذي نظم بفندق إكسلسيور Excelsior في الدار البيضاء عام 1918. ويعد هذا المعرض أول فاتحة لتاريخ لوحة الحامل بالمغرب.

على هامش المعرض الفلاحي التنافسي الذي نظمته إدارة الحماية الفرنسية عام 1915 بمدينة الدار البيضاء، تم تنظيم معرض فني بمبادرة من مجلة France Maroc. جمع أشتات الفنانين الفرنسيين، بعضهم يتعاون مع المجلة، وجلهم وطنوا أرض المغرب منذ بداية الحماية الفرنسية، 1912. ونُظِّم المعرض ببهو فندق إكسلسيور Excelsior الذي يعد آنذاك أول فندق فخم بناه المستعمر بالمدينة.

جاء في افتتاحية المقال الذي نشرته مجلة France Maroc في عددها الثاني عشر، المؤرخ ب 15 دجنبر 1918، الصفحة 354: “لقد كان اختيار لطيف للغاية، يستحق معرض باريسي. تم جلب كل هؤلاء الفنانين إلى المغرب من مخاطر الحرب ووجد أن السيف أو الحسام لا يثقل اليد التي اعتادت على مناولة قلم الرصاص أو الفرشاة(…) نشكر مرة أخرى كل هؤلاء الفنانين الساحرين الذين، بدون مبالاة وضعوا مواهبهم في خدمة مجلتنا، مما يجعل مهمتنا أسهل ونحقق دعاية أكثر متعة (…)ها هي ساعات السلام الهادئة تأتي، حيث سيكون الجميع قادرين على تحمل تكاليف القلق. فالمغرب أرض الرسامين المفضلة. سوف يأتون إلى هنا. وسوف يعرضون أعمالهم. لكن في التاريخ الفني لهذا البلد، سيكون معرضنا هو التأريخ الأول. نمتن كثيرا للسيدين Katz وVauthier ، اللذين منحانا هذا الفناء الجميل، فتمكنا من تحقيق فكرة جريئة إلى حد ما، لكن النجاح برر الفرصة … والنصر أيضًا”.

فندق إكسلسيور:
يرجع مشروع فندق إكسلسيور Excelsior الذي أسس بين عامي 1914 و1916، إلى المهندس المعماري الفرنسي Hyppolit Joseph Delaporte (1875 ـ1962)، أحد كبار المهندسين المعماريين الذين ساهموا في إعمار مدينة الدار البيضاء. وتم تأسيس الفندق بأمر من الصدر الأعظم الحاج عمر التازي. إنه أول فندق كبير يستقر خارج محيط المدينة القديمة، لكنه يشاكل عمرانها من ناحية كونه يعتبر النموذج الأصلي للطراز الموريسكي الجديد الذي تبنته الإدارة الاستعمارية كأسلوب معماري في جل المدن المغربية الكبرى.

يلج الزائر فندق Excelsior المنفتح على شارع إبراهيم العمراوي، عبر مدخل ذي درجات من الرخام الأبيض، يؤدي إلى ردهة واسعة، ينعكس خشب سقفها على أرضية من الفسيفساء. المبنى الخرساني المسلح مغطى بأقواس نصف دائرية (منحنى داخلي للقبو)، وخطوط من البلاط الأخضر وبلاط الزليج، بالإضافة إلى الدرابزين الخرسانية، بنوافذ مقوسة، مزينة النجوم الثمانية.

جعلته واجهته الهائلة، التي تستحضر ذاكرتها المباني القديمة في كل من الجزائر وتونس، جعلت منه ملاذا مفضلا للتجار ورجال الأعمال الأوروبيين بالخصوص، الذين وفدوا على المغرب منذ بداية القرن العشرين.

من الشخصيات التي كانت تقيم بالفندق، الطيار والكاتب الفرنسي الشهير أنطوان دي سان إكزوبيري Antoine Saint Exupéry (1900 ـ 1944)، المشهور بقصة “Le petit prince». في عام 1918، اختار الرسام الشهير جاك ماجوريل Jacques Majorelle (1886 ـ1962)، قاعة فندق إكسلسيور لتنظيم أول معرض لأعماله المغربية: “الرؤى المغربية الأولى”، الذي يعد أول معرض فردي للوحة الحامل.

إن فندق إكسلسيور فضاء له تاريخ، وما يميزه بالنسبة للثقافة المغربية البصرية، أنه أول مكان احتضن أول معرض جماعي للوحة المسندية Tableau de chevalet، رغم أن المعرض كان مخصصا للرسامين الفرنسيين، وكان بينهم رسام من أصول جزائرية، أقام بالمغرب طويلا هو أزواو ماميري Azouaou Mammeri (1890 ـ 1954).

في زيارة للمعرض:
جمع المعرض بين رسامي المجلة الشهرية France-Maroc، التي تم إنشاؤها عام 1916. منهم من كان مقيما في باريس إلى غاية 1917، السنة التي كانت بداية رحيلهم إلى المغرب، حيث وجه إليهم المقيم العام الدعوة للمساهمة في بناء كيان إدارة المحافظة على التراث والآثار التاريخية المغربية. فالاتجاه الفني الاستشراقي، الذي كان ممثلوه من الفنانين الفرنسيين حاضرين بالمغرب منذ عام 1914، بعد عامين من وضع البلاد تحت إشراف الحماية الفرنسية، لم يكن من أولويات السلطات الاستعمارية في المسائل الفنية، بل إن المقيم العام كان يفضل تشغيل الفنانين واستثمار طاقاتهم الإبداعية في مصلحة الفنون الجميلة والمآثر والآثار التاريخية، التي أنشأها أخيرا. فهو كان متيقنا أن معرفتهم بالفنون الإسلامية لها قيمة إضافية لدراسة الفن والحرف المغربية والحفاظ عليهما. (Théliol)

من بين الرسامين الذين شاركوا في معرض فندق الإكسيلسيور:
ـ موريس ترانشانت دي لونيل Maurice Tranchant de Lunel (1896ـ1944)، رئيس مصلحة الفنون الجميلة والمآثر التاريخية والآثار، الذي يعود له الفضل في إنجاز وبستنة حديقة الأوداية بالرباط خلال عشرينيات القرن الماضي. ساهم في معرض الإكسيلسيور ببعض رسومه المائية.
ـ جوزيف دي لا نزيير Josephe de la Nézière (1873ـ1944) , مارس موهبته الفنية كرسام البورتريه والمناظر الطبيعية، وأنجز عدة ملصقات وطوابع بريدية في فرنسا والشرق الأوسط وإفريقيا كما عمل صحفيا متنقلا في البلدان البعيدة.

(يتبع).

مراجع:

· Khalil M’rabet – Peinture et identité, l’expérience marocaine, Ed. l’Harmattan, Paris 1987
· Souffles, Les peintres protestent – Article signé par Belkahia, Chebaa et Melehi, n° 4, E.M.I, Tanger 1966
· Mylène Théliol – L’association des peintres et sculpteurs du Maroc (1922-1933) in. Rives méditerranéennes 2014, Jeunes chercheurs | 2009. Édition électronique : URL : http://rives.revues.org/3960 · Mylène Thélio – Le regard français sur le patrimoine marocain : conservation, restauration et mise en valeur de l’architecture et de l’urbanisme des quatres villes impériales durant le protectorat (1912-1956),Thèse de doctorat, Université de Bordeaux Montaigne, 2008

· Mohamed Sijilmassi – L’art contemporain au Maroc, ACR Editions, Pris 1989

لا تعليقات

اترك رد