أوفاق وطلاسم وبشر .. في التشكيل العراقي المعاصرة ج 2

 

الارتداد نحو الجذور (الجماعات الفنية) :
ان الثقافة منذُ خمسينيات القرن الماضي قد مارست طقوسها في الفن بعد ان حاولت إلى حدٍ ما ، لحظة ارتباط الثقافة بالكتابة ، القضاء على خرافة الأشباح ، فمن خلال العلم والعمل الفكري المتواصل ، يعمق الفنان العراقي كيانه الروحي بالثقافة ، ليتسامى بالوجود إلى مناطق المثال ، لتمتد العلاقة الجدلية ما بين الفن كمقولة والفن كثقافة ، إلى جوهر الحضارة كما في أعمال الفنانين العراقيين (محمد غني حكمت – شاكر حسن آل سعيد – سعد شاكر – جميل حمودي – كاظم حيدر – نزار الهنداوي – إسماعيل الشيخلي – إسماعيل فتاح الترك – عادل كامل – محمد مهر الدين – هاشم الطويل ..) ، التي ارتكزت على طروحات الفكر الفلسفي والجمالي والتي تـُحيل صورة المرئي إلى لغة تسبح في فضاء ممتلئ بالعلامات والإحالات المقدسة للوصول إلى الصيرورة الفنية التي تقترح تكوينات استثنائية مرتبطة بالجذور والثقافات الأخرى المعاصرة ؛ أي ان الثقافة هنا تُعد معرفة جمالية بجوهر المرئيات وهي جزء لا يتجزأ عن جسد الحضارة ؛ كونها لغة العصر وجذر الإنسان منذُ الأزمنة القديمة ، لتصبح في نهاية البداية ، مرآة الحداثة .

فالجذور وخاصة عندما تم تأسيس جمعية التشكيليين العراقيين عام (1956) والتي جمعت شمل الفنانين العراقيين ، تكمن في التراث الذي هو الروح والجوهر وهو المعنى الكامن خلف المجهول ..، وهو الطيف المتجسد بالروح ، والتي يُحاول من خلالها الفنان العراقي أن يمنح أشكاله المعاصرة بعداً حضارياً ، اسطورياً .. كما في نتاجات محمد غني حكمت؛ على اعتبار انه قد تيقن بان التراث لا يُمثل فقط الماضي بل هو صورة حاضرة ، مكتملة بالمستقبل ، وهو غاية مرتبطة بالجذور ، تُعبر عن الوحدة المتنامية التي تحوي خزائن الأفكار الأصيلة ، بعيداً عن القشور ، ليتجه الفنان نحو أسرار الرموز والإحالات المشفـّرة بالممارسات الايمائية .

الستينيات بين التعبير والتأثيث :
اتجه الفن العراقي في ستينيات القرن الماضي ، نحو المفاهيم والأفكار ، بعيداً عن الأقنعة الجاهزة التي أفرزت العديد من الجماعات الفنية المحتفية بالتعبير والترميز ، ومن اهمها جماعة المعاصرين (1965) المشتغلة على جماليات التقنية وما تحويه من طاقات تعبيرية دلالية فضلاً عن جماعة المجددين (1965) وجماعة حواء وآدم (1967) وجماعة الزاوية وجماعة فناني السليمانية في نفس العام ،..، وخاصةً عندما انتبه الفنان إلى التراث الممتلئ بالإشارات المثالية المعمقة بالجذور ، التي تربط حاضرنا بماضينا لتقترح منهج يحتفل بالمعاصرة …؛ إذ اقترح الفنان مفردات تشير إلى العودة إلى التراث والى الأعماق ،على سبيل المثال رسومات الفنان شاكر حسن آل سعيد الذي توصل من خلال بحثه عن الأصالة إلى دراسة البيئة والتراث من خلال الجدران واللقى الاثارية في العراق والاقتراب من مفهوم اللوحة الجدار ..، فضلاً عن رسومات الفنان فائق حسن ومنحوتات الفنان خالد الرحال وتكويناتهما الجسدية القريبة من الواقعية التعبيرية المحّملة بخطاب الثقافة ..

فضلاً عن ذاكرة القرية في رسوم الفنان إسماعيل الشيخلي وفي خزفيات الفنان سعد شاكر ، التي قدمت في أواسط الستينيات والتي اعطت قيمة جمالية ورمزية ذات مدلول اجتماعي وحضاري للنتاج الفني ،

بجانب اعمال الفنان كاظم حيدر الملحمية التي تتمحور حول مفهوم الشهيد والشهادة عبر التاريخ الممتليء بالمتناقضات .. وغيرهم من الفنانين العراقيين (خالد الرحال – ضياء العزاوي – نجيب يونس – صالح الجميعي – محمد عارف – خالد الجادر – حافظ الدروبي- محمود صبري.. ) الذين جسّدوا رؤاهم التأملية في أسلوب معاصر ، يضيف إلى التراث الحضاري والإسلامي الفني جمالية خالصة تساعد على توظف الفن لصالح الأفكار المثالية ، فتحرك الذاكرة نحو الغد ؛ على اعتبار ان التشكيلي العراقي قد ورث الكثير من الرموز التراثية في أعماله الفنية التي سجلتها الأساطير العراقية الميثيولوجية .

السبعينيات والاحتفال بالبعد الروحي :
في حدود فترة السبعينيات من القرن العشرين ظهرت العديد من التجارب المحتفلة بجماليات الحرف ومكوناته الزخرفية التي تبحث عن الجوهر وعلى وجه الخصوص تجارب الفنان شاكر حسن السعيد ذات الطابع الصوفي الذي يعتمد التجريد والترميز على حساب الايقون أساساً في اقتراح التكوينات الاوفاقية الجمالية واستلهامه للحرف العربي مع زملائه (جميل حمودي – مديحة عمر – فرج عبو …) في جماعة البعد الواحد (1971) الذين أعطوا اهتماماً واضحاً بالبعد الروحاني للحرف .. وأيضا نجد ان الفنان نوري الراوي الذي جعل من ذاكرة المدينة خطابه الأساسي في اغلب نتاجاته ذات البعد الشعري بحثاً عن رؤية شعرية في الفن تسمح للروحي في الفن ان يتجذر في تكويناته الجسدية . فضلاً عن بعض التجارب التي تناولت موضوعة الأسطورة كدلالة حضارية ، رمزية ، روحانية ، فضلا عن الدلالة الايقونية .. منذ رسومات الفنان محمد مهر الدين والفنان عادل كامل والفنان صالح الجميعي والفنان ضياء العزاوي والفنانة عبلة العزاوي والفنانة بهيجة الحكيم ، عندما إشتغلوا على موضوعة أسطرة الواقع الذي تم إحالته الى مرموزات اسطورية ممتلئ بمناخات روحانية ذات طابع مثيولوجي ، يكاد يكون مثالي الى حدٍ ما للتزوّد بالمعنى المخفي (الطيف) القابع وراء المرئي في مناطق الصمت.

تداعيات الحرب الاولى :
مرورا بتجارب فناني الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي نجد خطاب الجسد قد اختلف لكون الفنان العراقي قد استلهم من طروحات الحداثة وما بعد الحداثة الفكرية ، تطبيقات عديدة –التفكيكية ونظرية التلقي على وجه الخصوص – أثارت مشكلة موت الإنسان ، التي شكلت – التطبيقات – تدمير للمراكز الثابتة والايديولوجيات الوضعية ، المراكز الدلالية وبؤر المعاني المرتبطة بها ..؛ ولكون التفكيكيين – أمثال دريدا ..- قد ابتغوا من ذلك ، تأسيس خطاب فكري جديد يقوم على أنقاظ خطاب الحداثة ؛ اذ يكون موت الإنسان المُعلن هنا ، موت شكل إنسان وليس الإنسان ؛ لان حدث الإنسان هنا ليس مجرد تعبير عن معرفة جديدة ، بل هو تعبير ايديولوجي عن نزوع الإنسان المعاصر نحو الاستغناء عن النشاط أو العقل في إطار مجتمع تكنوقراطي ..؛ على اعتبار ان فن ما بعد الحداثة ، قد احتفل بأنموذج التشظي واللا تقريرية ، اللاتأليفية كمقابل لشموليات الحداثة وثوابتها مع دعوته الى إبداع أساطير الماضي المتمردة التي التي تتناسب مع مفاهيمها ، الرافضة للنماذج المتعالية .

