” شيش بيش ” !!

 

( شيش ) أي الرقم ستة و (بيش ) خمسة ، وهي من مصطلحات ومفردات لعبة ( الدومينو ) التي يزاولها ويتمتع بها رواد المقاهي – أيام كانت عندنا مقاهي ذات نكهة وطعم ومتعة – وأستخدمت كمثل شعبي عراقي ، وتعني : حديث الشخص باضطراب نتيجة عدم توازن أفكاره وتنافرها ، فتجده يتكلم بسرعة فائقة تعجز عن إيقافه ، لأنه يمتلك طاقة متواترة للكلام المتدفق بما لا يمت بصلة لموضوع يمكن فهمه , فتسمع فلان يقول لك على سبيل المثال : ” يمعود هذا خابصنه يحجي شيش بيش ” (1 ).

وفي بلادنا حدِث ولاحرج عن كثرة المتحدثين ( شيش بيش ) ، ومنهم سياسيون يهيمنون على مفاصل الدولة ، ويشغلون مواقع حكومية حساسة ، ومثلهم في الأحزاب السياسية ومجلس النواب والميليشيات المتنفذة ، وممن يحسبون على رجال الدين ، وهم يعلمون جيدا انهم ( شيشيون بيشيون ) !!.

وهذا الجانب طالما تحدثنا عنه وأسهبنا وأطنبنا وطبلنا ( وانبح صوتنا ) ، لكن لاحياة لمن تنادي ، لذلك سأكتفي بالتعليق على ماأوردته مؤخرا وسائل الاعلام ، حول توجيه مجلس القضاء الأعلى للمحاكم والدوائر ذات العلاقة بالتعامل مع المواقع الألكترونية المزورة باعتبارها من جرائم التزوير.

” المواقع الألكترونية (أو وسائط التواصل الاجتماعي أو الاعلام الاجتماعي وبالإنجليزية – Social Media – سوشيال ميديا): عبارة عن مواقع ويب أو تطبيقات تتيح لمستخدميها التواصل فيما بينهم تحت سقف شبكي واحد متصل ومتشعب ، وذلك في ظل الإيقاع السريع للحياة ومجرياتها، وعدم توافر الوقت الكافي للتواصل الفعلي في عصرنا هذا، وبهذا أصبحت (السوشيال ميديا )هي الوسيلة المثلى للتواصل، سواء على المستوى الاجتماعي أو العملي أو حتى على المستوى العائلي” (2 ).

لقد وجد المرسل ان هذه الوسائل سريعة التفاعل ويتلقى رجع الصدى من المتلقي في ذات لحظة الارسال عادة ، خلاف للصحف والمطبوعات الأخرى، وهذا مازاد من التفاعلية ، وخاصة في مجتمع مثل مجتمعنا ظل محروما من هذه التكنولوجيا الاجتماعية لسنين طويلة ، فأصبح يعبر عن أفكاره ومايجول في خاطره بحرية من خلالها دون رقيب ، وهو ماأدى الى حصول انتهاكات وتجاوزات كثيرة تجاه البعض.

وبرغم اننا مع ضرورة وضع حد لكل الاساءات واحترام خصوصية الأفراد ، سواء من قبل العوائل بحسن تربيتها ومراقبتها لأبنائها ، أو بواسطة المنظمات والمؤسسات الاعلامية والاجتماعية والمهنية ، لكن في مثل هذه الأمور علينا أن نحدد الأسباب والمعالجات التي أدت لهذه الظاهرة المدانة والشاذة ، والتي لا تنسجم مع أخلاقنا العربية والدينية ، قبل ان نضع التشريعات واللوائح العقابية ، وهي حقيقة إنسانية يفترض عدم التنكر لها أو تناسيها لأنها تمثل الحق والعدل والانصاف.

ففي وسط بلاد يسودها الفساد والارهاب والمحسوبية والمنسوبية والبطالة والتجهيل المتعمد والتبعية والانتهازية واستغلال الدين والمذهب أبشع استغلال – على الرغم من محاولات الاصلاح اليائسة – يتحتم علينا القضاء على البطالة وتحسين الخدمات وتحقيق الحياة الحرة الكريمة أولا ، ثم تنفيذ ماأقر من قوانين وأومر قبض صادرة بحق كل من يقف خلف ماذكرناه آنفا ، بغض النظر عن مكانته ومركزه ومحاسبته بما يرضي الله ، مع مراعاة عدم حشر المواقع الألكترونية الوطنية أو المعارضة التي لاتخالف الأنظمة ضمن عناوين ( التزوير ) ، ثم من بعد ذلك كله ، يأتي دور مساءلة من وقع ضحية هذه المسببات.

يقينا ، متى ما أنصفنا وسلمنا بذلك ، فقد حصحص الحق ، وأما بخلافه ، فإن كل مايقال ويشرع لايعد أكثر من ( شيش بيش )!!.

1- بتصرف وتعريق ، نحچي شيش بيش ، د. صادق السامرائي ، كتابات في الميزان ، 19-9-2015.
2- ما هي السوشيال ميديا؟ (مواقع التواصل الاجتماعي) ، مجدي كميل ، الرابح ، 18 مايو 2019.

لا تعليقات

اترك رد