المثول التعبيري في رسوم صباح عيساوي

 

يعنى المثول في رسوم (عيساوي) باشتغالاتها المنتجة على اكثر من اتجاه واكثر من مدرسة فنية ناهلة بذلك من الانطباعية والتعبيرية والتجريدية والرمزية سبل اعتداء كحد ادنى في لوحة واحدة فاوحت بذلك المثول والتميز في رسوماتها بمنهجية المحاكاة الايقاعية للشكل والمضمون كعنوان لما تقدمه من لوحات تشبعت بالشكل قبل المعنى واتسمت بحدة الخط ولونه ضمن تكوينات ثنائية بمعنى ورود الشكل في البعض منها مكتنزا بقيمة اللون والخط على حد سواء اذ ان اللون يبدو وحشيا في التعبير عنه وفقا لا ستخدامها النقي الحار والى جانبه او بقربه اللون النقي البارد والمعزول بخط رفيع اسود اللون محققة ماذهب اليه روادها (كندانسكي ومارك) حينما لجأ البعض منهم الى التعبير عن الشوارع والطبيعة بمعالجات حادة وعنيفة في الوانها غاياتها محددة في رفض المثول الحقيقي للاشياء والتعبير عنها بما يراه الفنان مناسبا , من هنا تنطلق (عيساوي) من تاثرها الفسيولوجي في بيئتها المغربية الحاضنة واحيانا تلجأ الى الرسم برمزية وحشية فوقية لمعرفتها بأهمية أعمالها التي اصبحت وسطا ناقلا للانفعال الصارخ وموطن تأدية الاحساس وترويضه عبر التركيز على مجموعة الخبرات الفنية وترجمة مضامينها الى انماط سلوكية هادفة تتماشى وتغيير الاشكال وحجومها ونسبها فضلا عن الوانها التقليدية .

ورسوم (عيساوي) البربرية كما هو واضح من خلال رؤيتها الفنية اتاحت لغيرها اتباع منهجا واسلوبا ميلودرامي – لوني في محاولة التفرد واتباع سبل التعلم منها فهي تدعو في رؤيتها اطلاقها لرسومها معنى الايقاع اللوني المستند الى التضاد والتباين كمحاور فكرة اللوحة لديها , اذ ان الفكرة في عديد اللون الحار وتكراراته كان واضحا بكثرة حينما تماثلت في رسم العيون حادة متفرقة والوجوه متناظرة “انشطارية “والايادي مبعثرة وزينتها بخطوط منحنية ومنكسرة وانسيابية ومتعرجة حتى باتت تحكم قبضتها على انواعه في حركة الضوء على المسطح الفني دون استخدام الظل والنور كعنصر هام من عناصر بنية اللوحة , مستهلة بذلك ما يتحمله التصميم والانشاء التصويري عبر سعيها الى تضمين النافع والمضمون في شكل الخط وتباينه فضلا عن تجاهلها التعقيد وانتحالها التبسيط في التشكيل , من هنا انها اي “عيساوي ” عنيت في الانتقالات والتحولات من التعقيد والمركب الى التبسيط والتفضيل حينما صورت الطبيعة وبسطتها الى اشكال اكثر تجزئة واقل بيانا والتي تظهر هنا او هناك هي في حكم التطورات التعبيرية التي انتقاها “هنري ماتيس “سابقا, اذ لا نشك في انها انفعالات فنية والارتباط بين الحدثين السيكولوجي والفني يزامن الشعور الانفعالي بل ويستفيض ضرورة داخلية كالتي ذهب اليها “كاندنسكي” فمن الممكن ان تتمثل تلك الضرورة الارتباطية الى تعبيرية مجردة تصل الى حد اللامعقول من خلال الرموز التشخيصية او العكس المتبنى من اجله انشاء اللوحة وتؤول بالتالي الى القيمة الرمزية للخط او اللون وتهتم بما ورائهما ولا بد انها حينئذ تمثل احدى وسائل النظرية الروحية للفنانة “عيساوي” والانفلات من حدود الامتثال الواقعي الى عالم من الخيال وهو بلا شك ظل الحقيقة كمزعة فنية اسلوبية واعدة .

مما سبق ذكره يتجه المثول التعبيري لدى(عيساوي) الى التعاطف مع تصوير البيئة وهي احد المسلمات الاساسية التي طوعتها في رسوماتها حيث نرى انها تستكشف تباعدية اللون كلما اقتربت من مجاوراته وتقيم الضدية التباينية محورا للرمزية وبذات الحال تتداخل مع الاسلوب الذي تتبناه في وحشيتها وان الايقاع الوحشي جزء لا يتجزأ من قدسيته وهي بذلك لن تكون باقل من غيرها مؤكدة ان الصعوبة ليست في الانطلاق ولا حتى في النهايات وانما في فهم لوحاتها المكثفة ايما تكثيف , ولن نعتقد ان “عيساوي”تغادر اسلوبها بسهولة او تغايره على الرغم من التغريب اللوني , وهذا يحسب لها مما يجعلها في استقلالية وجاذبية اكثر اتساقا بالمتلقي عبر مفرداتها الرمزية ومنها رمزية “العين ” التي ما انفكت لوحاتها ان تخلو من وجودها وهذا يدعونا للشك بانها ترسم بعين مستبصرة وبحرية عالية قد تصل حد الاطلاق في ماماثلته باللونية النقية والمتباينة تلك الالعوالم التجريبية لدى فنانو الثورة الفنية الفرنسية في الرسم ورفضها للتقاليد وايمانها بالتجريب والبحث وهو خزين “عيساوي” الذي دأبت الى ايضاحه في الفنون الافريقية او رسوم الاطفال , ولوحتها الانموذج والتي اسميتها “تشابك” خير ما اتضحت به تلك المثولية الخطية والشكلية واللونية عبر تعدد الوجوه غير الواضحة والاقدام الناقصة والعيون المتموضعة بكيفيات متنوعة مستهلة فيها عمق التصوير من المساحات المتباعدة

في اسفل الصورة الى المتضائلة والمتشابكة في اعلاها والمكتظة بالتقارب محققة قيمة المنظور وافصاحه , هكذا تتخطى صراحة التشكيل واللون وتنتقي افكارها وتنثرها مهرجانا شبه تلقائي لتبتعد عن مجهولية المعنى وتقترب من متعة التحليل في التجرد الصوري .

لا تعليقات

اترك رد