العقرب


 
لوحة للفنانة د. صبا غالب

حلمٌ عاقر وزمنٌ عابر لا يرتوي من قطرات العرق…….معلقٌ انت بين الدروب ،يردد الصدى مواعيدك وذكرياتك ،…ليس هناك من يرحم روحك ويوقف عجلة الزمن التي تحفر في راسك.. في جوفك كتمتَ الضحكات.. .. نسِيتَ كلَّ الحقبات تحوم حول الامكنة.. خلف اروقة المسافات والفضاءات تبحث بين الحصى عن نور يشق ساتر الليل ويوقد النبض الحزين.. تسأل العابرين : ترى اين اجد الراحة والسكينة ؟؟ … فيجيبك الصدى: اهبط بسلام انه حولك و كلما سرت ابتعدت اكثر واكثر.

كعادته يصحو مع خيوط الفجر الذهبية يحتسي فنجان قهوته مع سيجارة، تحاول زوجته فتح حديث ولو لخمس دقائق …انه دوما على عجل

الزوجة :اليوم رح يجون عدنا الجيران
الزوج : كوليلهم بالشغل
الزوجة : زين بالليل من ترجع للبيت

الزوج :ما اكدر اشوف احد ارجع تعبان مالي خلك كوليلهم سافر، مريض ،اي شي عوفيني ضاع الوقت داروح ……. انتهى الحوار ……خرج مسرعا كالعادة رَكبَ سيارته، شغلَّ التبريد.. طريقٌ مزدحم كالعادة… متوترٌ كالعادة … يطارد عقرب الساعة كالعادة…. لكنَّ العقرب عنيد متسلط … خطواته من حديد يداهمها الخطر، حاول جاهدا اللحاق به إمساكه ولكنه في كل مرة يهرب منه الى بقعة مظلمة لا يراها فيعود فارغ اليدين …عالقا يدور ويدور ولا ينتهي عند نقطة ، تهدمه الرياح وترميه فوق الصخر… تموت وتختفي كلماته قبل ان ينطقها

ومشاعره يغرقها المطر، يدنو و يتلاشى تحت فيئها .. كعصفور أسلم اجنحتهُ للريح، معلق بين الشرق والغرب نصفه يعيش في الوطن والاخر يلعنهُ ويكرهه يخاف ان يحط على العشب الندي كي لا يعلقُ بالشِباك العفنة… يود لو يحظى بفرصة ، لكنه الحظ ذاك الاجدب.. يزيح وجهه بعيدا عنه ليذوب في وحدتهِ شاردا منسياً يألفه الغياب والسفر…قلبُهُ الشقيّ تأسره كلمةٌ حنون ويؤنسه السكون ….

عادةً ينتهى يومه عند غروب الشمس ، يركن السيارة بنفس المكان ويتوجه للبيت … يفتح الباب …يبدل ملابسه يغسل يديه … مُنهك القوى يسقط على الاريكة ..يكافأ نفسه بالتهام وجبة دسمة جداً حضرتها الزوجة المحبة مع زجاجة من الكولا المثلجة … يبتلع ما يستطيع من اللحم والدهون والحلويات دون وعي ،مختفيا بين اللقيمات يلوكها و تلوكه يبلعها وتبلعه متمردا على ذاته في غمرةٍ مشاعر مدفونة تنطلق في عنفوان بين أنياب اعلنت العصيان لترُضي روحه العطشى… لقد تعب كثيرا وهو يعمل ويجتهد ليلبي طلبات المدير وطلبات البيت ويدفع اجور مدارس الاطفال ويدفع اجور الكهرباء والمولدة وووووووو …

انتهى من الوجبة بعد ان امتلأ الكرش واخترق الحجاب الحاجز ووصل الى صدره فضاقت انفاسه رغم انه شرب الكثير من الكولا والعصائر ليهضمه !!!! استرخى امام شاشة التلفاز صامتا …يتابع نفس القناة …ونفس الاخبار اليومية الكئيبة …البلد يغرق كالعادة … اشعل سيجارته كالعادة … زوجته لا تسأله ولا تتحدث كي لا تزعجه… الاولاد كل في غرفته ……شاردا مغيبا في نفس الروتين يمزق كل يوم اوراقا جديدة من روزنامة عمره …. يمضي بصمت، ويصدأ بصمت ولازالت المسافات طويلة على ارصفة الازمان والراحة والامان و بين هذا وذاك يتلاشى كدخان ولا يلقى ذاته حتى في الاحلام ……… ينظر للمرآة الوحيدة في باب الدولاب يلبس قميصه يحاول سدّ الازرار … لقد ضاق كثيرا وعليه ان يشتري ملابس اكبر واكبر كل عدة اشهر ….. بات يقنع ذاته:

عندما يكبر الاولاد سأتفرغُ لنفسي سأمارس الرياضة و السباحة وسأترك التدخين ، سأسافر وألفُّ العالم …ربت على كتف روحه … فصار العقرب يكركر .. ويسرع اكثر وكلما حاول اللحاق به تتشابك تجاعيد وجهه وتنغمس داخل شحوم خديه المكتنزة …….

ينقضي نهاره دون احداث مهمة …في سواد الليل يسترخي بلا حراك ما اجمل الابتعاد عن ضجيج العالم …الظلام مريح يبهت الاشياء ويجعلها غير واضحة وغير مرئية ….لتهدأ روحه المضطربة

في اليوم التالي تطرق الشمس بابه مرةً اخرى فينهض مسرعا ، لقد وصل الى العقد الخامس ….لكنه متعبٌ، اصيب بالأعياء …..ذهب الى المستوصف القريب من عمله بعد ان أحسَّ بألم الصدر وخفقان فأخبره الدكتور:

_ستصاب بعجز القلب اذا ما تنتبه لصحتك …. وين كنت ؟ ليش ما سويت الفحوصات التي طلبتها منك الشهر الماضي؟؟ …… عندك سكر وما تلتزم بالطعام ولا بالعلاج ؟

_نعم دكتور صحيح ولكني كنت مشغول…
_مشغول عن صحتك؟
_لازم تسوي التحاليل والتخطيط لسلامة القلب (يا حجي)…. ولازم تنتبه على اكلك ووزنك…. وسويلك اجازة بالاسبوع ولو يوم تمارس به رياضة المشي

لاحتْ على وجهِهِ علامات الاستغراب والكآبة كأنه لأول مرة يتعرف على عمره الحقيقي ، لقد اخذ صفعة على وجهه ليصحو من وهم الشباب والصحة الازلية ،أبيَّضَ شعرهُ فجأةً ..سُحب كل الكالسيوم من عظامه فأُصيبَ بالهشاشة وأُنتُزع الكولاجين من بشرته …..خرجَ من غرفة الطبيب…. ونبرات الدكتور ترنُّ في اذنيه

….. ضغط وسكري اضافة الى سوفان المفاصل و الان عجز القلب…. سيكون القشة الاخيرة التي ستقصف العمر…الشيخوخة تغلق الابواب والشبابيك لا اوكسجين كافي.. امتلأت باحات قلبِه بالدمِ الساخن …المرض والعجز ارخى سدوله… إياكَ يا أنا أن تشتكي ..فالمرض حوتا يبتلع حتى الابطال والفرسان…

_ ولكني لم اشبع من عمري …من اهلي و احبابي واصحابي ، من التسكع تحت رذاذ المطر من الورد والربيع والشجر من المغامرات والضحكات واحاديث السمر …..؟؟ يا قلبي المسكين ادفن احلامك هناك في كومة دهون ، تفيأ ظل كونكريت الكولسترول ،اعد ترتيب اولوياتك .. وعليك تقبل الحقيقة انك لم تعد صالحا لشيء، انك تشيخ قبل الاوان ولابد ان تلتزم السرير …. ….يختنق ، يجر خطواته الواهنة لينزل الدرج ،طيف غمامة يصيبه بالدوار … يتمسك بالحائط لماذا لا يوجد احد اتمسك به …اكيد الكل مشغول مثلي …. كيف مضى العمر سريعا، لطالما كنت اردد انَّ العمر واحد والقدر واحد وكل سيموت بوقته ويومه ولكنني الان انقاضُ انسان لستُ بميت ولا حي اتسكع على ارصفة اهمالي …انني جدار خشبي متآكل تحيا عليه العناقيد وتزهر الورود المتسلقة

ركب سيارته يعض على شفتيه عائداً لبيته … في الطريق استحضر شريط حياته ونسي تشغيل التبريد وهو مذهول فصارت قطرات العرق تخترق عينيه وتشعلهما بالنار المملح ، ذاك الضوء القادم من الشمس يحرقه …بات يفتش في الفراغ عن شيء لا يعلمه، شيء يفتقده ….

_ماذا سيحدث بالعمل لو اخذت اجازة للراحة والعناية بصحتي….؟ مديري سيكرهني ؟
العائلة اهلي والاصدقاء هل سيفتقدوني ان حدث لي مكروه ؟؟او ربما لا لأنني كنت بعيدا ومشغول عنهم دوما
الواجبات والطلبات من سيقوم بها؟؟

هل سأموت قريبا ؟ أم الزم الفراش واصبح عالة على اهلي؟ عواصف القلق والمشاعر تقلب افكاره رأسا على عقب تتركه امام ريح عاصفة …….. … اهدأ … انك تستنفذ طاقتك على ارصفة العتاب و الندم ، لا احد …فقط انت ووهنك وهاجسك وضجيج قلبك واحلامك الموغلة بقعر الذاكرة و تلك الاسطوانة المشروخة الراحة والامان والاستقرار.

اوقفَ سيارته ونظر الى الشمس وهي تغرق في بركة الشفق الوردي وترسم خطوطا بالطول والعرض ….. لأول مرة ينتبه لأصوات العصافير وحفيف الاشجار..

خرج الى اقرب حديقة وجلس على المسطبة يتأمل بعض الفتيان يضحكون ويركضون بملابس رياضية وتذكر حاله والعمر الذي تكسر تحت قدميه… وفي الطرف الاخر من الحديقة، عائلة والاب يلعب كرة القدم مع اولاده…يتحسر ويفكر بإنقاذ حياته يبحث عن درب للخلاص من الالم انه بحاجة لسيجارته لينسى… تردد وهو يخرجها من جيبه تراءت له صورة الدكتور وهو يقول:

_الدخان ملئ كل صدرك حجي ..عوفه قبل ما يقتلك
سحب نفسا من هواء الحديقة النقي ادخل سيجارته مرة اخرى في جيبه وفكر بزوجته وأولاده وعمله وكل العالم حوله … لقد انطفأت شمعة حياتي ؟؟ تأمل المعنى ونهض ….. متكأ على امنياته ….الوقت يمضي … هاتفه يرن عدة مرات ……..الكل ينتظره ويفتقده……

في لهفة أستمع لدهشة اعماقه وصوت من روحه الفتيه تقاوم هبوب الرّيح تختلس لحظة تسرقها من الزمن …القلب الناظر للسماء يلتحف الرحاب ،يتحرر من القيود والاغلال.. ليقتفي مرافيء العمر، هناك حيث تتدلى جدائل الشمس لتشدك اليها فتتلقفك همسات الاهل وضحكاتهم ودعواتهم فتنسى الزمان وتحس الامان …

اعذروني فانا مذنب … سألتزم برعاية صحتي قبل كل شيء كي اكون جديرا بكم وبحبكم … اشتقت للأوكسجين للمطر لفجر جديد بصحبتكم، سأعود للبيت لأحتضن اولادي واهلي وزوجتي واصدقائي وأحتضن ذاتي اولاً …انتظروني سأعود …ففي قانون الطبيعة لا شيء ثابت وكل شيء قابل للزيادة والتعويض الا العمر والصحة والحب إن رحلوا فكنوز العالم كلها لن تستطيع التعويض .

لا تعليقات

اترك رد