صراع البيئة والتحضر في لغة السينما – الجزء الثالث

 

الطباع والجفاء والتوحش إنما هو ينظر أليهم من عين الحضر والتحضر وليس عن قرب ومع ذلك قال عنهم أنهم أحسن حالاً فألوانهم أصفى وأشكالهم أتم واحسن وأخلاقهم أبعد عن الانحراف وأذهانهم أثقب في المعارف والادراكات. . فهم أقرب الى الفطرة الأولى) وهذا معناه بأن المجتمعات الفطرية مجتمعات لم تتلوث بملوثات الحضارة وعالمها عالم نقي متوازن مثل عالم حي بن يقضان أو طرزان الشخصية التي ذابت في بيئتها وأصبحت جزءاً منها .
يقول أبن خلدون كلمته الشهيرة (أن الحضارة مفسدة للعمران) ولا يسلم من انانيته ومصالحه الخاصة حتى الهواء والماء والشجر والتراب والحيوان حيث سطوته وجبروته وخوفه يهيمن على الطبيعة ويسخرها من أجل بقاءه أو يمارس قتلها وإعدامها أن اقتضت الضرورة .
وهو على نقيض من درسو اللصيق بالطبيعة جاهل بالطبيعة لا يعرفها ولا يفهم سلوكها ولا يستسيغ نظامها ويعمل جاهداً على السيطرة عليها بشكل تعسفي . . ويمارس بشتى أنواع التعسف الهيمنة عليها وتهجينها وترويضها وإضعافها .

وهناك حقيقة خرجنا بها أن الحضارة هي التي دمرت البيئة الخام والمتمثلة بدرسوا فعندما دعاه للعيش في داره بعد أن أصبح بصره ضعيفاً لم يستطع درسوا أن يذوب في مجتمعه الجديد فقد ضاقت به الأرض وأصبح يعيش بين جدران صماء لا حياة فيها أنها بيئة من صنع الإنسان بيئة أنانية خلقت للاستحواذ على المكان والزمان بيئة مفتعلة صماء كل شيء فيها مصنوع ميت لا يتنفس لقد انتزع درسوا من حضن الطبيعة ليلقى في منزل كتم عليه أنفاسه بعد أن كانت مملكته تمتد من الأفق الى الأفق مفعماً بهواء يعطر أنفاسه ونسمات وأصوات الغابة من كل حدب وصوب وشمس تلوح وجناته ضاقت السبل بدرسوا فطلب من الكابتن أن يعيده الى الغابة ليموت هناك بدل أن يتعفن في هذا البيت الذي يبدو قبراً كبيراً له. كان درسوا ذو المرجعيات الطبيعية كالماء والزيت مع الكشاف وبيئته المصنوعة لا يمكن أن ينسجما أو يتوافقا أو يتعاشقا فكل أدوات الحضارة المادية والمعنوية غريبة عن درسوا فأصبح غريباً في بيئته الجديدة لا يعرف كيف يتعامل معها .

ومحاولة نقل درسوا الى بيته وهو حاضنه التحضر التي من المفترض أن تجري فيها عملية التحضر لهذا المخلوق الفطري وهذا الانتقال هو يراد به التحول من الخشونة الى الترف ومن مجتمع القحط والحرمان والقساوة ومن مجتمع متضامن متكاتف الى مجتمع الفردانية ذات الطابع البرجوازي الذي يرنو وينزع نحو المال والجاه أي انتقال من المصالح المشتركة الى النزعة الفردانية كما عبر عنها دكتور المختار الهراس.. ولكن هذه العملية بحد ذاتها تتطلب مراحل معقدة وزمن طويل . وفي النهاية رفض درسوا واقعه الجديد فيلفظه خارج أسوار البيت نحو الغابة الوسيعة والاحراش المترامية والاطراف والتي تستوعب حياته وحلمه.

وليس انتقال درسوا الى المدينة الى بيت الكشاف فقط يعد تصادم حضاري قاسي أنما وجود الكشاف داخل الغابة هو أيضاً تصادم حضاري بين التحضر والبداوة حيث اختلاف هائل بطرق الكسب والمعيشة والطباع والسلوك كذلك مؤثرات المناخ والجدب والخصب والتفنن في العيش والبذخ والترف.

