الجسد المنفي .. قراءة في تجربة الفنان بغداد بنعاس ج١

 

ولد الفنان المغربي بغداد بنعاس عام 1951 بمدينة أزغنغان المتواجدة على بعد سبعة كيلومترات غرب مدينة الناظور شمال المغرب، حيث تابع دراسته الابتدائية والثانوية. وفي عام 1967 التحق بالمركز التربوي الجهوي لتكوين أساتذة التعليم الإعدادي، ليصبح انطلاقا من سنة 1972 مدرسا لمادة التربية التشكيلية.

وانطلاقا من عام 1973 إلى عام 1980، نظم عدة معارض بالمغرب والخارج، كما انضم عام 1975 إلى الجمعية المغربية للفنون التشكيلية، ثم انسحب من عضويتها بعد ثلاث سنوات.

وفي عام 1982، أقام معرض “خيام البدو” ب Brooklyn Museum Art School بنيويورك. وعن هذا المعرض، جاء في نشرة المتحف The Brooklyn Museum, April 1982: “بنعاس بغداد من الرباط، المغرب، الفائز بمنحة ماكس بيكمان التذكارية 1981-1982. الأمازيغي الذي يعكس عمله حبه العميق لثقافته، ركز على النساء والحجاب والثياب التقليدية في المعارض السابقة بالخارج. يمتح مواضيع أعماله المعروضة بليتل غاليري Littel Galleryمن الخيام البدوية”.

“جمع علامات لطرح تساؤلات”.
تلك هي الفكرة التي تنبني عليها الرؤى الجمالية والفنية في أعمال الفنان بغداد بنعاس.

علامات مقتبسة من المحيط الاجتماعي، من الوسط، من البيئة…من الذاكرة الجماعية والفردية. علامات تتحدى الإنسان المعاصر فتحوله إلى هيئة فارغة من كل محتوى، عبر عنها بغداد بنعاس بجلابيب جوفاء “ترمز إلى هيكل فارغ، شخص مجرد من كل مادة ثقافية، يقبل مصيره والشعارات التي يتم إحضارها إليه دون أي رد فعل”.

علامات توحي حسب خليل لمرابط إلى “شخصيات أفرغت من جوهرها، [تعكس] حضور/غياب كائنات فاقدة لكينونتها”. نعثر على بعض ملامحها لدى الفنان مولاي أحمد الإدريسي (1923ـ1973)، الذي حاول القبض عليها وتجسيدها عبر منحوتات شامخة كانت تؤثث فضاء مشغله بمدينة الرباط، تلك المنحوتات/الذاكرة التي أمست هباء منثورا!

إن مثل هذه السلوكات الجوفاء هو ما يشكل جوهر أعمال بغداد بنعاس وغيره من الفنانين الواعين بحيثيات الدوامة التي تتجاذبهم، ويحضرني هنا الفنان محمد القاسمي (1942ـ2003) ومعاناته وصراعاته التي أمسى يفجرها أشكالا وألوانا على قماشات حرة، لا يلمها إطار ولا تقيدها حدود.

بغداد بنعاس من الفنانين الذين شكلوا جيل شباب سبعينيات القرن الماضي، الذين تخرجوا من المركز التربوي الجهوي للفنون التشكيلية، ومارسوا مهنة التعليم، منهم من انسحب وهاجر الديار، ومنهم من بقي ملتزما بعقد التربية والتدريس. هم ثلة من الفنانين الملتزمين لفنهم أولا وللقضايا الإنسانية المعاصرة، قضايا تراودهم عن أنفسهم ويغازلونها بما يملكون من قوة ورباطة جأش.

هم ثلة من الفنانين الشباب الذين عاشوا صراعات إثبات الذات، وأفلحوا، في وقت، ومازال، ينظر إلى التكوين الفني الذي يعطى بالمغرب أنه دون مستوى ما يلقن بمعاهد الفنون الأوروبية. لكن الشواهد تثبت غير ما يتصوره أصحاب الغرائز العُنْجهية.

بغداد بنعاس، فنان طواه النسيان أو كاد. سكت عنه النقد وأغفله النقاد، ربما لعدم تجاوب سوائل الأقلام وصليل اليراع مع تنقيط بغداد وسواد القرطاس، فتراهم إن هم فعلوا فسيُصَحِّفون الكلام المخفي وراء العلامات والمستور بالشبكات. هم يغفلون أن بغداد بنعاس منذ 1978 تجرأ على خلخلة المحظورات معلنا دون تردد العودة إلى التصوير Figuration، عودة جريئة…عودة عبر الرسم ببساطته وبقوته التعبيرية الصريحة.

الرسم الذي “لا ينظر إليه بعين الرضى في المغرب. ومن يستخدمه، إن لم يكن في يد يسرى، تتم إدانته على الفور … إذا كان المرء يرسم ويراكم الموهبة والتقنية، فهذا شيء لا يغتفر”. (Stouky)

لا ينظر إليه فقط بحنق واستياء من طرف الجمهور العادي ولكن أيضا من الفنانين أنفسهم، أولئك الذين يرفعون التجريد كشعار الجدة والتحديث.

عاد بنعاس إلى التصوير في الوقت الذي كان هذا الأسلوب منبوذا من طرف فناني الحداثة، ومن مارسه يعتبر في نظرهم رجعيا، متشبثا بتقاليد كولونيالية متجاوزة. مع العلم أن الرجعية والتكرار والاجترار لم تسلم منه جل التجارب الفنية العربية عامة، سواء تبنى أصحابها التصوير أو التجريد أو أحد أساليب الفن المعاصر، وذلك رغم الاجتهادات الفردية المتميزة. ف”دون وعي، يواصلون (أي الفنانون الحداثيون)، تقليد الفنانين الأجانب المعاصرين، الذين تغذوا من ثقافة توجد أسسها في عالم آخر، تم بناؤها بالفعل وهيكلتها على أساس الإنتاج والاستهلاك، وهروبا من الخصوصية، يقع هؤلاء الفنانون في الفخ الواضح للنزعة العالمية Universalisme”. (M’rabet)

وفي هذا السياق نفسه، تأتي مداخلة عبد الله الستوكي أثناء “لقاء التشكيليين العرب” بالحمامات بتونس عام 1973 ليصرح أن: ” القيم المستوردة ستبقى متحكمة فينا طالما أننا لم ننقل المعركة إلى قلب “العدو”، في هذه القلعة التي طالما استقل بها: “العالمية universalité “. (سرده لمرابط في كتابه)

وأنا أتحدث عن فنان من شباب سبعينيات القرن الماضي، (الجيل الثاني)، أرى من الضروري الإشارة إلى السياق الثقافي والفني الغامض والملتبس الذي طرّتَ وتنامت فيه كتلة الفنانين الشباب الذين تكونوا بالمغرب، الثائرين على العقلية الأكاديمية المتجاوزة.

يتجاذب قطبان أساسان اهتمامات التشكيليين المغاربة الأوائل: فالبعض يمتح ألوانه وأشكاله من حركات كانت زهورها قد أينعت في بساتين الآخر، ومازالت وقتَها تتناسل ممتطية إزاحة الزمن. واعتُبِر المتح إسهاما شكلانيا تَميع فيه الفَرَدية وتَنْماع الشخصية، حينما يغيب الاختلاف ويثبت السير على خطى الأسلاف. بينما البعض الآخر، ما فتئ منكمشا بين دفتي الممارسات التشكيلية الضيقة والمحدودة، ينظر بعيون رَمِدةٍ، ويتصفح كناشات التاريخ بأيدٍ تبتَّرَتْ عِراقُها، تستكفيه، في ظل مُدخلات الرياح الخارجية، محاولات المغربة marocanisation أو التعريب arabisation العقيمة.

بخلخلة المحظور يكون بغداد بنعاس قد انفصل عن كل الخطابات التقليدية/المقلدة، باترا الأوصال مع الممارسات التجريدية التي باتت عملة رائجة لاشتراع الحداثة والمعاصرة، والتي لم يجد ضالته فيها، بعد أن مارسها لسنوات، متبنيا تكوينات شكلية/لونية بها نفحة مراكز التكوين. لا نخفي واقعا أن جل الفنانين الشباب المتخرجين من تلك المراكز لم يفلحوا في تجاوز آثار دروس مواد التعبير التشكيلي، فبقوا حبيسي نوع من الشكلانية يتميزون بها عن زملائهم الذين تخرجوا من مدرسة الفنون الجميلة، والذين تأثروا نسبيا بأساتذتهم، رواد الحداثة الفنية. تلك الرؤية الشكلانية الاختزالية للفن التي عملت مدرسة الدار البيضاء على مأسستها حتى أصبحت عملة التداول بين الأساتذة (المليحي وشبعة والحميدي…)، والطلاب (الحريري والميلودي ومليكة أكزناي…)، وألقت بظلالها خارج أسوار المؤسسة لينجذب إليها فنانون عصاميون أمثال ميلود لبيض ومحمد القاسمي وآخرون… وهكذا أصبح التجريد بنوعيه الهندسي والغنائي، المسار الوحيد المتبع، الذي يحدد ملامح الحداثة التشكيلية، ويعطي الحلول المطلوبة لترسيخ عرى الأصالة الفنية، حينما تأجج الجدال حول بناء ثقافة وطنية مغربية.

يتساءل خليل لمرابط مبهوتا: ” كيف توصل فنانون يحملون رؤى فنية مختلفة، إلى تحقيق مثل هذا التجانس في التجريد الهندسي؟”
إن التجانس، عكس ما ظنه لمرابط، امتطى سنم الانبهار…الانبهار بالألوان المتوهجة والأشكال الجنسانية والزوايا الحادة، فالعلاقات والروابط توترت، وانقشعت غيمة أواصرها، إذ سرعان ما انفجرت المجموعات والتكتلات، وارتد الطالب على الأستاذ، ونَكَّس المُريدُ طاولةَ الرواد… والشاهد في ذلك ما جاء على لسان محمد المليحي، أحد المؤسسين للحداثة الفنية الستينية وأحد الأساتذة البارزين بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة: “هناك جانب آخر ينبغي التأكيد عليه، إذ يمكن أن يكون هو سبب فشل الجمعية وهي أن جميع الأفراد المنتمين إلى هذا التجمع الذي نحن منه ليسوا كلهم في نفس مستوى التفكير…وللأسف فإن بعض الشباب الذين كانوا من المفروض أن يكونوا أكثر طلائعية وأن يدفعوا بنا قدما إلى الأمام معهم لا يفعلون غير ملء الوقت، كل الوقت، بكلام عن تقدمية في الأفكار وفي التشكيل دون أن يستطيعوا تحقيق شيء من ذلك على الصعيد العملي. (جماعة 65 بين الاطمئنان والقلق، الثقافة الجديدة السنة الثانية، العدد 7، ربيع 77، ص. 44)

وفي نفس المسار يعقب محمد شبعة بقوله: “إذا حاولنا مراجعة ما ترتب عن هذه التجربة [البينالي العربي الثاني الذي انعقد بالرباط عام 1976]، (والتجارب المماثلة لها مثل معرض جامع الفنا، وبعض الأعمال في ثانويات البيضاء…ثم العمل التربوي الذي ينطلق من نظرة بيداغوجية قوية مضادة للفكر الأكاديمي الغربي)، وحاولنا معرفة ما إذا حصل هناك تقدم ما، فإننا سنجد أمامنا ما يلي:

لقد كان من المنتظر بالنسبة لنا ـ كعناصر ساهمت في هذه المبادرة ـ …أن يستفيد الشباب الذين برزوا بعدنا من معطيات تجربتنا، مع النظر إليها نظرة نقدية. كما كان من المفروض أن يكون أولئك الشباب أكثر ديناميكية وأن يدفعونا بدورنا قدما إلى الأمام، إذ كنا قد بقينا حبيسي نوع من الأكاديمية الخاصة بنا، حبيسي نوع من الدوران في عملنا الخاص، الذي لا يتقدم بالسرعة المطلوبة مثلا. لكن المدهش هو أنه لا يوجد ولا عنصر واحد يمكن أن يدفعك إلى التحرك، ويجعلك تحس بأن هناك تغيرا وإضافات ونقدا لتجربة معينة، وبأن عناصر جديدة قد دخلت إلى هذه التجربة. (نفس المصدر ص ص. 45ـ47)

الهوامش:

* بعد هذه الاستقالة عاد فؤاد بلامين، خلال الثمانينيات، حين ترأس الفنان كريم بناني الجمعية، لينضم إلى نشاطها من جديد كعضو بارز في مكتبها، وقد حضرت شخصيا عدة اجتماعات، منها المغلق ومنها المفتوح وكان بلامين دائم التواجد. أما بغداد بنعاس فغاب نهائيا من مثل هذه النشاطات، بعد هجرته إلى الديار الكندية.

المراجع:

· Zakya Daoud – Benas : « Rassembler des signes pour poser des interrogations », in : Lamalif, n° 97, Mai 1978
· Baghdad Benas, dessins – texte de Abdallah Stouky, éditions Stouky, Rabat 1980.
· Khalil M’rabet – Peinture et identité. L’expérience marocaine. Ed. L’Harmattan Paris, 1987
· Nathalie Heinich – Le paradigme de l’art contemporain. Structure d’une révolution artistique. Ed. Gallimard 2014
· Mohamed Kacimi, Parole Nomade, Editions Al Manar, 1999
· Meyer Schapiro – Humanité de l’art abstrait in Dialogue, N° 50, 4/1980, p. 44.

· محمد بنيس، حوار حول وضعية فنوننا التشكيلية – مجلة الفنون، السنة الثالثة، العددان 1 و2، أبريل يوليو 1976.
· محمد بنيس ـ جماعة 65 بين الاطمئنان والقلق، الثقافة الجديدة السنة الثانية، العدد 7، ربيع 77
· كمال التومي ـ ظاهرة التجريد في الرسم المغربي، إضاءات حول موقف عبد الله العروي، موقع سعيد بنكراد.

لا تعليقات

اترك رد