فقد ناهض فن مابعد الحداثة ، وخاصة في نهايات القرن الماضي في أعمال الفنانين العراقيين (محمد صبري – فاخر محمد- هناء مال الله- نداء كاظم – اتحاد كريم – حسام عبد المحسن – مزاحم الناصري – ساجدة المشايخي – هادي نفل – اسماعيل الخياط – عشتار جميل حمودي –كريم رسن – حسن عبود – حيدر خالد – ليلى العطار- ماهر السامرائي- أياد الحسيني – عامر خليل – حسني أبو المعالي – عبدالسادة عبد الصاحب – عاصم عبد الأمير- ضياء الخزاعي – علي النجار – هاشم حنون..) الشكل المنتهي من جميع أبوابه ودعا إلى الشكل المفتوح واللعب الحر والى الأدائية الفردية والغياب ، فضلاً عن سيادة الدال والأثر وعدم ثبات المعنى وعدم جوهريته ، فلا شيء تحت القشرة سوى القشرة ولا شيء تحت التجربة سوى التجربة .

من خلال محاولات الفنان العراقي المعاصر – الثمانيني والتسعيني – في جعل الدال استدعاء للأشكال كدوال عائمة ومنزلقة – على حد تعبير (لاكان) – جعلت المتلقي القاريء ، يلجئ في كل قراءة إلى مخزونه اللاشعوري ، بحثاً عن حالات تقبل التأويل ، أي تمكنه من ان يفهم الخطاب البدائي المفتوح ، من دون

الاستعانة بالمؤرخ ، لينتج من خلالها تحرير الدال لإحداث الاثر في ذاته، بعيداً عما يُريده الآخر … فالفنان التسعيني (عبدالكريم السعدون- محمد قريشي – فاضل نعمة – معتصم الكبيسي – ريبوار سعيد – شنيار عبد الله – صدر الدين امين – سيروان باران – مكي عمران – شداد عبد القهار – كاظم نوير – هايدي الاوسي – محمد الكناني – ماجد شاليار – زينب عبد الكريم- شوقي الموسوي- طه وهيب – عاتكة الخزرجي..) كغيرهم من زملائهم التسعينيون ، حاولوا خرق قوانين اللعبة التصويرية ، عن طريق تقويض المراكز الدلالية وبؤر المعاني ، من خلال تسطير لمجموعة من آليات الإدراك الحدسي التي يرتضيها اللعب ، والقاضية بإحالة الدال إلى دال آخر جديد ، مع تغييب مقصود للمدلول ، مما يؤدي إلى تلون الدوال ، وتعدد القراءات وتشظي الدلالة ، فضلاُ عن انتشار المعنى للتأويل في ككل قراءة .

هذا الانتشار الذي ساعد فنان اليوم – فنان ما بعد الحرب – على ان يخرج من القياس إلى اللا قياس ، من الجمال الساكن إلى المتحرك ، من المقروء الى المكتوب .. في ظل لُعبة الدوال وتغييب المدلول والتي أسست على وفق آليات النص المكتوب ، بعيداً عن النص المقروء ، لإتاحة الفرصة للقارئ النموذجي ، كي يسهم في إنتاج النص ، ليتحول دور القارئ من دوره السلبي – الاستهلاك – إلى الدور الايجابي – النتاج – ليتسنى له المشاركة في إنتاج نص جديد يُمارس إرجاء أبجدية للمدلولات ، من خلال تمسكه بالدال المتسم باللعب الحر .

المقال السابقإلام الخلف بينكم إلاما
المقال التالىالإسلاميون وقاعات الروليت ؟!
الاستاذ الدكتور شوقي الموسوي Prof.Dr.Shawqi Al.Musawi Babel University / College of Fine Arts - شوقي مصطفى علي الموسوي - تولد العراق /1970 - حاصل على شهادة البكالوريوس في الفنون التشكيلية / كلية الفنونالجميلة بجامعة بابل / 1992 - حاصل على شهادة الماجستير في الفنون تشكيلية ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد