البَحْرُ فراشيَ والصَّحراءُ وسادتي (1/2)


 

أَرْعَدَ البَياضُ،
أبْرَقَ الحبْرُ،
وانْهَمَرَ الصَّمْتُ.

أعَشَبَتْ حُنْجُرَةُ الأرْضِ
وَانْطَلَقَتْ غزالةُ الضّوءِ
مَغْسُولَةً بِرَذاذِ غَيْمَةٍ مِن بُحُورِ الخليلِ
بَعْدَ أنْ كَشَفَ عَنْ قِيعانِها انْسِحابُ الماءِ
إلى جُذُورِ البَراكِين:
خَرَائبُ سُفُنٍ وَهَياكِلُ حِيتانٍ
وَضَفادِعُ نَثْرٍ يَروي نَقِيقُها مَلاحِمَ أطْلالٍ مُكابِرَة.
قِفا نَبْتَدِع لُغَةً مُغايِرَةً –
دَعانا الشِّعْرُ.
كُنّا مُتَعَانِقَيْن وَعُرْيُنا يَثَّاءَبُ في عَتَباتِ النَّوْمِ.
كانت القصيدَةُ ثَيِّباً
وَأنا أتَفَقَّدُ عُذْرِيَّتي!.
…………..
كأنَّ رَغْبَاتنا يَخْضُورٌ كاذِبٌ
تَمْتَصُّهُ جُذُورُ حَماقاتِنا الكاذِبَةُ
لِتَقْذِفَ مِن أرْحامِها على ضفافِ نَهْرِ الحياةِ الرَّماديّ
هؤلاءَ الأطفال/مَلائكةَ وَمُلُوكَ الابتِزازِ العاطِفيّ،
هذهِ المشاريعَ الصَّغيرةَ لِضَحايا وَأشرارٍ قادِمِين!.
………….
كأنَّ فَراشاتٍ بِهشاشتِها تَقضمُ عِظامِيَ
والنَّسيمُ يَيْبَسُ في رِئتَيَّ.
كأنَّ قَدَمَ جَبَلٍ هائجٍ داسَتْ ظَهْرَ كَفِّيَ
عنْدَما هَمَمْتُ أن أرْفَعَها احْتِجاجاً ..،
وَكأنِّيَ لَمْ أعُدْ ذلكَ النَّمرَ الآسيويَّ
الذي يَحرثُ الصَّخْرَ وَيبذرُ الشَّرَرَ بِمَخالِبِهِ
مانِحاً ضحايا الظّلامِ سَنابِلَ الضَّوء.

