زِمَامُ الكَلَامِ

 

يعمد الكاتب إلى ” زمام” قديم يجوس من خلاله في ثنايا الحكايا والوقائع تمتح من التّاريخ العامّ أو الخاصّ كما تمتح من خياله وأسئلة واقعه، “زمام” هو حيلته الفنيّة ليسأل أسئلة الرّاهن وليعطف القلوب على “نفائس القيم والعبر”.

وبين الكاتب نور الدّين اليعقوبي والتّاريخ صلة وثقى أحكم أسبابَها درسٌ اجتمع فيه الزّمان، درس قلّب فيه صفحات الماضي فإذا هي صور أو ظلال للحاضر، درس قدح أفكاره وفِطَنه وأذكى فضولَه ودهشتَه فمضى فيه حتّى خبر أفانينه معلّما وحتّى كان في معشر معلّميه “كبيرَهم الّذي علّمهم السّحر”. وهل سِحرٌ كالسّرد تُفغرُ له أفواه الأطفال في أحضان جدّاتهم، وتنبسط له الأرواح في المسامرات والنّوادي؛ فهو الممارسة الاجتماعيّة الّرّاسخة في المجتمعات جميعها، وهو النّشاط اللّغويّ المحتضن لكلّ الأعمال اللّغويّة والحامل لشتّى المعارف والباعث على القراءة. وإنّي لأراه ركنا ركينا في تعليميّة التّاريخ.

والسّرد هو ذات المدخل الّذي اتّخذه الكاتب ليعقد العرى بين التّاريخ خطابا مرجعيّا أزمنة وأماكن وأحداث والقصّ خطابا تخيليّا يعيد بناء الوقائع وصوغها؛ يجمع واقعا بإمكان، ويحرّك ماضي الوقائع في كون من خيال، ويُضلّ الحكمة في ألوان من الهزل وتلك ” كيمياء نصّه الأدبيّ”.

والوقائع الّتي يضمّها هذا “الزّمام” هي حيوات عاشها “جدّي التّوهامي” امتدّت فيه حتّى “بلغ من الكبر عتيّا” ولكنّه لم يَهِنْ. وفي شهوده تاريخا طويلا يمتدّ من عهد الإيّالة التّونسيّة خلال القرن التّاسع عشر إلى عهد بدائع الثّورة المعلوماتيّة خلال القرن الحادي والعشرين” التّرنيت والكونتابل والبالافوت” عاين عن كثب عظائم الأحداث كالحرب العالميّة والصّراع بين قوّات الحلفاء وقوات المحور الّتي كانت تونس مسرحا لها واحتلال ألمانيا لفرنسا والاحتلال الفرنسيّ لتونس…، وفي تنقّله بين المدائن والبوادي، وفي مخالطته لأشراف الأقوام ورعاعهم واجتماعه بألوان من النّاس فقيرِهم وغنيِّهم، صادقِهم وكذوبِهم، ساذجِهم ومحتالِهم، في جميع ذلك، تجربتُه وحنكتُه. وفي حنكته قوّتُه واشتدادُه. وحسبك على ذلك دليلا أّنّه معقد جميع الحكايا و”زميمها”.

صحبَه الرّاوي حفيدُه فروى عنه أو نقل أحاديثه ومرويّاته؛ يروي أحداثا عاشها أو عاينها وكان شاهدا عليها أو مشاركا فيها في أقاصيص “المقنبل و”الأندوشين” و”ولادة مستعصية” و”كبّوس الغارق” و”الخبز المرّ” و”العيطوط” و” نجيب آغا المخبول” و” الخنز يكبّش” و”الدّاموس”، يستأثر بدور البطولة في “سيدي الطّبلاوي” و “بوخميرة الأجدع” و”توهامود” و”لحية جدّي” و”القائد بو الأكباش” و” ثورة الحمار ثورة القطار” ” سيدي نشّاف الأرياق” ” دبّوس الغول” و” يوم التّسجيل بالإعداديّة” أو يجمع بين الرّواية والبطولة في”وادي العبابيث”. ولم يغب إلّا عن قصّتين هما: “الكبلوتي…الدّونكيشوت” و”الجرّة” ولكنّ روحه ماثلة في حفيده الرّاوي.

