” لعبة ” الانتخابات الرئاسيّة في تونس … شيئا من الجديّة !


 

لقد عجّلت وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي بإجراء الانتخابات الرئاسيّة التي كانت مقررة في نوفمبر المقبل. فقدّمتها لتكون في الخامس عشر من شهر سبتمبر 2019. وقد تصرفت الهيأة المستقلة للانتخابات في تحديد هذا الموعد منذ يوم الدّفن. وتجرى الانتخابات الرئاسيّة في تونس كلّ خمس سنوات وفق شروط حدّدها دستور جانفي 2014 الذي ورد في فصله الفصل 74 ما يلي:

الترشح لمنصب رئيس الجمهورية حق لكل ناخبة أو ناخب تونسي الجنسية منذ الولادة، دينه الإسلام.
يشترط في المترشّح يوم تقديم ترشحه أن يكون بالغا من العمر خمسا وثلاثين سنة على الأقل. وإذا كان حاملا لجنسية غير الجنسية التونسية فإنه يقدم ضمن ملف ترشحه تعهدا بالتخلي عن الجنسية الأخرى عند التصريح بانتخابه رئيسا للجمهورية. تشترط تزكية المترشّح من قبل عدد من أعضاء مجلس نواب الشعب أو رؤساء مجالس الجماعات المحلية المنتخبة أو الناخبين المرسمين حسبما يضبطه القانون الانتخابي.

ويشترط القانون المنظم للترشح لأعلى المراتب في البلاد,إضافة إلى ما نصّ عليه الدستورُ, جمع الراغب في الترشح لعشرة آلاف صوت من الناخبين أو تقديم تزكية من عشرة نواب برلمانيين مع تقديم مبلغ مالي حُدّد بعشرة آلاف دينار ( 3266 دولار أمريكي)ضمانا يودع في الخزينة العامة.

وتم في الأيّام الأولى تقديم مطالب ترشح من قبل سبعة وتسعين مواطنا من بينهم قيادات حزبية كان منتظرا أن تشارك في هذه المنافسة. ونذكر من بينهم عيد الكريم الزبيدي وعبد الفتاح مورو ويوسف الشاهد ومحمد عبو والمهدي جمعة ونبيل القروي وعبير موسي ولطفي المرايحي والمنجي الرحوي. لكنّ السّاحة السياسية التي تعودت في عهد بن علي على مرشّح واحد أو مرشحين أو ثلاثة في بعض الأحيان لم يتجاوز دورهم الديكور الذي يجعل النتائج المعلومة سلفا مقبولة وطنيا ودولياّ, هذه السّاحة قد أصابها إسهال سياسي تمثل في ارتفاع عدد الأحزاب السياسية التي يربو عددها عن 220 حزبا. وبالتوازي اغتنم عدد من المواطنين المغمورين هذه المناسبة وقدّموا ترشحاتهم لرئاسة بلاد كان يرأسها الزعيم الحبيب بورقيبة. فكيف كانت صور هؤلاء المتطفلين على الرئاسة؟وكيف كانت خطاباتهم؟

إنّ أول الصور الصادمة التي حوّلت هذه المناسبة الجليلة ملهاة تدعو إلى الضحك والسخرية من المترشحين والانتخابات جملة صور, عليّة حمدي وقد لبس قميصا يحمل صورة وفوقه لبس جاكيت وقد بدا بلحيته وشاربه الحليق وجلوسه غريبا عن تقاليد السّاحة السياسية التونسية.ومن أطرف ما أعلنه هذا المترشح أنّه قد ساهم ,بفضل خبرته العالمية, في فوز ترامب وهولاند في الانتخابات التي جرت في أمريكا وفرنسا. ويقول السيّد حمدي إنّه” الرجل الخفي الذي كانت الدولة تعمل بعقله منذ نظام بن علي ..”. وأكّد “إنه مرشّح بارز وجميع المواطنين يعرفونه”.ولكنّه لم يعلن عن برنامجه الانتخابي ووعد بأن سيبسطه للمواطنين في القريب العاجل..

