فلنرَ اللهَ بعيداً عن الخوف منه


 

“أنا لا أخاف الله لأنّي أحبّه. إنّ المحبّة تطرد الخوف” (القدّيس أنطونيوس الكبير)
من الموروثات الّتي تسرّبت إلى الإنسان بشكل عام، فكرة الخوف من الله حتّى أصبحت سلوكاً مرتبطاً بميكانيسم التّفكير الإنسانيّ، بل أصبحت متجذّرة في نفسه حتّى التبس عليه مفهوم العبادة لله. البعض يشرح أنّ الخوف من الله يمثّل الخوف من الحساب فيرتدع الإنسان عن إيذاء أخيه الإنسان. والبعض الآخر صُوِّر له أنّ الله كائن يراقب سلوك النّاس بدقّة ويترصّد لكلّ واحد منهم حتّى يعاقبه أشدّ عقاب. وبعض آخر يقول إنّ الخوف من الله ليس خوفاً بمعنى الجبانة أو التّوجّس، وإنّما بمعنى الرّهبة والإجلال واحترام العدالة الإلهيّة.
أيّاً كان المعنى، وأيّاً كان الشّرح تبقى كلمة الخوف هي المحور الّتي تدور حوله أغلب العبادات. وأيّاً كانت الاجتهادات في تفسير الخوف من الله، فهي في جميع الأحوال تخلق هوّة عظيمة بين الله والإنسان. نستدلّ عليها من السّلوك الإنسانيّ إن على مستوى سلوكه الفكريّ أو الرّوحيّ. فمتى تحقّق الخوف عطّل القدرات الإنسانيّة ودفع بالإنسان للتّقوقع والانغلاق على نفسه، ظنّاً منه أنّه بهذا الانغلاق يحمي نفسه من شرٍّ ما. وكلّما تقوقع وانعزل انحصر تفكيره في كيفيّة حماية ذاته، وتقيّدت قدراته الّتي إذا ما استثمرها حقّق صورة الله. ففي الإنسان جانب إلهيّ يعكس المواهب الإلهيّة الّتي منحها الله للإنسان. والخوف بشتّى معانيه يقيّد هذه القدرات بل يعطّلها. وإذا كان التّصوّر عن الله، الّذي غذّاه الفكر الدّينيّ، يدعو إلى الخوف من الله الجبّار، المتعالي، المنتقم، الغضوب… فلأنّ الإنسان اكتفى بشكل عام بالتّجربة الدّينيّة لا بالاختبار الإيمانيّ. فالتّجربة الدّينيّة محورها العبادة وتطبيق الشّرائع وحسب. وأمّا الإيمان، كما سبق وذكرت في مقالات عديدة، هو اختبار العلاقة الحميميّة مع الله الحبيب والصّديق. هذا الاختبار يقود الإنسان إلى الانفتاح على النّور الإلهيّ على عكس التّقوقع والانعزال. وكلّما انفتح على النّور اقترب من الفكر الإلهيّ الّذي سيغيّر منهج الإنسان الفكريّ. ومن هنا الحديث عن استنارة العقل. فالعقل المقيّد بأغلال الخوف لا يمكنه أن يبدع ويحلّق ويعاين الجمال. وحده العقل المتحرّر يمكنه التّحليق والتّأمّل في التّفاصيل. أمّا العقل الخائف فيستدعي القلق والاضطراب والكره لكلّ ما هو حضاريّ؛ لأنّه يتصوّر أنّ الحضارة تؤثّر سلباً على عباداته. ولقد تبيّن تاريخيّاً أنّ أيّة جماعة متشدّدة، وأيّاً كان انتماؤها العقائديّ، ساهمت في هدم الجمال بحجّة تحقيق الحقّ الإلهيّ. بينما في المقابل، كلّ المستنيرين الّذي اختبروا العلاقة مع الله، وتحسّسوا نوره بحثوا عن الجمال في كلّ شيء.
يقول القدّيس يوحنّا سابا: “إن كانت الطّبيعة هي كتاب يسجّل أعمال الله ويكشف جماله فلنطوِ هذا الكتاب بعد قراءته لئلّا يشغلنا الكتاب عن هدفه. لنتلمّس من خلال الطّبيعة لمسات جمال الله وحلاوته ولتدخل أنفسنا إلى شركة عميقة في نقاوة قلب تعاين بنفسها جماله”، إذاً فهدف الإنسان البحث عن الجمال الإلهيّ والتّأمّل والانغماس فيه بقلب نقيّ يعاين الله (طوبى لأنقياء القلوب لأنّهم يعاينون الله/ متى 8:5) فأنّى لقلب خائف متوجّس أن يعاين الجمال؟ القلب الخائف أسير القبح وليس باستطاعته أن يندهش بالجمال، لأنّه منشغل بالتّفاصيل المادّيّة وبتطبيق الشّريعة بحذافيرها خوفاً من نار جهنّم، وليس محبّة لله. فالخوف والحبّ لا يستويان، ولا يقيم الخوف مع الحبّ. الحبّ يسعى إلى الحبّ الإلهيّ بدافع الحبّ وبهدف الحبّ، وما يلبث أن يذوب في الله. وأمّا الخوف فيزيد من الابتعاد عن الله؛ لأنّ التّمسّك بالحرف لا يتيح له النّظر إلى فوق. وبقدر ما يبتعد عن الجمال الإلهيّ ينغمس في الكره والحقد والعنصريّة والإدانة.
والخوف مقبرة العقل وموت المنطق واندفاع نحو قبول تصوّرات تميل إلى الخرافة وتصوّر الإله بحسب الرّؤية الإنسانيّة بما تحمل من تناقضات وتعقيدات. فالإنسان يخاف من غضب الله لأنّه، أي الإنسان، يغضب. ويخاف من انتقام الله، لأنّ الإنسان يثأر وينتقم، ويخاف من بطش الله، لأنّه يبطش ويفتك بأخيه الإنسان. إلّا أنّه من العسير على الإنسان أن يفهم معنى الحبّ الإلهيّ ما لم يختبره، لأنّ الإنسان لا يعرف كيفيّة الحبّ، بدليل ما نراه من حولنا من سلوكيّات عاطفيّة قد تكون نتائجها سلبيّة. لو أنّ الإنسان يعي جوهر الحبّ لتبدّلت أحواله وتغيّر سلوكه وتفتّح عقله. الإنسان يفهم الحبّ كعاطفة قد تكون سبب حاجة عاطفيّة، أو نقص عاطفيّ. وقد يحبّ الله فيقتل المختلف عنه، وقد يحبّ الله فيحارب ويدمّر ويبطش ليحقّق الحقّ. بيد أنّ الحبّ الإلهيّ لا يترادف وهذه الوحشيّة ولا يستدعي قبح الإنسان. الخوف مقبرة الإيمان وإحياء للحالة الهمجيّة الأولى، فتتحرّك النّزعة إلى القتل، والفتك. وأمّا الحبّ فأبديّة الجمال وذوبان في تفاصيل البهاء الإلهيّ. وأنّى لناظرٍ إلى الجمال الأعلى ألّا يتحرّر من التّرابيّة ويمتزج بالجمال، وأنّى لعاشق أن يخاف من معشوقه بل إنّه كلّما ذاق جماله توهّج اشتياقه إلى مزيد من الجمال حتّى يفنى فيه.
الحبّ يطرد الخوف، لأنّ الحبّ حرّيّة كاملة. وحيث يتجلّى الحبّ الإلهي يندثر كلّ خوف ويستنير العقل ويبتهج القلب لأنّ الله حبّ، بل الحبّ هو الله.

لا تعليقات

اترك رد