والجدّ التّوهامي مُجتمَع عدد من الشّخصيّات تتباين ملامحها وتختلف مواقفها لكنّه في جميعها ينطق عن الإنسان في عذاباته وآماله، وفي كدحه وطمعه، وفي نباهته وغفلته، وليست الحكمة في ما يرد على لسانه ظاهرا فجّا بل في ما يقع في نفسك وأنت ترافقه في رحلاته وفي مواقفه وفي ذكرياته فإذا لوحات ساخرة في النّقد السّياسيّ والاجتماعيّ، وإذا صور موجعة في حياة الأفراد والشّعوب، وإذا نماذج من الضّعف والطّموح الإنسانيّين، وإذا أنت في مقامِ الألم والإشفاق أو مقامِ الضّحك والهزء أو مقامِ الإكبار والإعظام.

تحملك إلى ذلك صورٌ كاريكاتوريّة ضخّمت العيوب وعباراتٌ أثقلها الكاتب بالإيحاء والرّمز وهو يطلقها في جوّ من التّهكّم والسّخرية.

ففي النّقد السّياسي يمكن التّوقّف عند الصّور الكاريكاتوريّة الآتية: “الزّكرة المشمّعة”، السّياسيّ مجدوع الأنف، قائد القطيع الخصيّ الإمّعة، القطار الّذي لا زميم له.

أمّا ” الزّكرة المشمّعة” فتمثيل استعاريّ للجعجعة والخواء تسم جيلا من السّاسة الجهلة الوصّوليّين يريدون أن يسوسوا النّاس بالطّبل والزّمر، وبشراء الضّمائر، وبالوعي الخرافيّ السّاذج يقيم “الجدّ التّوهامي” الدّليل عليه إذ ينصب خيمته، مع اقتراب موعد الانتخابات، على “كدية الطّبول” مقام سيدي الطّبلاويّ، حمارِه الّذي دفنه هناك، ليتفرّغ إلى تربية التّيوس الّتي يحوّل جلودها طبولا يقرع الآذانَ صوتُها وإلى تحويل أعواد القصب مزامير تبعث على الطّرب يبذل فيها السّياسيّون حُرّ أموالهم ويؤوبون وقد فازوا ببركة “سيدي الطّبلاويّ” وبـ”زكرة مشمعة” هي يقينهم بأنّهم ” رجال المرحلة”.

وفي حرص ” الجدّ التّوهاميّ” على تقديم تيس لهؤلاء السّاسة إشارة بليغة تجتمع مع الصّورة السّابقة لتؤكّد العلاقة بين السّياسة والتّياسة بكلّ محمولها القيميّ الأخلاقيّ السّلبيّ الذي جلاه الأدب السّياسيّ من ذلك قول أحمد مطر:

“ﻛﺎﻥ ﺗﻴﺴﺎً ﺫﺍ ﻗﺮﻭﻥ ﻭﺗﺮﻗّﻰ ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝِ ﺍﻟﻠّؤﻡ ﺣﺘﻰ ﺻﺎﺭَ ﺃﻫﻼً ﻟﻠﺘّﻴﺎﺳﺔ

ﻭﺭﺁﻩ ﺍﻟﻘﻮﻡُ ﺫﺍ ﻗﺮﻥٍ قويّ وخبيث فتبنّوه ككلب للحراسة

وهو ما يعني امتيازا في ميادين السّياسة”

وللسّياسيّ صورة أخرى يمثّلها مصطفى الأغا هذا العسكريّ الطّاغية الّذي “شمخ بأنفه” تكبّرا، و”نفخ الشّيطان في أنفه” تطاولا وكان “أنفَ قومه” سادهم بماله وعنجهيّته ” تجمعت له ثروات ضخمة … ورأى كلّ ما على هذه الأرض ملكا له”. غير أنّه أُصيب في أنفه إذ لسعه ّ دبّور أعور” وإذ وصف له الجدّ التّوهاميّ المتطبّب الرّعوانيّ ما حكم على أنفه بالجدع فرَغِمَ وذلّ وقد سمّاه القوم بـ” الأغا جدعون وكنّوه بـ الآغا بوخميرة”،

