سمكة الوادي الأخيرة


 

ماء بلا سمك ممكن ولكن سمك بلا ماء، ضرب من المستحيل، أما أن تنقرض الأسماك من جدول الماء هكذا مرة واحدة إلا واحدة، فهذا ما قد يقتل العقل!

لكن مع هذا كله، صدَّقت “الخبير” هاته المرة أيضا ، إذ زارني على غير عوائده بآخر الليل.. نعم صدقته لأن كل أخباره السابقة كانت صحيحة، وتنبؤاته أيضا، لا بل حتى تفسيرات أحلامه وأحلام غيره، فسبق أن فسر حلمي الوجيع الذي رويته له والعرق يتصبب وقتها في عز الشتاء من وجهي، وهو يقول لي:

– لا حياء في الحلم.. هيا احكي..

وما أن انتهيت حتى أخبرني بأني سأحصل على غرامات من الفضة غير الخالصة ! وحين سألته:

– ولمَ لا الذهب حتى وإن لم يكن خالصا؟

قال لي:
– الذهب هو الكذب في أحلام الرجل والفحولة عندنا تبدأ من الفضة وليس من الذهب !
– وأين تنتهي؟
– قد تنتهي عند الحديد !
ويوم حفل تسلمي جائزة القلم الفضي للصحافة، أنبأت النقيب بنبوءة الخبير، فدنا بشفتيه من مسمعي وهو يصفق سائلا إياي:
– هو خبير بماذا؟
– بتصليح الرديوهات، الشاشات، الحواسيب، الهواتف المحمولة والثابتة، بكفاءة غير عادية ومن دون شهادة !
سحب أذنه من حدود شفتي وعاد بحركة شاقولية من رأسه إلى عاصفة التصفيق على جائزتي الفضية مع الحضور !

ألمني موقف نقيب الصحفيين وعدم تصديق ما رويته له عن الخبير، قلت في نفسي ماذا لو أخبرته بالبقية ! بأنه أخبرني أن الكلاب الضالة التي تفسد رومانسية لعبة الكبار في الظلام،

لن تنبح في تلك الليلة على مشارف المدينة بالليل، وفعلا بت سهرانا، بلا لعب رومانسي في غرفتي الباردة حتى غلبني النعاس، مرخيا السمع باتجاه مدخل المدينة وقد مسح صوت الريح القادم من أقصى البادية كل صوت ولم أسمع كلبا واحدا ينبح، والريح لا تملأ بطون الكلاب !
لكان حينها سخر مني ولطلب مني جلبه إلى التلفزيون ليوظف كمقدم نشرات الأخبار المتوقعة عن حالة الطقس..
فأمسكت عن الكلام !

لكني ظللت على موقفي منه، ولم أشك قط في صدق معلومة الخبير اليوم أيضا، مع أني تساءلت هاته المرة، من تراه عدَّ كل السمك السابح السائح بماء الوادي المدنس الطويل عداً حتى يخبره بهاته الفاجعة؟ رفعت التحدي وقررت أن أكذِّب مؤشر سمك الوادي في نشرته، فسمكة أخرى زيادة ستبطل ما قال ونقل !

وضعت عني القلم الفضي، وحملت الصنارة القديمة التي كان يستعملها والدي في الصيد أقاصي الشواطئ الصخرية السوداء للبحر بوهران، حيث الملح يغسل دنس الحوت فيصبح كله طريا صحيا للناس، كانت الصنارة طويلة متينة من النوع القديم، شبيهة بتلك التي حملها بطل العجوز والبحر لارنست هيمنغواي، كان أبي مولعا بسينما الأبيض والأسود أذكر أني وقفت يوما معه أمام لوحة إعلان عرض فيلم مقتبس عن الرواية، وبعدها بأيام رأيته اشترى تلك الصنارة، وراديو مسجل وطاقية سوداء من نوع “البريه” الكلاسيكي الإيطالي، وسترة رقية ذات أزرار قطنية من نوع أزرق شنغهاي الصيني، ثم حرم المدينة على نفسه بالنهار، وكم أتألم اليوم لعدم وجوده بجانبي حتى أسأله هل عاد من ورائي لدار العرض وشاهد الفيلم؟ هل تراه أُعجب بالعجوز؟ بالبحر؟ بالصنارة؟ أم سوى بلحظة الصيد تلك المعزولة التي كان يبدو فيها على صخر الشاطئ بالصنارة المتدلية كما الرافعة في أشغال البنايات الكبرى، أو لربما هيمنغواي نفسه من يكون قد سكن خيال الراحل والدي؟ كم هو مر على الذاكرة وراثة الأسئلة عن الأموات !

كان القوم على الكراسي بأرصفة المقهى مني يضحكون ويتغامزون، وأنا ماض أماهم إلى الوادي، موقعا بناظري إلى الأرض حيث ظلي يصحبني وكأنه يسحبني، فأبدو من شكل الظل كصار ليخت خشبي قديم يزحف بشراعه العال على موج بحر متلاطم من الرمل، ظننت في الأول أنهم يسخرون من حملي صنارة للصيد بالوادي في وقت بوسعي الاصطياد بيدي، طالما أن أقصى مدى قاع الوادي لا يعدو خصر من يقطعه، أو لربما سخروا من صنارة الستينيات ذات المقبض الخشبي الخشن والبكارة الحديدية ذات الصوت الشبيه بصوت الشريط اللاصق وهو يتمزق حين تتم إدارتها بعدما تسقط السمكة في فخ الطعم،

لكن آخر ما حسبته من سبب ضحكة هؤلاء هو تصوري وأن أحمل صنارة صيد بحرية في صحراء بلا بحر، كمن يخرج من بيته حاملا مظلة واقية من هطول مطر مفاجئ كما لو كان المطر عاشقا للصحراء ويجثم عليها في أي لحظة من عمر النهار ! وحينها تساءلت هل يبدو لهم الجنون في صورتي؟

علقت الطعم برأس الصنارة وأرخيتها حتى دنت وتدلت في قاع الماء، باعدت بين قدمي المتدليتين من أعلى الصخرة، ورحت أبحث في خزانة أغاني ذاكرتي عما بوسعه أن يطربني ويسليني ولا يفزع السمكة الوحيدة التي قال صاحبنا أن تبقت في جداول الوادي، فشعرت بالوحدة وماء الوادي ساكن صامت أخرس ما يكون من حركة الدودة على الأرض، فقلت في نفسي ربما كان صاحبنا محق، ولكان هذا آخر موسم للوادي ثم يرحل نهائيا عن هاته الأرض كما ترحل السحب في السماء، وما السحب سوى أودية متجمد طائرة في الآفاق !

احترت بماذا اهتم، وأنا أقلب في موجات الإذاعات، أبصيد أغنية بهاتفي المحمول بعد إذ حولته لمذياع طبعا ليس بحجم مسجلة أبي في سنوات الستينيات والسبعينيات، أم بصيد السمكة الأخيرة بالوادي المدنس؟ ولست أدري لم تزاحمت فيه كل الأغاني، إلا تلك التي كانت محببة لدى أبي التي رفضت مصاحبتي للوادي..

فجأة شعرت بخيط الصنارة ينجذب مني حتى ليكاد يجذبني صوب الماء، رُحت أدير بسرعة وقوة بكارة الصنارة وصوتها المزعج الشبيه بصوت تمزق الأشرطة البلاستيكية اللاصقة يملأ سمعي، عمود الصنارة تقوس كرامي سهام من ثقل الصيد، كففت عن إدارة البكارة بعد أن استعصت عملية إدارته وصرت أحول سحب الصيد من حبل الصنارة بيدي مباشرة، ولكن شيئا لم ظهر بعد من تحت ماء الوادي الضحل، يا ألهي ما هاته السمكة الوحيدة التي تبقت في الوادي كما ذكر “الخبير”، قلت في نفسي أتراها هي من أبتلع كل أسماك الوادي حتى استحالت إلى حوت؟ في هاته الحالة سأكون كم ضرب أسماكا بطعم واحد، وسأستحيل إلى نجم خاطف لحديث الشاشات وصوري على أولى صفحات الجرائد والمجلات، طبعا سوف لن أفرح تحت الأضواء وفلاش آلات التصوير بصيد عديد الأسماك وستتوهج الإنسانية مني وأنا أصرح بأني خلصت السمك الرقيق من الوحش الذي سكن أحشاء الودي وابتلع كل خيراته الحية منها والميتة، وساعتها ستدوي عواصف التصفيق أمامي وتكتب عن رواية الفتى والوادي تقتبس هي الأخرى للسينما وسأروي التفاصيل لأبي حين أزور قبره كما كل يوم جمعة، ثم تساءلت ماذا لو سألني أبي عن حقيقة بطولتي هل فرحت بوافر صيد السمك أم بتخليصه من وحش الحوت؟

شعرت بقوة خارقة تجذبني أكثر إلى فوهة مشرعة بقاع الوادي، فلتت الصنارة من يدي، لم استطع الصراخ بعدما ملأ الماء المالح فمي وأحشائي وما شعرت سوى بيده وقد امتدت إلي

أحسستها وقتها أقوى من خشب عمود الصنارة تشبث بها حتى كدت أكسرها ولما أن علا رأسي سطح الماء وتنفست، وجدته يحاول بأقصى ما بعضلاته من قوة يخلص ذراعه من قبضتي، نظر إلي ضاحكا وهو يقول:

– يومك سعيد ومفيد، لست مضطرا لبيع قلمك الفضي، فقد أصلحت مسجلة والدك القديم، وغذاؤك اليوم مضمونا حتى وإن نمت إلى العاشرة صباحا، لقد عدت من السوق بحوتين واحد لك وآخر لي !

عاود نظر إلي مليا، بعدما أنبني على إصراري على البقاء بغرفة أبي القديمة، قام فأزاح الستائر، نزع من على مقبض قفل النافذة طاقيته السوداء وسترته من قماش أزرق شنغهاي الصينية وألى بهما إلى بقايا سريره الخشبي، وفتح النافذة فغزا الهواء الرطب المفعم بملوحة الماء وروائح صدأ أفلاك الصيد الصغير الحديدية |أرجاء الغرفة، تبسم وهو يربط مسجل القديم بالكهرباء الجديدة التي أوصل الحي بتيارها مؤخرا، وكم كانت صعقتي حين ضغط على زر قراءة ذلك الشريط الشفاف الذي لم يخرج من أحشاء المسجل مذ دخل أبي أحشاء القبر، وتفجر بوقه بمقطع من أغنية أبي العاطفية المفضلة على الشاطئ لحظة الصيد “عيوننا إليك ترحل كل يوم”.. لحظتها سألني متهكما:

– شخصيا لست أدري إن كان المرحوم يعشق القدس أم فيروز؟
ذهل لجحوظي الغريب، دنا أكثر مني واضعا ظهر كفه على جبيني وهو لم يزله مصدوما في صمت من سؤالي له:
– وهل لا يزال في البحر حوت؟

لا تعليقات

اترك رد