موجة جديدة من إجراءات التخفيف النقدي الكبيرة


 

ضيع المسلمون مفاهيم، الربا ولم يتمكنوا من التفريق بين القرض والبيع على غرار المشركين عندما قالوا ( إنما البيع مثل الربا )، وكل أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أتت في ربا البيوع كما في حديث الأصناف الستة، وحذر الله من الربا كما في قوله تعالى ( وما أتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربو عند الله وما أتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ) فهنا في الآية ربط الله سبحانه وتعالى بين الربا والزكاة، فالزكاة تأتي لتطهير المال وهي باب من أبواب انتشال المجتمع من الفقر، في المقابل يفهم الربا في الآية من أنه التحذير من جمع هذا المال دون وجه حق ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ).
فجل النقاشات الفقهية لم تكن حول ربا البيع بل جلها حول ربا القروض، مما أخر المسلمين في تجارة التبادلات بسبب نزعة التحريم وغياب تصور نظام المقايضات رغم أنه كان مهيمنا في عصر النبوة، فدخلت البنوك اللاربوية التي تسمى بالإسلامية وهي تأخذ عمولات تفوق عملات البنوك الربوية، وفي نفس الوقت تمنع المودعين من أخذ أي فوائد على عوائدهم بسبب أنها تعتبر ربا الجاهلية، رغم أن في الجاهلية لا يوجد ربا بل كان ممقوتا فيما كان موجودا لدى اليهود وكانوا يمارسونه.
فالمعاملة تكون ربوية إذا كانت في معنى الصدقة كالوديعة والعارية فلا يجوز الزيادة فيها بل هي محرمة، لكن المعاملات في التجارة والرهن والتعاوض إذا كانت الأموال متبادلة بيع بأموال ربوية فإذا كانت حاضرة تسمى ربا الفضل وإذا كان البيع بالأجل كما سماه الرسول صلى الله عليه وسلم بربا النسيئة، ولم يأت تحريم من الرسول صلى الله عليه وسلم سوى في حديث الأصناف الستة ( الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد سواء بسواء فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ) رواه مسلم.
فإذا اختلفت الأصناف فيجور البيع متفاضلا ، وعن ابن عباس وابن مسعود أنه صح عنهما أنه لا ربا في التفاضل أصلا وإنما الربا في النسيئة، أي أن البيع بأموال ربوية الحاضر ربا الفضل والأجل ربا النسيئة ربا مجرد عن عملية البيع فهو محرم، لكن إذا ارتبط ربا الزيادة بالبيع فهو حكمه مختلف ولا يشمله التحريم.
عموما ليس هذا بحثنا بل الحديث هنا في هذا البحث عن السياسة النقدية التي أصبحت اليوم سلاح في ترسانة الحرب التجارية، بعد تفاقم الحرب التجارية بعد إعلان ترمب خططا لفرض تعريفة جمركية تبلغ 10 في المائة على ما تبقى من 300 مليار دولار من السلع الصينية التي نجت من مثل هذه الضرائب.
أي أنها أصبحت حافز جديد سيكون مصمما لمنع ركود عالمي وشيك كما يراه الاقتصاديون بعد التدهور الملموس في عائدات السندات قصيرة وطويلة الأجل، فاتجه الاحتياطي الفيدرالي إلى تخفيض ربع نقطة مئوية في تكاليف الاقتراض لليلة واحدة منذ أكثر من عقد، اعتبر تعديل منتصف الدورة للسياسة النقدية وهي حركة قلصت من حركة سوق السندات وتسببت في اضطراب أسواق الأسهم.
الرئيس الأمريكي في حربه التجارية والضغط من أجل تخفيف السياسة النقدية يستهدف شركات صناعة السيارات الأوربية بجانب التصعيد مع الصين خصوصا وأن ترمب مقبل على انتخابات مقبلة متأرجحة التي يحتاج إلى الفوز، فأي تراجع في اقتصاد الولايات المتحدة بسبب الرسوم الجمركية على السلع الصينية يمكن تقليص هذا الأثر من خلال التخفيف النشط من الاحتياطي الفيدرالي.
أيضا الصين تلعب بورقتها من خلال التساهل مع ضعف الرنمينبي، مقابل مراهنة ترمب على خفض أسعار الفائدة من أجل الحفاظ على الاقتصاد المحلي وبالطبع أسعار الأسهم التي تحولت إلى سلاحا لإعادة صياغة أساسية للعلاقات التجارية، رغم أنها لن تفعل كثيرا لمنع الضرر الكبير على الاستثمارات التجارية العالمية، والخشية أنه يؤثر في النهاية في المستهلكين وبشكل خاص على قطاع الخدمات الذي لا يزال قطاعا مرنا حتى الآن.
يود ترمب أن تتحول الأداة السياسية النقدية ذخيرة وأداة في المفاوضات التجارية حيث الارتفاع الكبير في الأسهم كان مدفوعا بانخفاض حاد في عائد السندات التي تفضلها الشركات ذات الطبيعة الدفاعية وهي ملاذ للشركات عندما يتباطأ النمو الاقتصادي الواسع وتتقلص هوامش الربح كما يتضح من أحدث موجة من أرباح الشركات الأمريكية والأوربية حتى تقتنع الصين وأمريكا من أن الحل هو إنهاء الحرب التجارية.

الفائدة المتدنية تضر بالمصارف الصغيرة والمتوسطة في منطقة اليور، كذلك سجلت أسعار الذهب خسائر بنسبة 12 في المائة منذ ارتفاع عند 1205.78 دولار للأوقية في 13سبتمبر 2018 نتيجة زيادة أسعار الفائدة، لكن قفزت أسعار الذهب بعد خفض أسعار الفائدة ربع نقطة مئوية وبسبب زيادات التوترات التجارية متجاوزة حاجز 1500 دولار للمرة الأولى في أكثر من ستة أعوام مع إقبال المستثمرين على الملاذات الآمنة.
الاستثمار الصيني يهبط بأميركا 90 في المائة عن عام 2016، وبعد تصنيف الصين متلاعبة بالعملة حيث سجل اليوان أدنى مستوى له في 11 عاما، وبكين لديها حافز لمنع أي تخفيض إضافي في قيمة العملة لمنع هروب رؤوس الأموال، والصين تطلق الرصاصة الأولى في حرب العملات، وهناك تحذير من سيناريو الكساد العظيم، والحرب الباردة تخنق وادي السيليكون وقطاع العقارات الأميركي، هناك تنازع الأقطاب على وضع معايير تقنيات اليوم وغد، فالحرب التجارية تصعيد هائل لنضال مستمر بين الشركات المتنافسة وحكومتي أمريكا والصين للسيطرة على معايير الاقتصاد الرقمي وتقنياته، فأسعار الفائدة المنخفضة للغاية جاءت لتبقى.

لا تعليقات

اترك رد