وحَمِيَ أنفه (1) ولم يهدأ حتّى أشار عليه ” الجدّ التّوهاميّ” بجدع جميع الأنوف في القرية فأصبحوا وقد حسُن في عيونهم موضعُ القبح في وجوههم حتّى أنكروا ساخرين على ” الجدّ التّوهاميّ” حين جاءهم زائرا بعد شهرين ” هذا الشّيء البارز في الوجه وبه ثقبان”. وتقوم هذه اللّوحة الكاريكاتوريّة رمزا على المستبدّ لا يُرضيه إلّا أن يرى في الآخرين صورتَه فيعاقبهم عقاب المجرمين الخونة لأنّ خِلْقتهم خالفت مَسْخَه، وأن يبلغ من استعباده إيّاهم أن يعتقدوا في أنفسهم ما صيّرهم إليه بالعسف، وأن يرتضوا أن ” يصول بهم عليهم ويطول” على حدّ عبارة الكواكبيّ.

وعلى صلة بهذا صورة الكبش الّذي عظمت صورته في عين القطيع يتوهّمه قائدا يتبعه إلى حيث لا يدري كلاهما إذ لم يكن غير خصيّ إمّعة يتبع أمّه الأتان لا حركة له من دونها، انظر كيف ماتت فحرن ولم يرِم، ومن ورائهما راعٍ يوجّه حركة الجميع يذكي شهوته إلى الكلإ. وإنّ في الشُّهَى المهالكَ. ويكفي أن تُناظر بين واقع الحيوان وواقع الإنسان حتّى تتبيّن بلاغة الاستعارة التّمثيليّة: “القايد بو الأكباش” الّتي هي بعض نفائس “هذا الزّمام”. ونفيسة أخرى أن يُحكّم الهوى فلا زِمامَ به يُعرف القصدُ ويُسمتُ السّمتُ. تلك غضبة الجدّ التّوهامي ونبوءته:” كلّ لا يعرف أين المفرّ دون زمام مسطّر والقادم أدهى وأمرّ”.

وبعيدا عن هذه الصّور السّاخرة الرّامزة نجد صورا تنطق بمعاناة الكادحين يواجهون العوز والحاجة بكسب سواعدهم، ويستدركون قلّة ذات أيديهم بالحكمة وبحسن التّدبير، ويقيمون الحجّة على مترفين يقتات بذخُهم من عوزهم وجشعُهم من حاجتهم، كادحين أهدى الكاتب إليهم كتابه وقد قبس من أرواحهم في زمامه بصائرَهم.

وليس أبلغ من فاكهة الزّقوقو الّتي يغالي بها التّجارُ ويتدافع عِلْيَة القوم على شرائها ويجتمع فيها تفكّه المترفين وشقاء المعدمين. جَلَتْ ذلك بلاغة السّارد وصل عبر الاسترجاع بين صورتها “حُبيباتٍ من الجوهر الأسود” مصفوفة على الرّف بالمغازة يشخص إليها البصر وتداعبها الأكفّ وصورتها مخاريط في أشجار الصّنوبر الحلبيّ تُقطع وتُجمع أكواما ثمّ تُحرق فتُستخرج البذورُ وتُنقّى من أتربة علقت بها، أيّاما من جوع وقرّ، فلا تملأ غير” كيس واحد” ولا تملأ نفسَيْ “حامد الأعتر” و “الهذيلي بوصفّة” إلّا حسرة على حقّ غمطه السّماسرة، وعلى فاكهة جَنَيَاها وحُرِمَاها “هو ليس لك. ما عليك نهار العيد إلاّ صنع عصيدة دقيق. “كلها وامسح فمك بكمّك”” ولكن حسبهما وأضرابهم وحسبنا منهما الحكمة المأثورة :” “اخدم بناصري وحاسب البطّال”. رَ صورة شاشيّة ” سعيد الجباري” القرمزيّة؛ “أتربة المينة” بعض لونها وعرقه شذاها، وانظر النّساء الكادحات صانعات الأيدى كيف تكرمهنّ الأرض بعطاياها ” عائشة تدقّ حبوب القضّوم لتستخرج منها الزّيت وكانت أم الزّين تدّخر شحم الضّأن لمثل هذه الأوقات العصيبة وكانت للّا حدّي تهرس نبات “التّلاغودة” لتصنع منه خبزا شبيها بخبز الشّعير” تجدْ أرواحا تحتفظ بحرارة المعنى وعالما لم يغادره الشّعر بعدُ.

