جماليات التعبير والتأثيث البصري في معرض حوار النيل والفرات

 

تواجدت في حدود الحداثة وأبعادها المفاهيمية والجمالية شراكة ثقافية تواصلية بين الفنان (المنتج) والمتلقي (القارئ) ، بعد ان اشترطت الحداثة أن يمتلك الفنان المعاصر قدرة على الابتكار والاكتشاف والتجديد والتحديث لاجل الابداع ، بينما اشترطت على المتلقي بأن يكون لديه القابلية على انتاج المعنى من خلال استرداده للمعنى لحظة فعل التلقي ..؛ اذا ما اعتبرنا ان الابداع في الفنون والآداب والمعارف الأخرى بشكل عام وفي التشكيل بشكل خاص ، يمثل الكشف عما هو غائب وغير معلن من الاشكال و الاتيان بالجديد شكلاً ومضموناً من قبل الفنان الممتلئ بالخبرة والمعرفة والمشاهدات التي تساعده على بلوغ احدى مستويات الجمال .

وبالتالي يلعب جمهور التلقي دوراً اساسياً في العملية الابداعية عندما يجتهد في البحث عن المعاني الاصيلة في الاسطورة او في الحكاية الشعبية والتي تكون محايثة للنص الفني الجديد في لحظة الاشتباك (التلقي) فيتفجر المعنى بطاقاته المعرفية فتتعدد قراءاته فتحصل عملية استرداد المعنى . بمعنى ان قراءة الجمهور الواعي على وجه الخصوص تأتي بمثابة قراءة خاصة بالحداثة ، تكون متعددة الرؤى والاتجاهات سواء كان متجانساً مع قصدية الفنان أو يخالفها والتي تجعل من المتلقي منتجاً ومفكراً ومبدعاً ولاعباً أساسياً في صياغة المشهد البصري وقيمته الجمالية والمعرفية والتواصلية .. فالمعنى – من وجهة نظر شتراوس – بمثابة نزعة تشاكلية بين القوانين العقلية والسوسيولوجية وبين العمليات الوراثية والطبيعية والتكنلوجية .

ان الفنان المعاصر والعربي على وجه الخصوص ، حاول توظيف أساطيره وحكاياته الشعبية (الفلكلورية) في الفن ، لاجل اعادة اكتشاف الانسان من جديد من خلال دراسة مرجعياته الحضارية والاسلامية وتجاربه الحياتية و حالاته الوجدانية وتطبيقاتها في نتاجات الفن بعيداً عن اعادة سردها او تكرارها وقريباً من استرداد المعاني الاصيلة سواء أكان الاسترداد جزئي أو كلي كما هو حاصل في تجارب التشكيل العربي المعاصر بشكل عام وفي التجارب النحتية المعاصرة المشاركة في معرض (حوار النيل والفرات 2018) بشكل خاص والذي يقام حالياً في أروقة قاعة الاورفلي للفنون التشكيلية في عمّان ؛ اذا اشترك فيه خمسة تشكيليين معاصرين منهم من العراق (معتصم الكبيسي ، نشأت الآلوسي ، أنس الآلوسي) ومن مصر (محمد الفيومي ، أحمد عبدالتواب) والذي تمحور – المعرض- حول موضوعة الجسد ودلالاته الانثروبولوجية والسايكولوجية المتجذرة بحضارتي العراق ومصر القديمتين والمتمفصلة باللاوعي الجمعي باتجاه الباطن (الاعماق) فيصبح المعرض بمثابة سياحة فكرية وثقافية في فضاءات الحضارة والتي تمنح المتلقي شراكة مع الفنان في انتاج المعنى .

معتصم الكبيسي : الجسد وتداعياته الكولونيالية
اعتمدت تجربة النحات العراقي معتصم الكبيسي على منظومة الجسد فانتجت العديد من المعاني والدلالات الرمزية ذات الطابع الثقافي ، أسهمت في إقامة مقاربات جمالية للرمز مع الواقع المعاصر عندما اتخذ الفنان من محنة الانسان في زمن الحروب والاحتلالات المتكررة على البلاد موضوعة رئيسة في فنه وما تخلفه من حالات القتل والتهجير والتفخيخ والتشويه وعسكرة الانسان وممارسة الظلم عليه . فقد منح الفنان الكبيسي الضخامة والبدانة والامتساخ لاغلب أجساده كدلالة على المعنى المستعاد لفكرة الظلام وعسكرة الانسان ثقافياً واجتماعياً وبأبعاد سياسية فضلاً عن استعانته بأدوات السخرية من الواقع ، ليلفت انتباه الآخر على قباحة

عمل رجل الدولة وسياسته الفوضوية التي أسمهمت في صناعة الموت لكل مرافق الحياة في البلاد (العراق) وماخلفته تلك الحروب وتداعياتها الكولونيالية المحتفية بالتهميش وتغييب الهوية وتشويه اللغة واستبدالها بلغة المستعمر وأوثانه الهزيلة ، ليصبح جسد القانون رمزاً للظلم والظلام في الزمن المعاصر .

فالكبيسي ومن خلال تجربته (طبول الحرب) المقدمة في هذا المعرض يقدم قضيته الانسانية بشكل واضح لتصبح نتاجاته بمثابة وثيقة احتجاج على ما يحدث على الساحة العراقية والاقليمية والعربية على حدٍ سواء .

نشأت الآلوسي: الجسد ودلالاته الايمائية
أكد الفنان العراقي نشأت الآلوسي في منحوتاته المشاركة في المعرض على موضوعة الجسد الانثوي المنتفض على الواقع الافتراضي ضمن حالاته السايكولوجية ، فيمنحنا صوراً رمزية في الحب والتضحية والفداء والموت والحياة ومايحويه المشهد العراقي من محن بفعل الاحتلال فتتوالد معانٍ متنوعة ومتفاعلة لابراز فكرة العطاء . فقد جاءت موضوعة الجسد بمثابة ايقونة رمزية متجذرة في أساطير سومر وبابل القديمتين ، تساعد المتلقي على استصحاب منظومة من الاساطير والحكايات القديمة ، لحظة مشاكسة النص البصري والتي تتناسب طردياً مع التراكم المعرفي والبصري لدى المتلقي ، فتصير الدلالة الرمزية حاضرة في ذهن التلقي .فقد اهتم الفنان نشأت الاوسي بالدلالات الرمزية لاشكاله النحتية المنتجة بفعل آليات التعبير وفي حدود المجال الشعري .

انس الاولوسي : أنسنة المرئي في الخطاب البصري
اعتمد النحات العراقي أنس الآلوسي على طاقات التأمل بجانب انتهاجه آليات التعبير واشتغالات التعبيرية والتي أنسنت عوالم المرئيات (الكائنات الحية ، الجماد ، النبات ، الحيوان ..) والعالم المحيط بها ، فالفنان الالوسي يقوم على تاثيث تكويناته وفقاً للنزعة الانسانية ذات الاصول الرافدينية المتجذرة بالرمز لصالح المثالي؛ بوصف ان الموضوعات الاجتماعية والمتمثلة بجملة من الاحداث اليومية الحاضرة في اطارها الحكائي الزمني كانت من أهم القضايا التي تناولها الفنان الالوسي وزملائه لما تحملها الحياة المعاصرة في مدن العراق من دمار شامل يُثقل كاهل أي انسان متعايش معها بكل تفاصيلها ، مما ادى بالاوسي بالهجرة الى الخارج بحثاً عن السلام .. فقد توسمت تجربته الفنية بخطاب سردي وبنية تكوينية صلبة ومتماسكة وبأشكال مفرغة معبرة عن معاني الخلاص والسلام والخير والجمال لتناهض صور القبح والعنف والقتل التي صُنعت في المؤسسات الكولونيالية الجديدة والتي احتلت المدن وهيمنت على جسد الثقافة وصيرته ثقافة موت .

محمد الفيومي : مرموزات وحكايات شعبية
تحتفي تجربة الفنان المصري محمد الفيومي بالجسد ثقافياً واجتماعياً وبأشكال تعبيرية يستلهم مفرداته التشكيلية من موروثه الاسلامي والفلكلوري المصري وحكايا مصرية متوالدة في أزقة وحارات تاريخية من مدينته السرمدية (الفيوم) التي يحتضنها الريف المكون من عدة قرى متجاورة ومتداخلة . اهتم الفيومي بعمليات التضخيم والتبسيط في تشكيل تكويناته الجسدية البدينة التي تخفي تفاصيل وملامح شخوصه (رجل وامرأة) وعناصر مدينته الريفية (اشجار ، طيور ، أسمالك ، حيوانات…) فتختفي الحركة من منحوتاته لصالح السكون والتأمل والتبصر بما هو قادم بالرغم من صمتها وهدوئها ظاهرياً لما تتمتع بها المرأة في الريف وحتى في المدينة بالحكمة والسلطة في آن واحد لتتوحد مع اجساده الانثوية الجالسة المتوالدة والمتواجدة في اغلب منحوتاته كما في عمله الرائع (منحوتة كيداهم) الذي يمثل نسيج الحكاية الشعبية الممتعة المتجذرة في التاريخ .

وبالتالي يؤكد الفيومي على وجوب مسرحة شخوصه (الاجساد) وأسطرتها ضمن فضاءات رحبة ، على وفق البنى الحكائية المكونة للمشهد البصري وما يبثه من دلالات ورموز حضارية متجذرة في التاريخ الحضاري القديم ومتمفصلة بالواقع العياني ، تسهم في استرجاع المعاني الجوهرية لحظة التلقي .

احمد عبدالتواب: هندسة الشكل
اهتم الفنان المصري أحمد عبدالتواب في اغلب مشاهده النحتية بان يجعل لها جذراً تاريخياً وحضارياً ذي طابع مثالي فيقوم بتفكيك الواقعي الطبيعي ويعيد صياغته للوصول الى الشكل ؛ كونه يعتمد هندسة الجسد الانثوي والاشكال الطبيعية المرئية ، من خلال تبسيط وتجريد التفاصيل من خواصها الجزئية ،لترحيلها من صيغتها الواقعية الى التعبيرية والرمزية ، فتسهم هذه الترحيلات واعادة الصياغات الى جعل المتلقي يستعين بتطبيقات التأويل ليسترجع المعاني الاصيلة عند الاشتباك مع النص البصري فيستحضرها لحظة فعل الفهم والتحليل …

اذا ما اعتبرنا ان التأويل جزءاً لا يتجزأ من عملية الفهم المعتمدة على الذاكرة البكرية ليصبح الفهم بمثابة حضور صريحا للحكاية المتأصلة بالجذور .

بمثابة خاتمة :
انتقل الفن المعاصر بكل تشكيلاته البصرية وفي معرض حوار النيل والفرات على وجه الخصوص من دائرة النخبة الى دائرة الجمهور المتعدد بفعل تعدد تقنيات الاتصال فتمظهرت تجارب النحاتين الخمسة على الساحة التشكيلية العربية بصور متنوعة تناهض تداعيات الكولونيالية فتنتج رؤى وقيم جمالية ذات طابع ثقافي وبمنظور فني بانورامي ، يستعرض فيه حالات الجسد وابعاده المفاهيمية المتمردة على الواقع الافتراضي الزائف ، على وفق ممارساتها الايمائية (الحزن والفرح والكآبة والمتعة والهذيان والجنون والخوف والسخرية والصبر ….) التي تصنع الحوار .

المقال السابقدمك المتورط بالشعر
المقال التالىهل أعلنت شرارة المواجهة ؟!
الاستاذ الدكتور شوقي الموسوي Prof.Dr.Shawqi Al.Musawi Babel University / College of Fine Arts - شوقي مصطفى علي الموسوي - تولد العراق /1970 - حاصل على شهادة البكالوريوس في الفنون التشكيلية / كلية الفنونالجميلة بجامعة بابل / 1992 - حاصل على شهادة الماجستير في الفنون تشكيلية ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد