الوعي الطائفي أيديولوجيا


 

في الحقيقة غالبا ما نقع على خطب جميلة صداحة في الهجوم على الطائفية والتعصب الطائفي أو أي شكل آخر من أشكال التعصب العرقي أو الطائفي أو الإثني أو المذهبي. وفي هذا السياق يعتقد كثير من الكتاب والمفكرين أن الهجوم الأدبي على الطائفية والتعصب الطائفي ورفضه وصب اللعنة عليه يمكنه أن يشكل منطلقا لاستئصال هذا الداء المقيت الذي يستشري في عروقنا وفي خلايا وجودنا الإنساني، وقد يبدو لنا أن وظيفة المثقفين تكمن في التأثير على عقول الجماهير تأثيرا أدبيا وأخلاقيا يضعهم خارج مسارات الطائفية وبعيدا عن مدارات التعصب الطائفي. وعند هذا الحد تنتهي مهمة المثقفين والمفكرين، إذ يكفيهم مهاجمة الطائفية والعصبيات التي تحتكم إليها عبر مقولاتهم المنمقة وخطاباتهم الرصينة ضد الطائفية والعصبية المذهبية. وقد لاحظنا بأن أغلب الكتابات غالبا ما تدور في هذا الفلك الأدبي من الهجوم على الطائفية.

وهنا يترتب علينا أن نقول بأن الخطب والكلمات على أهميتها ليست علاجا للطائفية وأن الهجوم الأدبي على الطائفية والتعصب الطائفي لا يجدي نفعا، لأن الطائفية نتاج لجملة من الأوضاع الاجتماعية وهي ليست روحا تنمو في ممارساتنا وعقولنا كالفطر البري. فالطائفية ترتد إلى عوامل مجتمعية متنوعة وعميقة الجذور في مجتمعاتنا وخير لنا أن نرصد العوامل الأساسية التي تكرس الظاهرة الطائفية في مجتمعاتنا بدلا من صب اللعنة عليها، كما أنه من الأفضل لنا اليوم أن نبحث في المسألة الطائفية من منظور واقعي موضوعي وليس من أبراج مثالية عاجية لا تضر ولا تنفع. وعلى أساس هذا المنهج يجب علينا أن نبحث عن العناصر الأساسية الاجتماعية والسياسية التي تؤصل للظاهرة الطائفية في مجتمعاتنا التي تكرس الطائفية في الوعي والممارسة والسلوك الاجتماعي والسياسي.

أعود للقول من جديد أن الخطب الصماء والسب والشتم واللعن على الطائفية لا يجدي نفعا ولا يثمر في القضاء على صرصر الطائفية وصريرها، فالقضاء على الطائفية يحتاج إلى جهود إنسانية تربوية ومجتمعية كبيرة أبرزها تحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع، وبناء مجتمع ديمقراطي حرّ، تتكافأ فيه الحقوق والفرص والواجبات بين جميع أفراد المجتمع. فالطائفية ليست مرضا بذاته بل هي نتاج لوضع
اجتماعي غُيبت فيه كل القيم الديمقراطية، وكل الأشكال المدنية لأنظمة سياسية تقوم على قيم العدالة والمساواة والمواطنة.

ويترتب علينا في هذا السياق التمييز بين الطائفبة والطائفة ، فعلى خلاق الطائفية كصيغة تعصب تأخذ الطائفة صورة بنية اجتماعية، أو صورة أولية لتنظيم اجتماعي أولي بدائي (عرقي دموي أو مذهبي ديني) له ما يبرره موضوعيا فالطائفة ضمن شروط تاريخية معينة قد تمارس دورا سياسيا في حماية أفرادها وإيجاد نوع من التنظيم الاجتماعي بين مكونات وجودها الاجتماعي.

ويجب علينا دائما أن نميز بين حقيقتين في الوعي الطائفي بين حقيقة موضوعية تتمثل في أسبابها التاريخية الاقتصادية والمجتمعية ، وبين حقيقة ذاتية تتمثل في درجة الوعي في هذه الحقيقة التي قد تكون زائفة ومتناقضة مع الحقيقة الأولى.

ففي المستوى الأول من الوعي – ونقصد به الوعي العقلاني الموضوعي بالحقيقة الطائفية – يٌنظر إلى الطائفة بوصفها تكوينا اجتماعيا كسائر التكوينات في المجتمع له ما لها وعليه ما عليها وهو رهن الوقائع والحيثيات الموضوعية والتاريخية في المجتمع، وبالتالي فإن التعصب الطائفي في هذا يكون غائبا على نحو كلي. فمثل هذا الوعي لا يترتب عليه أي مواقف سيكولوجية تعصبية أو اي نمط من الاتجاهات العاطفية والوجدانية التي تملي على الفرد سلوكا طائفيا. وهذا يعني أن الشخص الذي يمتلك وعيا موضوعيا بحقيقة الطائفة والطائفية لا يمكنه أن يتأثر بمعطياتها أو أن يكون ضحية للمشاعر والاتجاهات والسلوكات التي تقوم على أساس طائفي. ومثل هذا الخطاب يمكنه أن يحدد لنا الكيفيات التي يمكننا أن نؤثر بها في إزاحة الفكر الطائفي والتأثير في عوامل وجوده.

أما الوعي الذاتاني التعصبي للحقيقة الطائفية فيتمثل في نسق من التحيزات التعصبية الساذجة التي تملي على الفرد نمطا من السلوك العدائي تجاه أبناء الطوائف الأخرى. وهذا الوعي مبني على نسق من المطلقات والأحكام الذاتية السلبية ضد الآخر من أبناء الطوائف الأخرى. فالطائفية بالمعنى الذاتي التعصبي تعني التعصب لطائفة ما والتعبير عن مصالحها والتفاني في خدمتها وتقديم مآربها على ما غيرها من الطوائف. وهذه الصورة من الوعي مضادة ومباينة للوعي الموضوعي الذي يعتمد منهجا نقديا موضوعيا في فهم المعطيات والصيرورات والوظائف التاريخية المشكلة للطائفية وللتعصب الطائفي. وبالمقارنة بين الوعيين يمكن القول بأن الوعي الذاتي يأخذ صورة ممسوخة مشوهة عن الواقع، بينما يأخذ الوعي الموضوعي صورة وعي يتطابق مع الواقع بمعطياته المجتمعية وأسبابه الموضوعية.

ومن سمات الوعي الموضوعي أنه يحتوي الوعي الذاتي ويدرك أبعاد قصوره وغرائزيته وهو يدفع إلى التفهم والتسامح بينما يدفع الوعي الذاتي إلى التعصب والكراهية.

ومن المؤسف أن جلّ الوعي السائد في مجتمعاتنا حول الطائفة والطائفية وعي ذاتي غرائزي ينطلق من المبادئ الشمولية، ويركن إلى أحكام كلية تفتقر إلى أدنى مستويات العقلانية والموضوعية. إنه وعي طائفي بامتياز ونعني به هذا الشكل من الوعي الذي يضع الآخر الطائفي في مربعات الإدانة والاتهام والتبخيس المطلق.

وفي هذا المستوى تكمن المهمة العضوية والتاريخية للمفكرين في ترسيخ هذا النوع من الوعي الموضوعي بالطائفة والطائفية على حساب الوعي الذاتي القائم على المطلقات الحسية الغريزية المعادية للآخر والمادية بإزاحته.

فالانتماء للطائفة لا يتناقض مع المشاعر الإيجابية للفرد تجاه الطائفة وهذا يوازي الانتماء إلى المكان والجماعة والقوم والعصبة والحزب السياسي، ومن هذا المنطلق فإن حب الطائفة دون تعصب والذود عن مصالحها ورفع الظلم عنها ومن ثم رفض الظلم الذي يقع منها على الآخر أمر محمود ومطلوب في مجتمع طائفي استبدادي. أي ذو بنية طائفية كما حال بلادنا اليوم. أما الطائفية المذمومة فتعني التعصب الأعمى للطائفة وإعلاء مصالحها على مصالح الآخرين والانتصار لها ظالمة ومظلومة.

التوظيف السياسي الأيديولوجي للطائفية:
وعندما نتأمل في المعنى المزدوج لمفهوم الطائفية يحق لنا أن نتساءل عن مدى طائفية الأنظمة السياسية القائمة اليوم في ضوء الوعي المحمود أو المذموم . أستطيع أن أقول أن الأنظمة السياسية السائدة ليست طائفية وفقا لأي من المعنيين بل هي أنظمة توظف الطائفية وتستقطب قوتها في مواجهة خصومها من أجل السيطرة والهيمنة . وهذا يعني أن أنظمتنا السياسية أنظمة اقطاعية في جوهرها تأخذ بمصالحها السيادية التي تتمثل في الهيمنة والسيطرة ، فالنظام يبحث عن أي شكل من أشكال الولاء من أي طائفة كانت مهما يكن أمرها ، وهي بالطبع تتحرك في دائرة التناقضات الطائفية بحثا عن القوة والولاء.

يؤخذ على الخطاب السياسي السوري المعاصر الذي يتناول الوضع الطائفي في سوريا استخدامه المكثف لعبارة “النظام الطائفي في سوريا أو في العراق أو في لبنان “. … وهذا التعبير يفتقر في حقيقة الأمر إلى كثير من الدقة والموضوعية فالنظام السياسي ليس طائفيا ولا يمكن أن يكون بالمعنى الدقيق للكلمة، ذلك لأن مفهوم الطائفية يحمل دلالات كثيرة غير هذه التي توظف غالبا في الخطاب السياسي المعاصر. فالأنظمة السياسية، تحيي الغرائز الطائفية وتتحرك على وتر التناقضات فتكسب ولاء هذه الطائفة أو تلك عن طريق خطاب أيديولوجي خفي صامت وتكسب ولاء الطوائف الأخرى عن طريق خطاب آخر موازي ولكنه يفعل فعل الأول في استقطاب الطوائف الأخرى والهيمنة على إرادتها . وهي في هذا أو ذاك لا تؤمن إلا بطائفة واحدة هي طائفة الولاء للنظام السياسي مهما يكن الانتماء الطائفي ومهما تغاير وتعدد وتلون . لقد عملت الأنظمة السياسية في بعض البلدان العربية على ركوب الموجة الطائفية بالمعنى السياسي، ومن البداهة أن القائمين على هذه الأنظمة لا

ينتسبون لأي طائفة في جوهر أمرهم ، فهم يمتلكون وعيا موضعيا بالطائفية وليس وعيا غرائزيا . ولذا فإنهم يعملون على تحويل الطائفة إلى طائفية ويجعلون منها مطية وأداة وضيعة وضعية طيعة في سبيل ترسيخ نظامهم السياسي الاقطاعي العسكري. وهم على هذا النحو يبنون أمجادهم السلطوية على أشلاء مواطنيهم من أبناء الطوائف سواء أكانت طائفة الحاكم أم طوائف المحكوم . فهم يحولون من حيث المبدأ أبناء الطوائف جميعها ضمن تناقضات الوعي الطائفي وملابساته إلى جيوش ، بل إلى جند وحراس لنظامهم السياسي، فيفتحون لهم ابواب التطوع في الجيش وأجهزة الأمن على مصاريعها ويشجعونهم على الانتظام في وحدات عسكرية ومؤسسات أمنية غايتها المحافظة على النظام السياسي القائم وحراسة الأمجاد الشخصية للحاكم.

ومن الواضح تماما أنه هؤلاء الحكام يوظفون أشد الأدوات السيكولوجية والإيديولوجية فتكا في الإنسان لغسل أدمغة مواطنيهم وتصفية عقولهم وتطبيعهم على الرضوخ لإرادة الحاكم والإذعان لمشيئته، فيوظفون كل القوى المعرفية والسيكولوجية والإعلامية لتحويل مناصريهم الطائفيين إلى عبيد تمت برمجتهم على الخضوع المطلق من أجل تحويلهم إلى مجرد أدوات عسكرية للأنظمة السياسية القائمة واستعبادهم في خدمة المجد الزائف للحاكم وأطماعه الجنونية.

وغالبا ما يلجأ الحكام الطغاة إلى تدمير كل مظاهر الحياة الفكرية والثقافية لأبناء الطائفة التي ينتمون إليها لتدمير البنى والتكوينات الفكرية النقدية في بنية الوعي داخل الطائفة وتفريغها من مختلف قدراتها وكفاءاتها الفكرية والسياسية ، وذلك من أجل السيطرة المطلقة على إرادتها، والإمعان فتكا في أبناءها، ومن ثم تحويل الطائفة إلى جثة هامدة فكريا وثقافيا وأخلاقيا ،أي : طائفة جسد هامد بلا رأس بعد أن تم القضاء على مفكريها ومثقفيها وساساتها حتى لم يبق فيها ضرع ثقافي أو زرع فكري، فيتم تكديس أبناء الطائفة كجند أذلاء في خدمة الحاكم الذي يرمي بهم أكواما في العشوائيات المترامية في أطراف المدن بلا كرامة أو قيمة إنسانية بعد أن قطع دابر اتصالهم بأريافهم وقراهم التي عرفوا فيها بعضا من كرامة الوجود وعزّ الحياة.

والحق يقال أن هؤلاء الحكام هم العدو الأكبر للطائفة التي ينتمون إليها أولا قبل الطوائف الأخرى. لأن تحويل أبناء الطائفة إلى حراس مخدوعين بزيف المقولات الأيديولوجية للنظام حالة مريعة من حالات الاستلاب والاغتراب التي تتميز بطابع العمق والشمول، حيث يفقد أبناء الطائفة قيمتهم الإنسانية ويتحولون إلى أدوات طيعة بيد حاكم مستبد لا يرحم. ونعود للقول بأن الأنظمة السياسية ليست طائفية في جوهرها بل هي أنظمة توظف الطائفية خير توظيف على نحو أيديولوجي في خدمة مصالحها ومآربها من أجل السيطرة الشاملة على مقدرات الوطن واستلاب خيراته وإمكانياته.

لا تعليقات

اترك رد