لقد أعتقد يوري سولومين بنقل درسوا وزولا من الغابة الى بيته هو نقلة نوعية من الحياة البدوية الى الحياة المدنية وهي تطور حتمي لا بد أن يحصل مع أن هذا النقلة هي تطور سلبي وليس إيجابي لأن التغيير هنا كان تغيراً قسرياً حاداً وفجائياً ومن يقول أن العودة الى رحم الطبيعة هو تخلف!؟ أنه تغير في نمط العيش وبالتالي السلوك فهو لم يقم بتنمية الشروط المحققة لهذا التطور الذي يحمي الفرد والملكية الفردية .
أن درسو أوزولا كأي فطري لا يستطيع أن يحكم ولا يحكم أنه نمط من عشق الحرية الفردية التي لا حدود لها فعملية تدجينه من قبل يوري سولومين هي عملية تغير قسري لبناء وتركيب شخصية درسوا بكل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيولوجية والسلوكية.. ولذلك كاد أن يموت وسط جدران الحضارة.

هنا بقدر ما أن الفكرة ذات ملمح حضاري ولكنه دكتاتوري عدواني أنه نوع من العزل والسجن والحبس والتدجين لكائن يرفض أن يكون خائر فمثلما يعتد الحضري يوري سولومين بحضاريته يعتد درسوا وزولا ويتمسك بفطريته وبدويته وطبيعته .
وهي نمط آخر من الحضارة حيث يقول : ((مصطفى علم الدين)) في تعريفه للحضارة هي : نمط عيش مجموعة بشرية معينة , في بيئة معينة يتمثل في النظام الذي تعتمده المجموعة وفي سلّم القيم الاجتماعية التي تحددها لنفسها . وهذا يعني أن الحضارة هي مصطلح هلامي يمكن أن يأخذ أشكالاً كثيرة على وفق الزمان والمكان أي البيئة والوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي .

ولكون العنصر البشري هو العامل الأساس المشترك لبناء كافة أشكال الحضارة حاول الكشاف يوري اعتماد درسو أوزولا كنموذج لإخضاعه للتجريب. ومعرفة ما ستؤول أليه الأمور ضمن هذا السياق .
يستهل كروساوا مشهده بحركة تلت داون سماء ملوثة بالدخان وغابة ملوثة بقاطعي الأشجار ومدمري الحياة الطبيعية. (1902) الغابة الجميلة على مد البصر حيث لا تكنولوجيا تستبيح هدوئها ونقائها , فريق الكشافين يقتحمون الغابة يقودهم (الكشاف يوري) .
من خلال الجو الطقسي والبيئة الطقسية نرى أن درسوا يستخدم بيئته ويمتزج معها في مهارة مذهلة تبعث في كثير من الأحيان الى الممارسة الصوفية مع الآخر أيٍ كان هذا الآخر. . فعندما داهم فرقة الكشافة ومعهم درسوا نمراً أطلق درسوا النار على النمر بعد تردد وأرداه قتيلاً ولكنه صدم وكأنه صحى من غفوة لقد قتل النمر قتل شريكاً يتقاسمه البيئة والحياة فأدرك فداحة جريمته أن به تقبل التوازن بين الاضداد في مجتمع اضداد ساكن متعافى منسجم أحس بذنب كبير وحاول الكشاف أن يواسيه فقال له : أن النمر هرب وبحالة من القنوط إجابه درسوا نعم أن النمر عندما يموت يستنفر هرباً .من هنا يدفعنا المخرج بأن فايروس الحضارة والمدنية اصاب درسوا عبر فريق الكشافة .

