سورية والعالم

 

هناك مقولة شهيرة تقول بأن “سورية هي مهد الحضارات ” وحتى تتأكد من مصداقية القول عليك أن تقوم بزيارة متأنية لربوعها لتدرك أنك دائما في مكان مختلف عن باقي دول العالم ، مكان متجدد دوما ، وكلما ازددت تعمقا فيه ازددت تعلقا فيه .
لا يوجد مكتبة جيدة في العالم لا تحتوي الكثير من الكتب والمجلدات عن تاريخ سورية القديم والعريق. وعلينا أن ننوه إلى أن هذه المقالة لا تدخل أبدا في اطار الترويج السياحي والاعلامي لسورية ولكنها تروي حقيقة يعرفها القاصي والداني في هذا الكون الفسيح.
لقد اعترف المؤرخون الأكثر شهرة في العالم بأن سورية هي مهد الحضارة وأن هناك ما لا يقل عن ثلاثين حضارة خرجت من سورية أو عبرتها . وقد تم ذكرها جميعا في الكتاب المقدس . لقد وفر الله لهذا البلد موقعا استراتيجيا فريدا جعل منه محط أنظار الحضارات السامية من السومريين و الأكاديين و الكنعانيين و الفينيقيين و الآشوريين و الحثيين والآراميين و الكلدانيين و الأنباط و والغساسنة والعرب كما تقدم الإغريق والرومان كثيرًا من خلال تعاملهم مع السوريين عبر التاريخ حيث أخذوا عنهم الحكمة والطب والسياسة .

سورية مهد لعائلة اللغات السامية:
ذكرنا سابقا أن سورية هي مهد الحضارات والشعوب السامية وقد امتلكت هذه الحضارات والشعوب لغتها السامية الخاصة وقد امتدت هذه اللغات من الكنعانيين والفينيقيين بدءا من عام 2000 قبل الميلاد رغم أن أقرب تاريخ مكتوب بالنسبة لنا هو 1400 قبل الميلاد أي خلال العصر الآرامي. وقد استمر تأثيره لفترة طويلة حتى عام 600 ميلادي كما انتشرت اللغة الآرامية في جميع أنحاء الشرق العربي وخاصة في زمن يسوع المسيح. لقد تكلم يسوع باللغة الآرامية وكانت بعض أجزاء العهد القديم مكتوبة باللغة الآرامية. أما في الجزء الشمالي من سوري وجزء من العراق فقد تحدث الناس الآرامية الأصيلة التي أصبحت فيما بعد أم جميع اللغات السامية في جميع أنحاء الشرق العربي.

وكما تتطور الحضارات والناس والعادات والتقاليد بالتدريج كذلك تتطور اللغات أيضًا. وهكذا نجد أن اللغة الآرامية هي حقًا أم جميع اللغات واللهجات السامية ومنها ظهرت الفروع التالية :
الآرامية العربية في شمال سورية والفرات. اللغة العربية الفصحى هي الأكثر صلة بسورية وتراثها وشعبها .
الآرامية العربية في الجزيرة العربية مع لهجة بدوية.
الآرامية العربية في إثيوبيا واللهجة هي لهجة اللغة السواحلية.
الآرامية الآشورية والكلدانية في العراق.
اللهجة الآرامية والسورية في معلولا القريبة من دمشق وما زالت تتحدث بها حتى يومنا هذا.
الآرامية للأنباط في الأردن واليمن . و الغساسنة الذين أتوا إلى سورية من اليمن وأقاموا المدن والبلدات و تحسنت كثيرا لغتهم العربية النبطية واستمرت لتصبح الكلاسيكية العربية في هذه المناطق كما نراها اليوم. ويجب ألا ننسى أن العبرية والعربية جاءتا من نفس الجذر الآرامي . هناك أوجه التشابه في قواعد اللغة والمفردات. وهذا يثبت أن سورية الكبرى كانت في الواقع “مهد اللغات السامية للعائلة في جميع أنحاء الشرق العربي.