أمّا المترشح عمارة سعدلي فقد ظهر في بدلة إفرنجية واضعا قبعة على رأسه وهو يقف في مقرّ الهيأة لالتقاط صورة دون أن ينتبه إلى ضرورة مسح حذائه الذي شوّهه الغبار. وكان برنامح السيّد عمارة سخيا جدّا

ومستجيبا لــ”شواغل التونسيين”. فقد بشّر بسن قوانين تبيح للرجل الزواج بأربع نساء. ووعد بتشغيل 24ألف عاطل عن العمل(24 ألفا فقط)وبلغ بالرئيس المحتمل لتونس أن وعد بتمكين كل مواطن تونسي من منحة ب500دينار. وهو حتما لا يعلم أنّ هذا أمر لا دخل للرئيس فيه البتة.

وبلغت الكوميديا السياسية اليوم مبلغها. فقد أعلن الرسّام الذي راجت صورته إبان جنازة الباجي قائد السبسي وكان حينذاك يحمل كيسه المملوء قوارير بلاستيكية فارغة ويقف محيّيا الجثمان تحية عسكرية , أعلن نيته المشاركة في الانتخابات الرئاسيّة. فقد انتشرت اليوم صورته على المواقع الالكترونية وهو يقدّم ملفّ ترشحه لهذه الانتخابات العجيبة.

هذا إضافة إلى حافظ أمن فصل اليوم من وظيفته بسبب تقديمه طلبا للترشح للرئاسيات دون استشارة وزارته (وزارة الدّاخلية). ولم يشذّ هذا المرشح عن الذين ذكرناهم سابقا فبرنامجه “مميّز جدّا”. ذلك أنّه عازم على إلغاء كل الأحزاب.

فهل كانت هذه الترشحات نتيجة طبيعية لقصور قانونيّ؟ أم هي ألاعيب انتخابية دبّرها بعض الماكرين؟

دعونا نبدأ من حيث انتهى أنيس الجربوعي المسؤول في هيأة الانتخابات المستقلة حيث قال لإحدى الإذاعات:” هي ترشحات غير جدية وقد تكون عملية ممنهجة تستهدف سمعة الانتخابات “. وما على السيّد أنيس الجربوعي إلاّ أن يحدد لنا الأطراف التي تستهدف التبخيس من الانتخابات الرئاسيّة. فهل هي القوى الدينية السلفية؟أم هم “الموالون للنظام السابق” كما يدّعي البعض؟ أم هي قوى أجنبية لا يسعدها نجاح الديمقراطية في تونس؟(وهذا ما تعتقده النهضة التي ترى نفسها سنام الثورة) أم أنّ الهدف أبعد من ذلك بكثير؟

ولكنّ ما فُعِلَ بالمترشح قيس سعيّد من قِبَلِ أمناء كلفهم هو,أو كلّفوا أنفسهم, بجمع التزكيات الضرورية للترشح زاد الطين بلة. فقد باع هؤلاء ما جمعوه من إمضاءات لغير السيّد قيس بعد أن كانوا جمعوها باسمه لتزكيته هو.

إنّ سريالية المشهد الانتخابي في تونس قد تكون لها عواقب وخيمة على مخرجات الانتخابات. فالتونسيون في جملتهم فقدوا الثقة في الطبقة السياسية بسبب ما عاشوه من فساد ومحسوبية وفشل ذريع طيلة السنوات الثمانية السّابقة. ومن سوء الحظّ أن أضيفت إلى ذلك الشعور العام هذه المسرحيات والألاعيب المشبوهة التي لا يبدو أنّها بريئة تماما. فهل تشهد هذه المحطة الانتخابية نكسة في الإقبال على صناديق الاقتراع؟أم أنّ كلّ أولئك الشخوص مجرّد بهلوانات, وكلّ ما حدث ليس غير مشهد في حفل افتتاحيّ؟

لا تعليقات

اترك رد