ومقابل عالم الشّعر وقيمه المتعالية تنقلنا حكايا “الزّمام” إلى سوءات الواقع؛ واقعٍ لعلّه لا يتغيّر بتبدّل الأزمنة أو لعلّ أعداء الدّاخل والخارج لا يريدون له أن يتغيّر فيعملون على استفحالها بالتّمكين لأسبابها. تغضّ السّلط الاستعماريّة الطّرف عن “علاّل الأعور” وهو يحتال ويغشّ ويكيد كما يفعل الفاسدون في كلّ عصر ومصر، ويتزيّن المجرم بلباس التّقوى فيغدو شيخ قريته وحلّاجها، ويمُدّ الجهلُ في سلطان الدّجّالين حتّى يتوارث النّاسُ الأوهام، وتضعف – تحت سلطان المال-الهمم وتصغر الأنفس حتّى يتعجّل ذو المال الرّبحَ على غير وجهه، ويذهب الطّمعُ والوهمُ وإيثارُ الرّاحة لدى غيرهم بلذّة الغُنم ومعنى الظّفر، ويحول التّطلّع إلى ما عند الغير دون الوقوف عند ما يمكن للذّات تحقيقه.

ويشهد الجدّ التّوهامي على غفلة منه تبدّل الأذواق فإذا لباس الفقراء المخرّق لباس الوجهاء وموضة العصر ولم يكن ليفطن لذلك وليجد رَوْح اليَسار لولا غضبة “زميم” الفئران وزعيمها، وما كانت تجارته لتكسد لولا هجرة الفئران دكّانَه وتلك ملحة لاذعة وطرفة بليغة.

وإنّنا إذ نتصفّح ورقات هذا “الزّمام” نأوي إلى كلمات يشبّ فينا من أصواتها الحنين إلى ماض حميم، كلمات توقّع الكاتب من قرّائه من الشّباب إنكارها فشَرَحَها، ولكنّ شرْحها لا يرقى إلى موسيقى لفظها وآذانُنا تتلقّاها من أجدادنا في فجر طفولتنا وأوّل شبابنا. هذه كلمات لك أن ترحل في مداها: زمام، الرّكروكي، ناصري، خرّوبة، الفينقة، التّلاغودة، “مذهوب الشّيرة “”قران ماء”… وأهازيج وكلمات فرنسيّة حرّفتها ألسنة بدويّة لا قبل لها بعُجمتها، كلمات تأوي إليها دفقا من حنين، كوّة تطلّ منها على صور من التّاريخ.

زمامٌ، الماضي فيه مجدول بالحاضر، والخيال فيه غرس الواقع، والجِدّ فيه أضعافُ الهزل، وبعض درس التّاريخ الّذي قرأنا تلاميذَ مبثوث في أمكنته وأزمنته وأحداثه وشخصيّاته، وفيه صدى أصوات من غبروا هُدًى في طريق البحث عن الحقيقة؛ حقيقة الذّات وتاريخِ الوطن.

أقاصيصُ إنْ تفاوت حظّها من وحدة الحدث واتّساق التّصميم والتّكثيف والإيحاء فهي شائقة مثقلة بأسئلة الرّاهن، هي بين أيدي تلاميذنا تنبّههم وتسلّيهم وتعلّمهم أن الحياةَ، والدّرسُ صورٌ منها، مُتونُ الإبداع ومضمار المبدعين.

وجماع نفائس هذا ” الزّمام” أنّ ذكاء الضّمير مِلاكُ الأمر وزِمامُ الكلام.

(1) حَمِيَ أَنْفُه: اشتدّ غضبه.

لا تعليقات

اترك رد