كيف يتطور الفساد السياسي ؟

 

ليس من الغريب أن تختلف الكتل السياسية في الرأي أو في منهاج العمل أو في أي مجال من مجالات السياسة إذا كانت دوافع الاختلاف مختلطة بالحس الوطني خصوصا في أنظمة الحكم التي تدعي إن منهجها ديمقراطي فالاختلاف هو ظاهرة صحية الغرض منها تقويم أداء الحكومة ودفعها الى تقديم أفضل مستوى خدمي لشعبها في الحالات الاعتيادية إذا كان ذلك مع وجود حرص على التعاون في أداء حكومي يخدم الشعب وحيث إن الحكومة هي مجموعة الأجهزة التي تعمل في مختلف جوانب الحياة الداخلية والخارجية وتدير كل مرافقها والجهة المسئولة عن إدارة الحياة اليومية للشعب ومن ضمنها تطوير برامج العمل السياسي الذي يفترض به هو الآخر ينتهي الى ترسيخ أسس بناء المجتمع والنهوض به نحو الأفضل فان اغلب القوانين في العالم تسمح بتشكيل الأحزاب السياسية ولكن في حدود مقبولة ومعقولة وفي عدد محدود تحت شروط والتزامات معينة خصوصا إذا تقاربت وجهات النظر الفكرية والأيديولوجية واستطاعت المجموعات الشعبية أن تبلور فكر سياسي وطني ينخرط في صفوفه من يؤمن به طبعا شرط أن يكون بعيدا عن الشوفينية والتعنصر القومي أو الديني أو المذهبي لأنها في هذه الحالة ستكون عامل تشتيت للجهد الوطني إن وجد وتصيب لم شمل الشعب في مقتل.

كظاهرة جديدة برزت في العراق بعد عام 2003 في مواسم الانتخابات يعمل الجميع على طرح منهاج عمل لإدارة المنصة الحكومية أو كما تسمى اليوم الكابينة الوزارية سواء على المستوى المحلي في مجالس المحافظات أو العام على مستوى البلاد جميعها التي يرغب الحزب إن يديرها أي إن الانتخابات البرلمانية موسعة تعم كل البلاد فمنهاج عمل الحزب لا يقف عن حد معين في محافظة واحدة أو إقليم ولكن ما يحصل في العراق يختلف عن هذا الفهم فكل كتلة أو حزب يركز في الترشيح على ساحة عمل حسب الطائفة أو القومية كما لاحظنا في الدورات الانتخابية السابقة وتعارفنا أن نلاحظ إن تركيز دعايات الأفراد أو الأحزاب الشيعية في مناطق الوسط والجنوب والأحزاب السنية في المناطق الغربية والشمالية بينما تركز الأحزاب الكردية على مناطق إقليم كردستان وفي هذه الحالة ضاع الانتماء الى الوطن وغاب المنهاج الوطني وبرزت الانتماءات المناطقية لان الجميع يدرك انه لا يمتلك من ينتخبه في غير مناطق انتمائه الطائفي مهما كانت درجة وطنيته عالية فالكردي يفشل إذا رشح في المناطق الشيعية أو السنية وكذلك الحال بالنسبة للشيعي وهو ينطبق على السني أيضا مع الاعتذار للتسميات التي استخدمناها للوصول الى توضيح الفكرة وعلى هذا الأساس سيكون إنتاجه وعمله لصالح قاعدته ولهذا السبب لم تتمكن الشخصيات السياسية من الخروج من قوقعة الفضاء الطائفي الضيق الى الانتشار في الفضاء الوطني وبقيت متقوقعة في طائفتها ورغم ادعاءات الوطنية فان من ينادي بالوطنية الأعم سيجد الكل يقف في وجهه ويتعرض الى التسقيط والاستهزاء والتركيز على الأخطاء والسلبيات التي حصلت منه إثناء فترة عمله السابقة خصوصا في غير مناطق قاعدته.