أمْ كُنْتُ في غَيْبُوبَةٍ أفَقْتُ مِنْها اللحْظَةَ،
مُنْذُ انْقِذافِيَ عَن صَهْوَةِ الرِّياحِ التي انْكَسَرَتْ ساقُها-
إلى بَطْنِ سَفينَةٍ
لا بُوصَلَةَ لَها؟!.
…………..
سَأترِكُ لِي ما تَبَقَّى مِنّي
فَأنا أيْضاً قَدْ أكُونُ في حاجَةٍ إليّ.
قَد أرَمِّمُ قاربَ رَغْبَةٍ أزْبَدَتْ أمواجُها
على صُخُورِ غِواياتٍ لا تَنْتَهِي،
فَمَن يَعْرِفُ ماذا يُخَبِّئُ هذا الجَّسَدُ المُكابِرُ
في الحديقةِ الخَلْفِيَّةِ
لِرُوحي؟.
رُبَّما قَبْلَ أنْ أرْتَفِعَ غَيْمَةً مِن رَمادِ القصائدِ
أُصادِف امْرَأةً تَتَّسِعُ مَراعِيها
لِغَزالٍ
حَرِنٍ
مَذْعُور!.
…………..
صَوْتٌ بعقالٍ قالِحٍ أو مُقَصَّبٍ
يَشْنقُ أدُنَيَّ على مُفْتَرَقاتِ الصَّمْتِ
بَيْنَ قاسيونَ وبُو قرْنين.
أمْتَطِي مُهْرَةَ الحَنينِ ذِهاباً وَإياباً
مُنْتَشِياً بِصَهِيلِها المَبْحُوح.
ما الذي يَجْعَلُ المَكانَ وَطَناً مُوجِعاً؟-
يَسْأَلُني الغَجَرِيُّ النّابِضُ بَيْنُ أضْلاعِي.
كَمْ خاتَلَنِي المَوْتُ مِنْ أجْلِ فِكْرَةِ وَطَنٍ
خَانَتْنِي وَلَمْ أعْتَبِرْ،
أنا طَرِيدُ نَحِيبٍ قادِمٍ مِن مُسْتَقْبَلي
أمْ دَريئةُ البَنادِقِ التي تُطْلِقُ إلى الخَلْف؟.
أغْفُو على أصابِعِي
وَأنا أعدُّ أعدائي!.
**
إسرائيل..إسرائيل،
مَتى تُقْلِعِينَ أو تُقْتَلَعِينَ مِن أمْعائنا؟
هَلْ يَطلعُ مِن أعْماقِ أساطيرِنا
عمْلاقٌ يُلْقِي بِكِ مِن أعالِي أسوارِ عَكّا
إلى هاوِيَةِ الخُرافة؟.
جَفَّتْ يَنابيعُ دَمِنا
وَنُيُوبُكِ الفُولاذِيّةُ حَكَّتْ عِظامَ الرُّوحِ مُتَلَمِّظَةً
فَهَلْ نَنْدَفِعُ إلى حَلْقِكِ الواسِعِ
مِئاتِ المَلايين دُفْعَةً وَاحِدَةً
وَتَغصّينَ بِنا حتّى الاخْتِناق؟.
إسرائيل ، “يا مُبْدِعَةَ” يأسِنا،
رُبّما في غَفْلَةٍ مِنْكِ،
فَقَدَ صَنِيعُكِ
إحْدى نُقْطَتَيْه!.
**
لِغَزَّةَ بَحْرٌ مُلْقى في شباكٍ مِن لَهَبٍ تَوراتِيّ،
وَمِصْحَفٌ يُخْفِي خنْجَراً في خاصِرَتِها .
مُوسيقاها: شَخيبُ الدِّماءِ، فَرْقَعَةُ السِّياطِ،
أزيزُ الرَّصاصِ الأخَوِيّ ، فَحيحُ أفْعى ألكترونيّة
وَهَدِيرُ رِخٍّ مَعْدَنِيٍّ يُفْسِدُ الهَواءَ بِرائحةِ
الرَّايْخ وَهيَ تَخْتَلِط بِما يَنفثُهُ الفَقْرُ واللِّحِيُّ العَطِنَةُ.
لَيالِيها تَزيدُها الشُّمُوعُ قَتامَةً
وَنَهاراتُها مُضاءَةٌ بِشُحُوبِ نَجْمَةِ داوود،
وَنَحْنُ النّشامى، لَها مِنّا صَمْتُنا الأشَدُّ فَتْكاً بِها
مِن أنفلونزا الخنازير!.
**
حَجَرٌ يَحلمُ بِجناحَيْنِ مِن مَعْدَنٍ لا يُذِيبُهُ الجَّحيمُ
فَيَرْتَفِعُ إلى قَبْضَةِ اللهِ سائلاً بمَذلَّةٍ غاضِبَةٍ :
اقذفْ رَحمَ اسرائيلَ بِي
وَاجْعَلْنِي شاهِدَةَ عُقْمِها
إلى أن تَجفَّ أنْساغُها
وتهرَّ أوراقُها عَن أغصانِها الذّابِلَةِ
وَيَيْبَسَ جِذْعُها
وَتفرَّ جذورُها بَعيداً في باطِنِ الأرْضِ والتّاريخِ
إلى فُوهةِ بُرْكانٍ
فَربّما يَهدأ رُوحِيَ يا الله
أنا الحَجَرُ الذي يَخْتَنِقُ بِغُبارِ حُنْجُرَتِهِ!.

(1)
الجَّبَلُ الذي أنْزَلَ تُونُسَ عَن قرْنَيْهِ،
وَأطْلَقَها غَزَالَةً حُرَّةً على شاطئِ البَحْرِ
تُعْشِبُ الرِّمالُ إثرَ خُطاها ،
أخْفانا في لحْيَتِهِ الخَضْراء
قَبْلَ سَبْعٍ وعشرينَ سَنَةً،
وَثَمّةَ تَذَوَّقَ لِسانُكِ أمْلاحَ بَحّارٍ مَهْزُومٍ
وَبَيْنَ شِفاهِيَ وَأصابِعِيَ انْفرَطَتْ حَبّاتُ
رمّانِ قابسَ،
لَمْ أدْرِ يَومَها أنَّ الأقدارَ صاغَتْ لِقَلْبِيَ
رَصاصَةً مِن فضّةِ تانيتَ
ما زلتُ بِها أحيا!.
…………….
سَلِينِي يا سَليلةَ الزِّئبَقِ
إنْ عَلقَتْ في مُختَبَراتِكِ اللعوبَةِ
فئرانُ عَواطِفِيَ البَيضاء
كي تسمعي مُواءَ قِطٍّ رَابَطَ على عَتَبَةِ
الذي كانَ قَلْباً.
لَقَد كانَ يدقُّ أبواباً انْفَتَحَتْ جميعها على فَراغٍ أدْرَدَ
يَبْتَلِع فَراغاتٍ مُزْغِبَةً،
فاعْتَمَرَ- الذي كانَ قَلْباً- تُوَيْجَهُ المُرَصَّعَ بالخَيْباتِ،
واتَّخَذَ مِن أبْهَرِهِ عَصاً يَهشّ عَنْهَ بِها
كِلابَ الوَفاءِ الجَّرْباء
حاثّاً خُطاهُ خَلْفَ سَرابٍ في صَحْراءِ الرُّوح!.
……………..
أُفُقٌ شاحِبٌ يَنصبُ الثُّرَيّا فَخّاً لِطُيُورِ الرّغباتِ المُهاجِرَةِ ،
والثُّرَيا نَهْدانِ تَقطرُ حلمتاهُما نُوراً يَتلامَعُ
على جَسَدٍ تَكَسَّرَتْ أمواجُ شَهْوَتِيَ
على أصابِعِ قَدَمَيْهِ.
كَفَّت الشُّهُبُ عن التَّساقُطِ
لَمّا الليلُ اسْتَعارَ تَجَعُّدَ شَعْرِكِ .
رَمادُ غُليونِهِ المُشْتَعِل
يَنْفثُ الغيومَ مُدَخِّناً وحْدَتَه
ذلكَ القَمَر الطّالِع مِن رَحمِ الفضّةِ،
أمْ أنّها سُحُبٌ تَخْبو
بَعْدَ أنْ علقَتْ في طيّاتِ التّجاعيد؟.
………….
أرِقاً يَتَصَفَّحُ “الفيسبوكَ”،
يَقرأ الوُجُوهَ المُتلعثِمَةَ
وَيُصْغي إلى أقنِعَةِ قُلُوبٍ تعبرُ الوَقْتَ
بِلا وجْهَةٍ
وَلا بُوصَلَة.
اقْتَلَعَ نَظَراته اليابسةَ عَن جُدرانِ وحْشَتِهِ
وَحَدَّقَ في مرآةِ قَلبِهِ
حتى انْكَسَرَتْ
وأغْرَقَ النَّزيفُ الأعْمى
أضلاعَ الليل..
اسْتَرْخى وغفا
حاضِناً جراحاته المَفتوحَة!.

(2)
يَحفرُ مَجراهُ مالئاً ضفافَهُ أشلاءَ كلامٍ وَطَمْيَ نقاطٍ
اكْتَظَّتْ لُزُوجَتُها بإشاراتِ الاستِفهامِ والتَّعَجُّبِ،
وَما أن يمدَّ تمساحُ التَّعَبِ رأسَه مِنَ الأعماقِ
حتّى يدلقَ في جوفِهِ
بُحُور حبْر.
بأيِّ السّنابلِ يَغتَذِي جَسَدُهُ ،
بالفارِغَةِ الحَرِنَةِ أم المَلأى الحانِيَة؟.
الشّمسُ خَضراء
والعُشْبُ ذَهَبِيٌّ
وذاكِرَتي حَليبٌ يَغلِي.
هُوَ النَّهْرُ يَغُورُ في رِمالِ جَسَدِها ،
هِيَ الأمواجُ تلهَثُ على صُخُورِ جَسَدِهِ
حَتّى التّلاشي.
ثَمَّتَ وَهُنا ،
أمْس واليوم وَغَداً،
لا أحَد يُحبّ أحَداً ،
كُلُّ واحِدٍ يُحاوِلُ أن يُحِبَّ نَفْسَهُ
عبْرَ غَيْره!.
………….
شَمَّرَ عَن عَيْنَيْهِ يُحاوِر الأزرَقَ البعيدَ
لكنَّ التِماعَ الوَرْدَةِ كانَ مُبْهِراً.
أيّ صَيّاد ظِباءٍ نَبَتَ في داخِلِهِ ،
أطفأَ شُعْلَةَ قَلْبِهِ
رافِعاً لحافَ اليأس
إلى جَبينِهِ المُتَجَعِّد!.

(3)
بِقَلْبٍ نُحاسِيٍّ دَقّاتُهُ صَدَىً يملأ وِديانَ الرُّوح،
تَقَدَّمْتُ يَسْبقني دُخانُ غُليونِيَ المَحْشُوّ رَغَباتٍ بِرَمادِها تَزهُو.
الشّوارِعُ ملأى بِهِنّ،
سَنابِل قَمْحٍ شامخاتٍ بِفَراغِهِنّ،
يَتَثَنَّيْنَ ضامِراتٍ مُضْمِراتٍ سَرابَ الدَّواخِلِ،
هكذا عَزَّيْتُ النَّفْسَ قافِلاً بِجَسَدِي إلى قَوْقَعَتِهِ،
كأنّي حَجَرٌ يُصْغِي إلى أعشابِهِ الباحِثَةِ عَن ممرّاتٍ لِسِيقانِها
النّحيلةِ بَيْنَ خَلاياهُ.
عُدْتُ إلى سريريَ عَلَّني أريحُ هذا الجّسَدَ المكدودَ
فَلَم أجِدْ لهُ مُتَّسَعاً بينَ أوراقٍ وَكُتُبٍ غَفَتْ مُتَذارِعَةً ،
فانكَفأتُ إلى دُرُوبِ أحْلامِيَ
أمشي نائماً مُتَدَثِّراً بِغُبارِيَ
قبْلَ أن تُوقِظَنِيَ بِرَذاذِها
غَيْمَةُ الحبْرِ التي تهزّها
رِياحُ الأرَق!.
……………..

*الجزء الأوّل مِن قصيدة بعنوان” البحْرُ فراشي والصّحراءُ وسادتي”.

المقال السابق(حجي حمزة الوجهة القذرة للأحزاب)
المقال التالىتحرير العقل
هادي دانيال *وُلِدَ في قرية كفرية مِن ريفِ اللاذقيّة على الساحل السوري بتاريخ 02/04/1956. *التَحَقَ سنة 1973 بالثورة الفلسطينيّة في بيروت وعَمِلَ في عدد مِن مؤسساتها الإعلاميّة كمجلة "الهدف"(مسؤول القسم الثقافي وسكرتير التحرير حتى سنة1979) و"إذاعة فلسطين"(مدير البرامج الثقافية). ثمّ انتقل مع ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد