اقتصاديات تغير المناخ تفرض استراتيجية تبني مزج الطاقة

 

بداية الثورة الصناعية في انجلترا في مطلع القرن الثامن عشر واكبت تطوير النظم الاقتصادية والمعاملات المالية وتعديل القوانين لتوسيع حرية السوق ( النظام الرأسمالي ) والذي صاحبه فتح أسواق جديدة والاستعمار من أجل التصدير واستيراد مواد الخام باعتبار أوربا فقيرة بمواد الخام، وكان النقل البحري النقل الرئيسي في ذلك الوقت، وبدأت الحروب على الموارد وعلى الأسواق وهي ملامح القرنين التاسع عشر والعشرين لحماية مصالح اقتصادية، ولكنها غير صالحة لعصر تتعدد فيه المؤسسات متعددة الجنسيات التي لا تعترف بالأوطان مثلها مثل تيارات الإسلام السياسي التي لا تعترف بالوطنية أو أنها تمتلك ولاءات مزدوجة تكون فيها الوطنية تحل ثانيا ما يعني أن المنطقة العربية متخلفة اقتصاديا عن الدول المتقدمة لم تتمكن من تخطي الجانب السياسي إلى الجانب الاقتصادي والتي تنبهت له المملكة العربية السعودية وقررت الخروج من هذا المأزق إلى الجانب الاقتصادي وتبنت رؤية اقتصادية قائمة على تنويع مصادر الدخل وتبنت في نفس الوقت استراتيجية مزيج الطاقة.
مرت أوربا بعد ظلمات القرون الوسطى بعصري التنوير والنهضة والثورة الصناعية التي تسببت في صراعات وحروب دامية حفاظا على المصالح الاقتصادية، اليوم أوربا الفقيرة بالطاقة الأحفورية تقود صناعة الطاقة الخضراء، وترفع شعارات استبدال صناعة الطاقة المتولدة من الطاقة الشمسية والرياح وحركة المد والجزر بمولدات الطاقة التقليدية المولدة من فحم وزيت وغاز ومفاعلات نووية، وهي طاقة لا زالت باهظة الثمن، وهي تساوي ثلاثة أضعاف ثمن توليد الغاز بحسب أرقام مجلس إصدار لوائح الطاقة التابع للاتحاد الأوربي.
تلك الشعارات التي ترفع في أوربا وفي أنحاء متفرقة في أنحاء العالم في إنقاذ البشرية من كارثة التغير المناخي هي تتزامن مع الثورة الصناعية الرابعة، ولكن من يمول تلك الثورة الصناعية الجديدة في الطاقة المتجددة النظيفة هل قادرة الدول الفقيرة التي لا زالت تعتمد على الوقود الأحفوري؟ أم أن الثورة تكون محددة في جهات محددة من العالم وبشكل خاص في أوربا.
ففي الثورة الصناعية في بريطانيا قامر أصحاب الأراضي الزراعية بتحويل مزارهم إلى مناجم لاستخراج الفحم، ورهنوا أراضيهم لدى البنوك من أجل الحصول على قروض لإقامة مصانع، فمن يمول تلك الثورة الخضراء خصوصا بعد انسحاب أمريكا من اتفاق المناخ في باريس عام 2015.
اتفاق المناخ منذ قمة الأرض عام 1992 التي صدقت عليها 197 دولة ولكن بروتوكول كيوتو 1995 لم تكن فيه الولايات المتحدة والصين والهند وهي الدول الأكبر المتسببة للتلوث وان كانت أصبحت في اتفاق باريس 2015 قبل أن ينسحب ترمب من اتفاق باريس حتى لا تتحمل الولايات المتحدة نفقات إضافية وأمريكا في مرحلة تقليص العجز التجاري مع دول العالم للحفاظ على عظمة أمريكا.
يهدف بروتكول كيوتو إلى خفض انبعاث الغازات وبدأت فترة الالتزام 2008 – 2012 وفترة التزام ثانية 2013 – 2020 وكان اتفاق باريس هدفه التحول من اتفاق إطاري إلى تاريخي من أجل تسريع وتكثيف الاستثمارات اللازمة لتحقيق مستقبل منخفض الكربون، وكان شعار اتفاق باريس على أن اقتصاديات تغير المناخ وفقا لستيرن من أن هناك خسائر في الناتج الاقتصادي العالمي سنويا 5 – 20 في المائة لكن تكلفة مكافحة التغير المناخي 1 في المائة.
حيث يرى مؤيدوا التغيير المناخي أن الاحتباس الحراري هو زيادة في ثاني أكسيد الكربون وغاز الميثان وبعض الغازات الأخرى تسمى بغازات الدفيئة، ويعتبرون أنه منذ القرن العشرين زادت درجة حرارة الأرض بسبب التلوث التي ارتفعت بين 1880 – 2012 بنحو .85 درجة مئوية وارتفعت إلى 1.5 درجة مؤوية في 2018 ولا يريد العلماء أن ترتفع أكثر من 2 مئوية قبل عام 2100 حتى لا يتسبب في ارتفاع منسوب البحار وتغير ونمط كمية هطول الأمطار والتسبب في توسيع الصحاري المدارية التي تتسبب في الفقر وزيادة الهجرة إلى أوربا مع انحسار الأنهار الجليدية، وانكماش غابات الأمزون، فيما هناك علماء يعتبرون هذا التغير طبيعي ضمن الدورات المناخية التي يمر بها الأرض.
لا يوجد في أوربا نفط سوى في النرويج بنسبة محدودة جدا وتستورد غازها من روسيا، وهناك نحو عشرة دول سينفذ لديها النفط خلال عقد من الزمن وهي البرازيل، الصين، ماليزيا، أنغولا، إندونيسيا، المكسيك، الولايات المتحدة، النرويج، كولمبيا، تليها دول ينتهي فيها النفط في فترة لاحقة مثل ليبيا ونيجيريا وكازخستان، تبقى دول تهيمن على سوق النفط وهي السعودية ، فنزويلا، كندا، إيران، العراق، الكويت ، الإمارات، روسيا.
لذلك الرأسمالية الليبرالية هي سبب هذه الموجة وهي وراء شعارات الحفاظ على البيئة، رغم أنه مطلب أساسي، لذلك هناك استهداف عمالقة صناعة البترول في العالم وبشكل خاص في الولايات المتحدة، فهناك دعاوي قضائية ضد أكبر شركات إنتاج البترول في الولايات المتحدة مثل إكسون وبريتش بتروليوم وكونوكو فيليبس ورويال داتش شل وشيفرون كمدعى عليها، على الرغم من أن عدد الشركات المذكورة يراوح بين خمس شركات إلى 37 شركة، وهناك 11 قضية رفعت من قبل هيئات عامة متضررة ضد شركات محددة ارتكبت مخالفات ويسعى الشاكون إلى الحصول على تعويضات مالية، وهي قضايا تدور حول التعويض عن السلوك الماضي.
فتكلفة التعامل مع تغير المناخ على المجتمعات ضخمة بالفعل، وفي عدد من القضايا المتعلقة بالمسؤولية المناخية في الولايات المتحدة وقف القضاة إلى جانب شركات النفط بأنه لا يمكن اعتبار الشركات مسؤولة أمام محكمة فيدرالية عما تصدره من انبعاثات الغازات، رغم ذلك تعتبر تلك القضايا إحراج لتلك الصناعة، خصوصا عندما يبدأ البترول بالنفاذ، كذلك أوربا تفرض ضرائب عالية على النفط تصل قيمتها ضعفي سعر البرميل، وبلغ متوسط ضريبة مجموعة الدول السبع الصناعية G7 على كل برميل نفط مستورد عام 2017 نحو 101.5 دولار ما يعادل نحو 1.86 مرة من متوسط سعر برنت البالغ نحو 54.7 دولار للبرميل في العام نفسه، وهو ما جعل وزير الطاقة السعودي خالد الفالح في تصريحات على هامش مشاركته في محادثات الأمم المتحدة حول المناخ في بولندا أن مثل تلك الخطوات من قبل الحكومات الأوربية تعرقل جهود منتجي النفط مثل السعودية والرامية إلى تزويد أوربا وغيرها من المستهلكين بكميات وفيرة من الطاقة وبأسعار في متناول اليد.
هناك تقرير صدر مؤخرا عن شبكة سياسة الطاقة المتجددة للقرن الحادي والعشرين إلى أن الاستثمارات الجديدة لمشروعات الطاقة المتجددة تجاوزت قيمة ما يتم إنفاقه على التجهيزات الجديدة لتوليد الطاقة من مصادر الوقود التقليدية حيث بلغت الاستثمارات العالمية في مجال الطاقة المتجددة 288.9 مليار دولار في عام 2018 مما يجعله العام التاسع على التوالي الذي تتجاوز فيه الاستثمارات 200 مليار دولار ولا يشمل هذا الرقم الطاقة الكهرومائية التي شهدت استثمارا إضافيا بقيمة 16 مليار دولار.
في المقابل بلغت الاستثمارات في المولدات الجديدة التي تعمل على الفحم والغاز نحو 95 مليار دولار أي ما يعادل ثلث الاستثمارات في الطاقة المتجددة خلال عام 2018، وتمت إضافة 100 غيغاواط من طاقة الخلايا الكهروضوئية وحدها في 2018 وهو ما يكفي للوفاء بأكثر من ربع الطلب على الكهرباء في فرنسا، وفي بريطانيا تجاوزت الطاقة المتجددة لأول مرة بنحو 48 في المائة على الطاقة الأحفورية بنسبة 47 في المائة رغم ذلك لا تزال الطاقة الأحفورية عالميا تشكل 92 في المائة وتشكل الطاقة المتجددة 4 في المائة والكهرومائية 4 في المائة، ما يعني أن العالم أمامه مرحلة طويلة للتحول إلى الطاقة المتجددة.
استحوذت الطاقة الشمسية على حصة الأسد في الاستثمار العالمي بمبلغ وصل 139.7 مليار دولار في 2018 بانخفاض 22 في المائة، فيما زاد الاستثمار في طاقة الرياح 2 في المائة ليصل 134.1 مليار دولار وتراجعت القطاعات الأخرى كثيرا على الرغم أن الاستثمار في الكتلة الحيوية وتحويل النفايات إلى طاقة ارتفع بنسبة 54 في المائة ليصل إلى 8.7 مليار دولار.
وكان التوزيع الجغرافي لتلك الاستثمارات حيث استحوذت الصين على 91.2 مليار دولار أي ثلث الاستثمارات العالمية رغم انخفاضها 37 في المائة عن عام 2017.
إمداد العالم بالكهرباء ليس بالمهمة السهلة مع وجود أكثر من مليار شخص يعيشون في ظلام دامس أي ما يعادل 13 في المائة من سكان العالم معظمهم في البلدان النامية، بجانب توقعات بارتفاع الطلب العالمي على الطاقة 40 في المائة خلال ال 20 عاما المقبلة.
اعتمدت صناعة توليد الطاقة ما بين الآثار البيئية ومنافع الإنتاج، كتحويل الفحم السائل لطاقة آمنة وصديق للبيئة عبر تقنية المراحل فوق الحرجة، حيث 85 في المائة من الطاقة الكهربائية تنتج من قبل الدول النامية وهو ما يدفع هذه الدول لتبني استراتيجية مزج الطاقة، ويمكن استخدام الفحم والنفط بطريقة ثورية وبتكلفة مالية معقولة رغم تقلب المواقف السياسية.
من أهم الدول التي لجأت إلى استخدام تكنولوجيا الفحم لتنويع مصادرها وإنتاج الطاقة حيث تستخدم الصين 80 في المائة من الفحم النظيف مقابل 20 في المائة للغاز، ونحو 50 في المائة في الولايات المتحدة ويزيد على 30 في المائة في كوريا الجنوبية.
وبدأت ماليزيا منذ عام 2011 استغلال التكنولوجيا الحديثة في إنتاج الفحم النظيف بطاقة إنتاجية تصل ل1000 ميجاواتـ ، فالفحم كما النفط منجم للطاقة يكفي العالم 150 عاما.
فهناك إجماعا على أن محركات الاحتراق الداخلي ستظل سائدة لعقود قادمة، خصوصا مع توصل شركة أرامكو إلى تقنيات مبتكرة تتعلق بمحركات الاحتراق الداخلي التي يتوقع أن تحدث تلك التقنيات تحولا هائلا في كفاءة محركات الاحتراق الداخلي ويقلل الأثر البيئي الناتج عن عنها مقارنة بالوقود الثقيل والخفيف المستعمل حاليا.
الوقود الجديد الذي تبنته شركة أرامكو قادر على خلق مزايا تنافسية وبيئية هائلة، وسيكون الوقود الجديد قادر على الالتزام بتنفيذ التزامات التغير العالمي للمناخ، وفي نفس الوقت مواجهة تحديات لنقل على المستوى العالمي في آن واحد، عبر تقنية الإشعال بضغط البنزين لخلق كفاءة مماثلة لكفاءة الديزل مع مراعاة خفض الانبعاثات المسببة للتلوث البيئي، فيما يحسن تقنية الأوكتان من كفاءة الوقود، كذلك تقنية المحركات بطريقة المكابس المتعاكسة التي تعزز فكرة وجود مكبسين في كل اسطوانة من اسطوانات المحرك مما يساعد على التوسع بمعدل أعلى إذ يسهم في نفس الوقت في المحافظة على الحرارة لفترة أطول، الأمر الذي يؤدي إلى كفاءة عالية، بجانب تقنية احتجاز الانبعاثات الكربونية الخارجة من عوادم السيارات وحجزها ثاني أكسيد الكربون وتخزينه ومن ثم الاستفادة منه تجاريا وصناعيا، ففي المرحلة المقبلة يتجه العالم نحو تبني استراتيجية مزيج الطاقة.

لا تعليقات

اترك رد