إن الفترة السابقة من بعد عام 2003 شهدت انقسامات وانشطارات حادة ففرخت الأحزاب السياسية أحزابا أخرى لا تستطيع وأنت تتابع منهاج عملها أو متبنياتها النظرية أو الفكرية وهي أصلا غير موجودة إن وجدت سوى استنساخ للحزب أو الكتلة ولكن بتسمية جديدة من جانب أو من حصل في الأمس على منصب سياسي يعتقد انه أصبح جاهزا للانسلاخ من حزبه وتشكيل حزب جديد مستغلا ما حصل علية من مال أثناء توليه منصبه لاحتواء إتباع من المنتفعين والبقاء كقائد وقد يطلق عليه تسمية كحزب أو تكتل وبهذه الحالي فان المطلوب لديه الحفاظ على الزعامة التي فقدها بعد انتهاء فترة عمله وتعويضها بزعامة من نوع آخر ولا ينتج عن هذا السلوك سوى إضعاف للحزب أو الكتلة الأم مع ضعف الوليد الجديد وهذا أيضا سيخلف تشتيت وهدر للجهود واختلافات شخصية لا تخدم احد.

في معظم البلدان العريقة التي مارست الحرية والديمقراطية لا يسمح بإنشاء أحزاب بهذه الطريقة وتجري انتخابات أو في اقل احتمال يتم اختيار شخصية أو مجموعة من الشخصيات لقيادة الحزب وليس بالضرورة أن يكون قائد الحزب إن فاز هو قائد لمنصب قيادي في الحكومة ولا يعني انه سيكون في المستقبل مهيئا لتأسيس حزب جديد وآي اختلاف يكون داخل الحزب ولنا في اغلب دول العالم المتحضر أمثلة واضحة كفرنسا وبريطانيا وأمريكا وحتى الدول الأقل تحضرا أو ذات الكثافة السكانية الكبيرة كالهند والصين والباكستان فلا أحزاب تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة وفي حالة التوسع جدا لا يصل عدد أحزابها أصابع اليدين بينما في العراق الذي لم يبلغ عدد نفوس مواطنيه الأربعين مليون نسمة قد تجاوز عدد الكتل السياسية أو الأحزاب عن ألمائتي حزب وهذا لا يعني إلا إننا مختلفين في كل شيء وليس في منهاج العمل فقط .

لقد انتهجت الأحزاب السياسية العراقية مبدأ التسقيط السياسي شعبيا للمخالفين أفرادا أو أحزابا مهما كانت درجة الوطنية لديهم في المناطق التي لا تنتمي الى ذات الطائفة في نفس الوقت الذي أخضعت العمل الإداري التنفيذي في الحكومة وحتى في البرلمان الى العلاقات الخاصة والعلاقات العشائرية مما زاد من ضعف العراق كدولة ذات سيادة في المجتمع الدولي مع الأسف الشديد وهذا العامل نفسه من ساهم الى حد كبير في اتساع التناحر بين الكتل على أساس مناطقي وساعد الى حد ابعد في جعلها تطالب بمصالحها الخاصة قبل مصلحة الوطن ولهذا شواهد كثيرة وساهم في انتشار الفساد المالي والإداري حيث وفر الحماية من القانون للمفسد من خلال تبادل المنفعة في الحماية مقابل الدعم المالي ويسري هذا على مجالس المحافظات والسلطات المحلية كما يسري على البرلمان والوزارات بينما هذه الأمور جميعها مثار سخرية واستهزاء لدى الشارع لأنه غير معني بها ولا تمثل له شيء بالقياس الى حاجته من توفير الخدمات الضرورية فالكتل السياسية في جانب والشعب .

يبقى أن نشير الى إن اغلب الأحزاب السياسية تمتلك أجنحة مسلحة توفر لها الغطاء الذي يؤمن حمايتها في المجتمع وقد يصل بها الحال الى فرض إرادتها على الجميع (محليا) بالقوة فإذا كنا حقا نطمح الى بناء مجتمع متطور خالي من الفساد ومن المحسوبيات وهذا مستحيل في الظروف العراقية الحالية فيجب علينا جميعا اللجوء الى القانون لمحاسبة المفسد بعد أن تطرده كتلته السياسية مهما كان موقعه لان الحياة لا تتوقف على احد والتخلي عن الانتماء الطائفي لصالح الوطن وإفساح المجال للطاقات الشبابية بالمشاركة في قيادة المجتمع خصوصا بعد فشل الوجوه التي عملت خلال السنوات الماضية.

لا تعليقات

اترك رد