الإسلام الرسمي والإسلام السياسي في أزمة المرجعيات التأسيس القطري العربي

 

إذا كان جل نقاد الحداثة الغربية قد أجمعوا على أن الانكسارات والعثرات التي حصلت في مسار التحديث الكوني في سياق متا بات يعرف بالعولمة سببه عدم قدرة بعض الثقافات الناشزة على التجاوب مع المنقلب الحداثي للتاريخ، مخصصين الإسلام في ذلك بالقسط الأوفر، نظرا لبنيته الشمولية واستطالته لكل مناحي الحياة عموديا وأفقيا، فرديا وجماعيا، ما صادم الأسس البنيوية للحداثة النادهة في دقيق فلسفتها على الانشطارية وكسر النسق الشمولي وجعل الفرد المجرد جوهر الحرية ومبدأها ومنتهاها، فإنه من باب أولى يظل على العقلانية النقدية العربية الاشتغال على هذا المعطى في الحيز الضيق الصغير، أي الحيز القُطري بحسبانه نتاج للحداثة في عنف وسلم تطورها الجيوبوليتيكي الذي أسس للوجد الوطني في جغرافيا وتاريخ العالم الحديث، وهذا بغرض فك الاشتباك المفاهيمي الذي أفرزته محاولة التأسيس القُطري في فضاءات زمانية وتاريخية مليئة بحسابات الماضي التي لم تصفى بالوعي التاريخي الجديد، منذ لكم الأسس مرجعية للكيان الوطني أو القطري بين الإثنية، الطائفية والمذهبية التي لا تزال تحول دون اكتمال الوعي القطري العربي الحديث أو الحداثي.

لكن يظل أهم سالب واكب منشأ القطرية العربية وحال دون تطورها، هو الإسلام السياسي ببعده الأممي الصارم، الرافض للجغرافية المتجزئة باعتبارها في خطابه العقائدي الأيديولوجي نقيض وصايا النص الديني الداعي للوحدة والاستخلاف والخلافة، ما جعله يصطدم بإرادة الفكر الوطني بل وبالمرجعية الدينية الرسمية

المرجعية الدينية الرسمية، كالأزهر في مصر، هيئة كبار العلماء بالسعودية، الزيتونة بتونس، وطبعا كل المجلس والأوقاف في دولنا العربية، ظلت جهازا تبريريا هجوميا على المشروع الاسلاموي ولم تتجاوزه إلى فضاء التأسيس في المشروع بما يتيح لها تحرير الخطاب الديني من المصادرة في سوق الافكار الموازية وتحديثه بما يمكنه من تقوية الموقف الرسمي في مسإلة استكمال بناء الهوية القطرية، هذا الاستنكاف عن إنتاج معرفة دينية تتجاوز المطلبية الاسلاموية

والاكتفاء بمناصرة الارادة الرسمية المُحيِّدة بلا وعي للدين كعنصر تكويني تشترطه الحالة التاريخية، جعل الشعوب تنزاح عن المرجعية الرسمية وتنحاز للموقف الاسلاموي المتوهج ببطولية المعارضة ومواجهة “الطغاة” وهو التحدي الذي يغري ذهنية ونفسية الإنسان العربي المجبول على الخيل والليل والبيداء ورفض الانصياع لخطاب الأَسر الرسمي.

من هنا تبدو أزمة العلمانية كمفهوم وكمشروع متعثر للوطن العربي، منحصرة في غربة التاريخ أكبر من غربة المكان، فمعلوم أن المسار الثوري عن الكنسية الذي مهد لبروز العلمانية كمخلص أوحد للشعوب من عتو تحالف الكنيسة والعرش في الغرب، كان طويلا، ولكن أهم ما ميز فلسفته هو أنها انبت على واقع خاص بتجربة خاصة تم استيعابه فلسفيا من خلال اشتغال على دوائرها الدقيقة حيث تستقر أسباب الاستعداد الثقافي والنفسي للإنسان للتحول إلى العقلانية العلمانية بمختلف أدوات اشتغالها في المجتمع.

هكذا تأسيس معرفي مستقيم على التجربة التاريخية للمجتمعات لم تُحظى به مع الأسف شعوبنا العربية، التي تفرق حبر نخبها بين شتات التيارات القادم منها من سحيق الماضي والقابع في هوامش حضارة الحاضر، كل منبهر بالتجربة غير الواقعية للذات يسعى عبرها لتفسير سبب تأخر المجتمع العربي رغم زخم ماضيه عظيم قدرات حاضره والأهم كونه يشكل دائرة ثقافية من الدوائر الكبرى التي أسهمت في السلسلة الحضارية الإنسانية.

قد يحتج البعض في غياب الموقف الواعي عن عملية التشكل القطري الذي عرفه العالم العربي في فترة ما بعد الاستعمار، بفقدانه لآليات استيعاب اللحظة وعتو الآلة الكولونيالية التي لم تعيد تقسيم ورسم تراتبية مكانية على الخريطة الجغرافية فحسب بل وللخريطة الزمنية ومنها تراتبية عناصر الهوية، وهذا أطحن عنصر في معركة البناء القطري الذي تتآكل في دوامته الأجيال والتيارات، وهو احتجاج سليم ومنطقي، إذ لا أحد بوسعه نفي الأثر الكولونيالي في تشكل الذات القطرية وفق خصوصيات دقيقة منها ما تعلق بالنسيج الإثني القلق زمكانيا ومنها ما هو متعلق بمخلفات القديم من الصراعات المذهبية وهو ما سيفرز فيما بعد الاحتقان الطائفي.

وإذا كانت النخب الحداثية قد أخفقت في إنتاج معرفة خاصة بطبيعة التاريخ والمكان العربي من أجل التأثير في نسق تطور المفهوم القطري وسبل قبوله وحمله محمل الوعي الحتمي الذي شاءته الحداثة بوصفها رائدة التاريخ، واكتفاء تلكم النخب بطرح البضاعة الغربية الخالصة كشرط أوحد للاندراج في العصر ورسم معالم تعايش جديد قاطع مع أساليب وأطاريح الماضي، ما أفقر وأفقد المشروع الرسمي قوة تدبير وطني خارج الإرادة العنفية في فرض النموذج القطري بالقوة والقمع، فإن النخب الاسلاميوية لم يكن في قلق اللحظة الوطنية التي تحياها القطريات العربية منذ موجة الاستقلال الوطني بأحسن حال منها، فجل مشاريعها وخطابها تنبني على الرفض والاسترابة وعدم الاستجابة للمشروع القطري، ولكن من دون طرح فلسفة بديلة تتسم بالموضوعية التاريخية وتأخذ بعين الاعتبار معطيات الوضع الدولي.

لقد ترسخ الوعي بالرفض كثقافة تفكير وتكفير لدى جل تيارات الاسلام السياسي ما أدى بها إلى السقوط في مطب الفراغ المشاريعي وتمظهر ذلك في فترة التخبط الكبير التي وقعوا فيها حين استلموا في أكثر من بلد عربي مقاليد الحكم بعد موجة الربيع العربي الأولى.

فالنهضة في تونس لم تقوى حتى على فتح نقاش بخصوص مرجعية التأسيس القطري البورقيبي الأول، وليس الأمر كما يعتقد البعض، يقف عند حد استراتيجية العمل السياسي لهذا التيار الشعبوي، وخشيته من الدخول في صدامات مع النخب البورقيبية النافذة في الكيان والوعي الوطنيين بتونس، وإنما لقوة الوعي بالدولة الحديثة المتداعي عن تجربة “الديكتاتور المثقف”

أما عن الإخوان في مصر، فتكفي شهادة المفكر الكويتي عبد الله النفيسي دلالة على حالة التخبط التي وقعوا فيها بسبب عدم استيعاب التجربة الوطنية عمليا خارج نطاق ومنطق الرفض المبدئي “للحالة القطرية” النفيسي اعتبر سبب زلة الإخوان فقدانهم للرصيد اللازم من التجربة الوطنية وكلما لهم من زاد في ذلك، مجرد خواطر حركية تنظيمية ظلوا يعيدونها فيما بين السجون ومخيماتهم الصيفية الشبانية، فاتخموا فكرا حركيا في حين ظلوا جوعي الفكر الوطني الواسع.

في المغرب حيث ظل الفكر اليساري عماد المعارضة للشاكلة القطرية الملكية، لقوة نخبه والبيئة الخصبة لنموه، فقر واسع وديموغرافية كبيرة، لم يقدم الإسلاميون أكثر من الصمت في زوايا القصر إنفاذا لرغبة القوى المنتفعة في الدولة، وضحوا هم بالتالي بالقضية على حساب البقاء العضوي، بل إن بن كيران الوزير الأول السابق كان قد صرح بأن حركته أو حزبه العدالة والتنمية كان قد قام بمراجعة كبيرة لمواقفه وفلسفته من القطرية الملكية المغربية حيث اعترف بالبيعة للملك وبشرعيته الدينية باعتباره أميرا للمؤمنين لا بل وسبطا من أسباط الرسول !

وهكذا، كما هو ملاحظ، تزاوج ضد للطبيعة بين خطاب المرجعية الدينية الرسمية للمملكة، والمرجعية الاسلاموية المرتكزة كما أشرنا في حقيقتها على البعد الأممي الإسلامي وعدم الاعتراف بسلطة لا تلتزم بتطبيق الشريعة.

إذن الخلاصة من جميع ما تقدم، هو أن القطرية العربية التي عرفت التأسيس بالوسيلة العنفية، لم تحظى بتجارب هادئة لمعاودة التأسيس الصحيح، لأن المرجعيات ظلت محيدة ومحايدة وجامدة على صعيد إنتاج المعنى، والانخراط في مشاريع البناء الوطني الفوقي وفق موضوعية التاريخ، تأخذ بعين الاعتبار الواقع والناجز من الوعي الأول الطارئ على الشاكلة الوطنية، من هنا تتضح عمق الأزمة الوطنية التي يحياها الإنسان العربي بمعزل عما يطغى في خطاب الإعلام والسياسة من كونها أزمة تعليم وعناية اجتماعية وتخلف اقتصادي وهي في الحقيقة كلها تداعيات لعمق أزمة الوعي الوطني، بل هي أزمة اغتراب في التاريخ.

المقال السابقالدهشه انها فخ، أنتبهوا !!
المقال التالىتغريدة من البحرين ايقظت وزارة الخارجية العراقية
بشير عمري كاتب صحافي جزائري.. يشتغل على نقد الخطاب السياسي، بالإضافة لاشتغاله في حقول الأدب والفن نقدا وإبداعا يكتب في القصة القصيرة والرواية... عمل بالعديد من الصحف الجزائرية، ويساهم في عدة دوريات عربية وأجنبية. حامل لدبلوم في الاقتصاد التربوي، من المعهد التقني للتسيير. صدر له: 1) حول ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد