صراع البيئة والتحضر في لغة السينما – الجزء الثاني

 
صراع البيئة والتحضر في لغة السينما – الجزء الثاني

ومن الأفلام الروائية التي سارت على هذا المنوال فيلم موبي ديك عن رواية للكاتب هرمان ملفل Herman Melville تعد ملحمة كبرى مكتوبة حول صراع تراجيدي بين حوت وأنسان تتخذ من هذا الصراع الضاري وسيلة لتأمل الوضع البشري وعلاقته بالوجود كما تحوله الى كيان رمزي معقد عن كيفية في صراع دامي مع الحيتان التي وجدت نفسها في حالة دفاع عن نفسها وحاضنتها. وهي تحكي عن صراع الإنسان مع الطبيعة ولكن هذه المرة في عرض البحر ومع كواسر الأسماك العملاقة.. وهذا الفيلم يعيد لنا شخصية الفرد الذي يحاول استغلال كل إمكانات الجماعة البشرية ووضعها تحت سيطرته من أجل تحقيق رغباته ونزعاته الشخصية وأهدافه الذاتية ضارباً بأهداف الجماعة التي تشاركه الحياة وآمالها وأحلامها ومصالحها عرض الحائط .

أنها مأساة الأنسان المتكلف الراغب بهزيمة قوى الطبيعة المتمثلة بالحوت الأبيض (موبي ديك) وهي قصة بحارة من اكواتين يتجهون للبحث عن موبي ديك الحوت الأبيض الهائل الحجم الغامض والذي كان مثار تحد وفزع لكل الصيادين على حد سواء لكنهم كانوا يبحثون عن قدرهم في رحلة الخوف والصعاب والفزع والموت بعد أن بتر الحوت قدم القبطان وحطم سفينته وقتل معظم رجاله إنها رحلة تحدي عنيدة ممتزجة بالثأر والجنون ورغم أن فرص النجاة كانت ضئيلة أو معدومة فأن ايهاب بطل الرواية ظل مهووساً بفكرة الانتقام التي البسته الشعور بعدم الرجوع دون تحقيق مبتغاه . . أن هذه المحاولة تنم عن أرادة مشوبة بالقلق من المصير المجهول ولكنها صمت لانتزاع سيطرة القوى الأخرى على الأنسان مهما كانت تمتلك من الجبروت والقوة . لقد دفعت فكرة وحبكة موبي ديك الكثير من المخرجين للنسج على شاكلة موبي ديك فكانت الأفلام الروائية الثلاثة (ثلاثية البحر) لويليم غولدينغ و(الشيخ والبحر) لارنست هنغوي و(البحر البحر) لدوريس ليسنيغ) .

وقد ظهر ما يسمى بالسينما الخضراء. واليوم تشهد السينما إنتاج سيلاً من الأفلام تتناول حماية الطبيعة وعلى المستوى الوثائقي ومنه فيلم اليوم قبل غداً ومياه العالم التي نبهت على خطورة التغيرات المناخية. كما حاول الممثل الكبير ليوناردو دي كابريو إخراج فيلماً وثائقياً يتعرض فيه الى توظيف فكرة نفاد موارد الأرض . وخطورة الموضوع على ما ستؤول إليه النتائج وهو (The 11th hour 5 vor 12) أو (الساعة الحادية عشر المنعطف الأخير) .
ومن المع الأفلام التي تناولت البيئة أيضاً هو فيلم الحيوانات العاشقة للمخرج لوران شاريوني والفيلم الجميل ((هذه الحقيقة التي تزعج)) لآل غور وهو أحد مناصري البيئة في الكونغرس الأمريكي . وفيلم (Home) للمخرج يان ارتس يرتدان ومن الأفلام التي أثارت ضجة وحصلت على الاوسكار فيلم (The Covr) (الخليج) والذي يتناول احداثاً تدور في بحر اليابان وموضوع الصيد الجائر للدلافين مما سبب في تحريض الرأي العام العالمي ضد صيد الدلافين . كذلك فيلم (قروش الماء) والتي يتعرض موضوعه للإبادة الجماعية لأسماك القرش والتحذير من انقراضها .

ولم تقف السينما عند هذا الحد فقد وجدت من هذا الموضوع أي البيئة رافداً ومنبعاً لا ينضب ليس على المستوى التسجيلي كما أوردنا ولكن على المستوى الروائي كذلك التي تكاد تكون نموذجاً مهماً في تناوله لموضوعه الصراع البيئي .
فكان فلم درسو أوزولا درساًَ بليغاً على مستوى العشق الروحي والتصالح مع البيئة من جهة والاجهاز الحضاري على التوازن البيئي من الجهة الاخرى.
تدور قصة الفيلم حول محور الطبيعة والبيئة والصراع البيئي وأدواته الإنسان وكل ما يتعلق بتكوين الطبيعة وعناصرها. يوري سولومين كشاف سوفيتي متخصص بالاستطلاعات الاستكشافية عبر براري وسهوب وصحراء سيبريا ومجاهل الأراضي الروسية ليقدم دراسات في تضاريس التربة لصالح الجيش السوفيتي يلتقي يوري سولومين بشخصية مثيرة للجدل هي درسوأ وزلولا الذي لعب دورها المثل السوفيتي (ماكسيم مونزوك) ودرسوأ وزولا هو شخصية بدوية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث هو عنصر من عناصر الطبيعة وادواتها وهو جزء من الطبيعة يعيش في رحمها كعضو من أعضاء الطبيعة .

يتنفس من خلالها وتعطيه الهواء والماء والطعام ولم يكن يوماً عنصراً سلبياً ازاء البيئة وبقدر ما تهبه الطبيعة سبل عيشه ووسائل بقائه هو بذات الوقت صديقاً وفياً لصيق بها. كل شروط الصراع مفقودة بينه وبين البيئة فتعامله مع البيئة شفاف وحيادي وودي وغالباً ما تدق الطبيعة ناقوس الخطر محذرة درسوا من جبروتها فعندما يهطل المطر يعرف من خلال الحيوان أن المطر سيبدأ بالهطول ويعرف أيضاً متى ينتهي المطر ليباشر حياته الاعتيادية وعندما تهب ريح صرصرير جليدية يسارع الى بناء بيت من القصب والبردي ليقي نفسه خطر البرد والتجلد .. وصداقته للطبيعة تمنعه من قتل أي حيوان فالحيوانات شريكاته في العيش يتقاسمها الماء والطعام والسلام والاستقرار يفهم لغتها وتفهم لغته . وهم يتعاملون كفريق واحد ازاء بعضهم البعض. حتى يتعرف على سولومين الذي يجلب معه فايروس الحضارة المفعم بالذاتية والانانية والعنف والميكافيلية فلا سلطة تعلو على سلطته ولا يتورع في عمل كل شيء من أجل بقاءه بعيداً عن جوهر الصراع حسب المفهوم الأسطوري لأن شخصية درسو هي ليست نموذج منتقاه هو بالأحرى حال هو يعيش في خندق الطبيعة هو ظاهرة لجزء من منظومة الطبيعة المتوازنة مع عناصرها حيث تشكل مرجعياته المجتمعية والاقتصادية والبيئية ليس هناك أي تضاد بين درسو وبيئته ما دامت قد منحته كل مفاتيح الحياة وكودات السلوك فلديه حل مسبق ومعروف لكل مشكلة أو معضلة أنما مشكلته الحقيقية قائمة بين السلوك البدوي الذي يعيشه سلوك المجتمع الحضري الذي يشكل خطراً كبيراً ليس على دورسو وحده بل على كل البيئة الخام متمثلة بالفريق الكشفي والنقيب الكشاف .

في مجال طباع المجتمع البدوي يقول أبن خلدون في مقدمته ناعتهم. (بغلظة الطباع والجفاء والتوحش إنما هو ينظر أليهم من عين الحضر والتحضر وليس عن قرب ومع ذلك قال عنهم أنهم أحسن حالاً فألوانهم أصفى وأشكالهم أتم واحسن وأخلاقهم أبعد عن الانحراف وأذهانهم أثقب في المعارف والادراكات. . فهم أقرب الى الفطرة الأولى) وهذا معناه بأن المجتمعات الفطرية مجتمعات لم تتلوث بملوثات الحضارة وعالمها عالم نقي متوازن مثل عالم حي بن يقضان أو طرزان الشخصية التي ذابت في بيئتها وأصبحت جزءاً منها .
يقول أبن خلدون كلمته الشهيرة (أن الحضارة مفسدة للعمران) ولا يسلم من انانيته ومصالحه الخاصة حتى الهواء والماء والشجر والتراب والحيوان حيث سطوته وجبروته وخوفه يهيمن على الطبيعة ويسخرها من أجل بقاءه أو يمارس قتلها وإعدامها أن اقتضت الضرورة .
وهو على نقيض من درسو اللصيق بالطبيعة جاهل بالطبيعة لا يعرفها ولا يفهم سلوكها ولا يستسيغ نظامها ويعمل جاهداً على السيطرة عليها بشكل تعسفي . . ويمارس بشتى أنواع التعسف الهيمنة عليها وتهجينها وترويضها وإضعافها .

لا تعليقات

اترك رد