سورية متحف أثار عالمي:
حيثما وليت وجهك في سورية وحيثما ذهب للجبال أو السواحل أو البادية سوف تجد أمامك الآثار والآثار الكثيرة والمعابد الحية وبقايا المعابد . في هذا البلد ، أنت في مكان فريد وشديد الغرابة لتنوعه الثقافي والحضاري والبشري والمعرفي . وقبل سنوات الحرب ، كانت الحفريات والبعثات والتنقيب الأثري واضح للعيان في كل مكان تقريبا من هذا البلد الصغير بجغرافيته الكبير بتراثه الثقافي والحضاري وكان الزائر لهذا البلد يصادف زوارا آخرين من كل الأعراق والقوميات والدول.
اليوم كما بالأمس ، سورية متحف عالمي ونقطة جذب للسياح والزائرين ، على الرغم من أن متاحف الغرب مليئة بأنقاض سوريا الكبرى أو الهلال الخصيب حيث يرى الزائر لهذه المتاحف أجنحة بأكملها وأرضيات كاملة تحتل مساحة كبيرة في متاحف فرنسا وإسبانيا وإنجلترا وألمانيا تحت اسم (أطلال سوريا) وجميع هذه المسروقات والمقتنيات الأوروبية لا تشكل إلا عناوين صغيرة في كتاب سورية المفتوح.
سورية نقطة تلاقي بين الشرق بسحرة والغرب بجنونه ، وقد انتقلت الكثير من الآثار السورية إلى الغرب بطريقة غير مشروعة أثناء حكم العثمانيين والاحتلال الفرنسي والإنكليزي للمنطقة وأثناء الحرب الهمجية على سورية في عام 2011 والتي لا تزال مستمرة حتى اليوم . تروي حكايات المتاحف الغربية قصصا عن الاف المنقبين وعلماء الآثار ممن يمتلكون المال والمدفوعين بروح الفضول والعلوم والدين لاستكشاف تاريخ أسلافنا وحضارتنا القديمة وأثارهم سواء في فلسطين أو سورية أو لبنان أو الأردن أو العراق .
تعالوا معي في رحلة استكشاف تاريخية قصيرة لسورية ونبدأ من اللاذقية إحدى أقدم المدن السورية على البحر المتوسط ومهد للمسيحية الإنطاكية الأولى ونعود في التاريخ القديم الآلاف الأجيال حيث توجد أوغاريت مسقط رأس أول أبجدية في التاريخ وتقع على مسافة عشرين كيلومترا إلى الشمال من اللاذقية ، في أوغاريت تم استخدام الأبجدية لأول مرة في التاريخ بنجاح مع الفينيقيين الذين دفعوا بالحضارة البشرية نحو الأمام ثقافيا وحضاريا وهناك رأس شمرا التي تبعد عن انطاكية حوالي خمسين كيلومترا نحو الجنوب على الساحل السوري الشمالي بمينائها الجميل في مينة البيضا والتي شكلت في يوم من الأيام مركزا تجاريا هاما ربط بين سورية والعراق ومناطق ما بين النهرين ومصر وقبرص ومنطقة بحر إيجة .
ومن حين لآخر يتم العثور على آثار هنا وهناك في أوغاريت ورأس شمرا من قبل السكان المحليين ، ولكن في عام 1928 م خمج أحد الفلاحين سطح قبر مدفون بمحراثه واكتشف اكتشافًا جذب انتباه السلطات للمجيء إلى المنطقة وكانت يومها السلطات الفرنسية مسؤولة عن سورية . وفي عام 1929 ، بدأ علماء الآثار وعلى رأسهم كلود ف. شيفر الشهير بفرنسا سلسلة من الحفريات التي كشفت عن الكثير من تاريخ الموقع . و استمرت الحفريات حتى عام 1939 مما أدى إلى اكتشاف العديد من الأشياء والمكتشفات ذات القيمة الأثرية الكبيرة ، بما في ذلك مئات من الألواح تعرف باسم ” ألواح رأس شمرا ” واستمر الفرنسيون في حفر رأس شمرا ويستمر الحفر حتى اليوم ويشارك السوريون في أعمال الحفر حاليا في رحلة البحث عن الذات والحقيقة كما كشفت الحفريات في وقت متأخر المدينة في العصر البرونزي قبل عشر قرون قبل الميلاد مع وجود اثر للمعابد والمنازل ، وقد كشفت معظمها عن مجموعة من النصوص. وقدمت أحدى هذه الاكتشافات الشهيرة مئات المخطوطات على الحجارة وبعض الصور والتماثيل التي تعطينا بعد الدراسة والترجمة ثروة من المعلومات الغنية. إنها سورية الفريدة بعظمتها وجنونها.

تعالوا معي إلى مدينة حلب الغنية بأهلها وأسواقها وصناعتها وتراثها وفي هذه المدينة تم العثور على ثاني أعظم اكتشاف تاريخي ، وهو إيبلا ، التي تقع بالقرب من مدينة حلب إلى الغرب وكشفت الحفريات كذلك عن وجود الشعوب السامية مثل الكلدان والآشوريين والحثيين و أكثر من ذلك بكثير.
لنعد مرة أخرى إلى اللاذقية حيث تم اكتشاف العديد من المكتشفات الأثرية ذات الأهمية القصوى وهي ” مملكة ماري ” التي يعود تاريخها إلى عهد سيدنا إبراهيم الخليل الذي مر بدمشق وزار صديقه إليعازر الدمشقي (تكوين 15: 2) في دمشق ، نجد المئات من الآثار التي تحكي عن أحداث العهد الجديد وقصص الرسل مثل قصة بولس.
في دمشق الحنون تجد أنقاض مئات من الكنائس الممتدة إلى جميع أنحاء سورية ناهيك عن دير صيدنايا وكنيسة سيدتنا التي تتكرم عليك بزيت الزيتون المقدس و معلولا التي توحي إليك بإرادة الحياة حيث الراهبات والرهبان الذين يتحدثون إليك بالآرامية الآشورية ويعيشون وسط الصخور والشقوق إلى اليوم يروون لك الحكايات وسلاسل لا تنتهي من المعجزات الجميلة .
تعالوا معي إلى الآثار القديمة والتاريخية في تدمر والتي تعتبر العاصمة الداخلية وعروس الصحراء في عهد الملكة زنوبيا . في تدمر ، ستجد شوارع الأعمدة الرومانية والمقابر مع علامات وثنية ومسيحية حيث الصليب والكنائس والكهنة منقوشة على الحجارة.
تعالوا معي إلى بصرى شام المركز الروماني الذي يحتوي أكبر مدرج روماني في سورية.  تعتبر بصرى الشام مركزًا تاريخيًا ودينيًا حيث تم بناء أكبر كاتدرائية هناك في ذلك الوقت وهي كنيسة صغيرة مصغرة عن كنيسة صوفيا الموجودة في إسطنبول في القرن الرابع و قد فككها المسلمون في وقت لاحق بعد القرن السادس الميلادي .
في بصرى الشام ، تم تعميد الإمبراطور فيليب العربي وابنه على يد اللاهوتي الموهوب أوريغون . كما بقيت بصرى عاصمة الغساسنة لعدة قرون حتى عصر الإسلام. كما مر بها الرسول بولس في طريقه إلى الجزيرة العربية لأنها بوابة بين دمشق وتدمر والجزيرة العربية والعراق. كما كانت مركزًا تجاريًا مهمًا لتبادل السلع والمنتجات المختلفة التي تذهب إلى الجزيرة العربية وتعود لاحقًا إلى دمشق). غلاطية 1: 17 ) لذا كانت بصرى شام عاصمة المملكة الغسانية إبان حكم الإمبراطورية البيزنطية. ويجب أن نذكر أيضا أن الكثير من العائلات الحالية في الساحل السوري وجنوب دمشق وحمص ولبنان والأردن وفلسطين تنحدر من الغساسنة .
يقول مارك توين الذي زار دمشق في عام 1860  : ” اذهب حيث تشاء في الماضي العريق ستجد شيئا جميلا اسمه دمشق . بالنسبة لدمشق ، السنوات لا تقاس بالدقائق فالعقود ليست إلا اشياء تافهة تذهب مع الريح . دمشق لا تقيس الزمن بالأيام والشهور والسنوات  لكنها تقيس الزمن بالإمبراطوريات التي شهدت نشأتها ورفاهها وسقوطها . دمشق نوع من الخلود.”
وهناك سلسلة أثيرية تأخذك بعيدا في أغوار التاريخ من القلاع والحصون الجميلة التي ما يزال معظمها صامدا في وجه الريح وعواتي الزمن في حلقة متصلة غير منفصلة من حلب إلى إدلب إلى اللاذقية إلى جبلة إلى بانياس إلى صافيتا إلى حمص إلى حماة . وكل قلعة من القلاع تروي لك حكاية مختلفة عن سورية الغريبة والمدهشة بعوالمها الداخلية والخارجية .
هذه مجرد لمحة مختصرة وحفنة من المعلومات حول أهمية سورية في تاريخ العالم. وهو تذكير لمن نسي أنه ينتمي إلى أرض غالية مقدسة ولن ننسى أبدا ما فعله الآخرون في سوريه الوطن الجميل. لنصلي جميعا ونسأل الله أن ينقذ سورية وأهلها من معاناة الحرب وويلاتها التي لا تنتهي.

لا تعليقات

اترك رد