أن تعامل درسو مع الطبيعة يجعلك تعتقد ان هناك صفقة قد عقدت بين درسو وبينها وكان ميثاقاً للمصالحة أبرم أو دستوراً للانسجام والذوبان قد شرع لم يكن هناك خندقان للصراع بل خندق واحد أما خندق الخصم فهو الصدام المروع بين الزحف الحضاري لاقتلاع الطبيعة وتجريف عناصرها بكل أشكالها أنه صراع مصيري لؤد الطبيعة بكل مسمياتها فحاجة الحضارة الى الخشب أخذت تزحف نحو الغابة لتقتلع آلاتها العملاقة كل مسببات الحياة الأشجار وبالتالي تهديم بيوت الطير والسناجب والعناكب وعشرات الأحياء وفسح المجال أمام ثورة الطبيعة لتجريد الأرض بالعصف المروع وحاجة الحضارة الارستقراطية الى كساء يفرض عليك قتل كل الثعالب والدببة والأسود والنمور والثعابين والطيور لعمل كساء للسيدات والسادة من الطبقة الارستقراطية على حساب تخريب عناصر الطبيعة .
أن تدمير الغابة يعني التصحر يعني ارتفاع درجات الحرارة يعني انحسار المياه. يعني تلوث الطبيعة وفقدان الأوكسجين يعني عدم إعطاء كميات كافية من ثاني أوكسيد الكاربون يعني أيجاد خلل في التوازن الطبيعي يعني تدمير لطبقة الأوزون. أن استبدال الغابات بالمجمعات السكنية (كما ورد في الفيلم) يعني تغير على المستوى الطبوغرافي والجيولوجي في المكان. وبالتالي البنية الاجتماعية والاقتصادية وهنا يشير اكيراكورساوا سؤالاً مهماً عبر العلاقة الظاهرية الوطيدة بين الفهم البدوي الملاصق للطبيعة وبين التحضر المدمر لعناصرها هل هناك ثمة ما يمكن عقد صداقة بين الطبيعة والتقدم العلمي عبر الصداقة أو المهادنة بين درسو رجل الغابة والكشاف ظاهرياً نعم ولكن الحقيقة تقول غير ذلك فالحضارة هي التي سببت بموت درسو بأبشع حال هو امتلاكه لسلاح القتل الذي أهداه أياه الكشاف للدفاع عن نفسه الذي يفقد التوازن في علاقة الغاب كما لم يستطع درسو أن يتعايش أو يتطبع أو ينسجم أو يذوب في حياة المدينة أو المدنية فضاقت به الدنيا كاد أن يجن فالغرفة مجرد سجن والجلوس بعيداً عن الغابة كجحيم وحبس لكل الفعاليات الطبيعة والبيولوجية انه الذي أراد أن يقول فيه ان على الأنسان أن يتعاطف مع الطبيعية مع أن التقدم الحالي يقوم على تدمير الطبيعة وفي رأي والحديث لكروساوا أن التقدم الحضاري يجب أن يقوم على أساس من الإنسانية وحب الطبيعة. وذلك من خلال الرجل الطبيعي الفطري درسوا وزولا رجل الغاب الذي أصبح جزءاً من منظومة الطبيعة كإنسان له دور كبير في تجسيد حالة الصراع من أجل البقاء ولكن في حالة درسو هو الصراع الإيجابي ومحاولة أيجاد تكافؤ الفرص مع عناصر الطبيعة أن درسوا وزولا رجل الطبيعة هو جزء من المنظومة الطبيعية الذي يجد فيها ملاذاً حقيقياً وطبيعياً لبقائه وهو يكشف سر لغة التعامل مع مفردات الغابة التي يعيش فقبل أن يهطل المطر ينبه الكشاف بأن المطر سيهطل فيلوذا الى كهف لحين انقطاع المطر ويستغرب الكشاف عندما يرى بعض الطعام في الكهف ويخبره درسو أن كل من يلوذ الى الكهف يجد طعاماً قد وفره أناس قبله ويضع بدل ذلك شيء من الطعام للقادم الجديد هذا هو سر حركة عجلة الحياة. . وسرعان ما يحث درسو الكشاف بالتهيء للرحيل فالمطر سوف يتوقف عرف ذلك من خلال أحد العصافير عندما تفرو تنبؤك بأن المطر سيتوقف قريباً هذه السيميائية في التعامل بين عناصر الغابة والفضاء الإشارة المعمول به في الغابة يجعلك على بينة في التعامل مع الأرض والسماء والماء والحيوان والأنسان. . أي مع عناصر الطبيعة من لم يكن صديق الطبيعة والطبيعة على علاقة وطيدة به سوف لن يعيش طويلاً فقانون الطبيعة هو الحد الحاسم والحكم في التعامل نوع من القهر الفكري والجسدي فلا الكشاف ارسنيف يستطيع أن يقطن الغابة بالآليات العملاقة ثم استفزاز الطبيعة وخلفت التلوث البيئي على مستوى الدخان والأصوات ولولا درسو لكان في عداد الموتى ولا درسو يستطيع أن يعيش في المدينة الذي هو شيء يشبه المنفى والقيد الذي يسلبه سلوكية وإنسانية الفكرة .

أن درسو ليس رجل لصيق بالطبيعة فقط بل هو أحد عناصرها ويمثل كل ما في انثروبولوجيتها من معنى فهو واحد من منظومة طبيعية متوازنة ومتآلفة ومنسجمة يتصرف على وفق ما تمليه عليه الطبيعة هو صديق لها بقدر ما هي جزء منه وما تعتبره تهديد طبيعي وغضب ينتاب الطبيعة يعدها درسو فعل طبيعي وإفراز عادي ومخاض تقوم به الطبيعة لتواصل ديمومتها وعندما اشتدت الرياح وتساقط الثلج في البرية أخذ درسو يصنع ملاذاً آمناً له وللكشاف ولو كان الكشاف لوحده للقي حتفه لأنه لا يعرف ماذا سيفعل في هذا الموقف ولكن درسو وعلى وجه السرعة صنع بيتاً من القصب والبرد ليحتمي به من العاصفة الثلجية وعندما حل الليل واشتدت العاصفة باتا في مأمن وفي لقطة واسعة جداً عند حلول الصباح كشفت عن مساحات شاسعة من الثلوج وليس هناك من حياة ليفاجؤنا درسو والكشاف أنهما ينبعثان من تحت الثلج ليكتشفا أنهم تحت بحر من الجليد هكذا أنقذ درسو صديقه من موت محكم .

لم يقتصر تبين الطبيعة والبيئة الحية في درسو أوزولا على العناصر المرئية فقط بل عكس البيئة الصوتية والطبيعة الصوتية في تجسيد البيئة الحية للغابة باعتماده على العناصر المسموعة والمتمثلة بالمؤثرات الصوتية من صوت هبوب الرياح وخرير الماء وصوت الجداول وهدير الماء مع صوت الحيوانات البرية العصافير والأسود والنمور وصوت درسو وهو يحاكي أصوات الحيوانات ويتكلم بلغتها وقد تم توظيف كل ذلك لدعم الجهد الدرامي والحبكة الدرامية للفيلم .
لقد أعتمد كروساوا على الفطرة في تجسيد شخصية درسو والفطرة ما أنفطر عليه الإنسان وما جبل عليه باعتباره خارج حدود الملوثات الاجتماعية ودرسو اصبح نموذجاً للإنسان الخام البدائي الفطري حيث أوجدته الطبيعة وليست الحضارة. في فيلم درسو أوزولا كانت الطبيعة هي الأساس والبيئة هي الحاضنة للطبيعة وطرحت كقضية أساسية لكونها جزءاً مهماً ورئيسياً للموضوعة السينمائية وليس موضوعاً هامشياً يدعم الموضوع الرتيب في أفلام مثل أفلام الكوارث والخيال العلمي والبوليسية أو تكون موضوعة داعمة للحبكة الرئيسية في الأفلام الروائية التقليدية .

لقد عزز فيلم درسو أوزولا نمطاً سينمائياً عرف بالسينما الخضراء والتي تبنت البيئة بكل ما تعني في موضوعاتها كعوامل رئيسية في بنية الدراما الفلمية .

لا تعليقات

اترك رد