القلوب البيضاء تنتصر على القلوب السوداء فى حادث معهد الأورام

 

هذه أم اسمها فايزة يحبها الله، قريبة هى منه بحنانها وخوفها على صغيرها الذى لم يتجاوز سنواته الأربع، جاءت به من بلدتها البعيدة فى سوهاج، لتقيم فى غرفة صغيرة فى المرج تتابع جلسات علاجه الكيماوى فى معهد الأورام.

وهذه أم لا يعيننا اسمها، تعتقد أن الله يحبها، رغم بعدها الشديد عنه، جاءت من قريتها بالفيوم لتودع ابنها أمام حديقة الأزهر قبل أن يقوم بعمليته الإرهابية التى فجر من خلالها محيط معهد الأورام بدم بارد، لتسيل الدماء الساخنة من ٢٠ شهيدا وما يقرب من ٥٠ مصابا، وفزع كاد يقتلع قلوب أطفال صغار يتلقون العلاج.

هذه أم فقيرة على باب الله، زوجها أرزقى وهى لا تعمل، اختبرها الله بإصابة صغيرها بسرطان فى المخ، فلم تستسلم، خاضت معه رحلة علاج، عملية جراحية، ثم جلسات كيماوي صعبة ومرهقة، لكنها لم تجد أمامها إلا الصبر فصبرت، واحتسبت أجرها عند رب السماء الذى لا يضيع عنده صبر واحتساب عباده الضعفاء قليلى الحيلة.

وهذه أم قد تكون فقيرة، لكنها لم ترفض المال الحرام الذى جلبه لها ابنها الارهابى فعاشت به وعليه، معتقدة واهمة وجاهلة أنها تجاهد فى سبيل الله، فلم تمانع أن ترى ابنها وهو يذهب بقدميه إلى الموت، بل ليس بعيدا أن تكون باركت خطواته، ودعت له بالتوفيق.

هذه أم حملت طفلها بين يديها ونزلت به من الدور الخامس بمعهد الأورام، انتزعته انتزاعا من جلسة العلاج الكيماوى، وجلست به إلى جوار المعهد، يغلبها الخوف ويمزق الفزع نظراتها، طالبة الرحمة من الله صاحب اليد الرحيمة، وهى اليد التى لم تبخل عليها فربتت عليها قائلة لها:رب الغلابة موجود.

وهذه أم انتزعت الرحمة من قلبها، جلست إلى جوار ابنها، حتما كانت تنظر له بنظرات قاسية جامدة لا روح فيها، وليس بعيدا أنها كانت تحرضه على العنف والإنتقام والتخريب، ولا ندرى بأى شئ ودعته، ولا ماذا قالت له وهى تعرف أنه يحمل كل هذه المتفجرات فى سيارته ليقتل بها أبرياء لا ذنب لهم إلا أنهم يريدون أن يعيشوا فى أمان.

لقد شاءت الأقدار أن يكون اسم الجانى والضحية واحد، الإرهابى اسمه عبد الرحمن، والطفل الصغير مريض السرطان الذى تزاحم على جسده الألم والفزع لحظة التفجير اسمه عبد الرحمن.

فأى مصادفة جعلتنا نقف لنتأمل تصاريف الحياة وتصرفات القدر.

عبد الرحمن الأول مواليد العام ١٩٩٥ وعبد الرحمن الثانى مواليد ٢٠١٥، الفارق بينهما ٢٠ عاما، كانت كفيلة بأن يصبح عبد الرحمن الأول عضوا بحركة حسم الإرهابية التابعة لجماعة الإخوان، وقادته إلى أن يكون مطلوبا على ذمة القضية ١٢٢/٢٠١٨ جنايات عسكرية ( طلائع حسم).

فى الوقت الذى كان يتفاعل عبد الرحمن الأول مع الجماعة الإرهابية يتلقى من قادتها الهاربين الأوامر لتنفيذ عمليات إرهابية ضد مواطنين أبرياء معلنا الحرب على الحياة، كان عبد الرحمن الثانى يصارع الموت ويرفضه ويجاهد من أجل الحياة متحديا الموت، ففى اللحظة التى تحول فيها عبد الرحمن الأول إلى أشلاء بالتفجير الذى نفذه، كان عبد الرحمن الثانى يلملم أشلاءه رافضا الفناء، مستسلما لجرعة علاج صعبة ومرهقة.

لقد انتصرت القلوب البيضاء الصافية المحبة للحياة رغم الألم على القلوب السوداء المظلمة المحبة للفناء فى حادث معهد الأورام، وكان لابد أن تنتصر، فالعدم لا يستطيع الصمود فى وجه الحياة، والذين يعانون من أجل البقاء أقوى من الذين يتلقون التمويلات من أجل الفناء.

تجلس أم عبد الرحمن الإرهابى الآن يأكلها الخوف والقلق والتوتر من مصير ستلاقيه، بعد أن ودعت ابنها للموت واستقبلت خبر مقتل شقيقه الذى أعانه وهو يحاول الهرب، بينما تجلس أم عبد الرحمن الذى يتحدى المرض مطمئنة، فالله الذى أنقذ طفلها من الموت فى حادث إرهابى قادر على أن يمن عليه بالشفاء، ويخرجه من متاهة السرطان القاسية.

ضع أمامك صورة أم عبد الرحمن الإرهابى، وصورة أم عبد الرحمن المريض.
تأملهما جيدا، ماذا ترى فيهما؟
سأتركك بعض الوقت لتكون رأيك الخاص، لكن اسمح لى أن أقول لك ما رأيته أنا.
فى الصورتين سنجد مصر وناسها.
فريق يجاهد من أجل الحياة رغم الألم، يتحمل فى ذلك كل ما نتخيله من صعاب.
وفريق استسلم للشيطان، تحالف مع جنوده، خضع لسلطانه، باع نفسه، وقرر تخريب كل شئ.

لقد استمعت لأم عبد الرحمن المقاوم، سيدة مصرية فقيرة قليلة الحيلة، لكنها صامدة نبرات صوتها رغم وهنها إلا إنها متحدية وماضية فى إنقاذ نصيبها من الحياة، وتخيلوا أنتم صوت أم عبد الرحمن الإرهابى الآن، حتما سيكون صوتا مخنوقا مرتعشا منسحبا، فقد قتلت أولادها وخسرت الدنيا والآخرة.

لن أستعجلكم وأطلب منكم أن تقولوا لى ماذا رأيتم فى الصورتين، فقط سأقول لكم أن حادث معهد الأورام علمنا من جديد أن أبناء الحياة يعيشون مرفوعى الرأس، وأبناء الموت يمضون يلاحقهم العار إلى الأبد.

المقال السابقبانوراما الربيع العربي والنفوذ الايراني ماذا بعد؟
المقال التالىسمكة الوادي الأخيرة
د. محمد الباز كاتب سياسى رئيس مجلسى الإدارة والتحرير لمؤسسة الدستور مقدم برنامج ٩٠ دقيقة على قناة المحور مدرس الصحافة بكلية الاعلام جامعة القاهرة اهم مؤلفاته العقرب السام ... عمر سليمان جنرال المخابرات الغامض كهنة المعبد ... أسرار السياسة والصحافة التركة الملعونة ... كتاب الأسرار ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد