الكابوس


 
الوحة للفنان العالمي فرانسس بيكون

عندما تصبح أجمل الاشياء الملازمه لحياتك هي نفسها الاداة التي وجدت خصيصاً لتحطيمك معنوياً وجسدياً فهذا هو الكابوس بحد ذاته.

عندما تستيقظ عند الصباح وأسرتك الجميلة المسالمة تستمع الى الاذاعة او التلفاز متهافتين على القنوات الاخبارية المزعجة ، مستبدلين بذلك صوت فيروز الملائكي بضجيج يُجلب الكأبة وضيق في التنفس وتصلب في الشرايين، فبكل تأكيد انت تحت وطأة كابوس حقيقي لا مفر منه.

عندما تجلس في المقهى تدخن علبة كاملة من السجائر المنتهية الصلاحية ، سجارة تلو الاخرى تفكر بيوم غد وانت بحيرةٍ من أمرك فأنت تعيش بكابوس مؤلم مع سبق الاصرار والترصد.

عندما تتوقع الرد على رسائلك الطويلة من أحدهم على موضوع ما ولازلت تنتظر الرد ( ورد الفعل )، ولكنك لم تستلم شيئ بعد وقد يستمر الحال على هذا المنوال لأيامٍ او حتى اشهر ،فأنت بكابوس يقطع اوصال روحك شيئاً فشيء دون حتى ان تنتبه بأنك تتلاشى والزمن يركض بك وانت لا تزال تترقب رسالة من شخصٍ ما.

عندما ترى الابتعاد على عجالة دون سابق انذار من اقرب الناس اليك او ابعدهم آلاف الأميال دون اعطاء مبررات لانسحابهم المفاجئ او شرح ووصف السبب الخفي وراء فعلتهم تلك فهذا كابوس لابد منه.

ويجب ان تعتاد على الأمر لان الأتي دائماً سيكون اما متشابه لنفس القصة او أسوء بكثير مما تتخيل. انت فقط توقع الاسوء كي لا تُصاب بامراض القلب يوم لا ينفعك مواساة صديق ولا غريب قد تلتقيه صدفة في السوبر ماركت او وانت تركن سيارتك امام منزلك فترى جيرانك هو الاخر عائدا الى منزله بعد انتهاء عمله فهو بالكاد سيرفع يده للاعلى من بعيد ليلوح لك بسلامٍ عابر هلو مثلاً ويدخل مسرعاً دون ان الالتفات اليك ولو للحظة حتى، او البحث عن طبيبٍ متخصص ليخفف عنك وقع الصدمة في نفسك و التوتر لبعض الوقت وذلك باعطائك علاجا مؤقت مفعوله السحري قد يدوم ليومٍ كامل او بعض ساعاتٍ فقط ثم تعاودك اضطرابات التفكير مره اخرى ويداهمك شبح التخيلات والتوقعات والشك بكل ما هو من حولك او بعيداً كل البعد عنك فقط لأنك تريد ان تفهم ما الاسباب التي جعلتك قابلاً للترك، تحوم حول نفسك وانت تتسأل كالمجنون : ما الذي اقترفته حتى اختفى عني فلان ولم يعد يكلمني مجدداً؟ ويستمر بك الحال حتى تصبح في خبر كان ولن يلتفت لحالك أحد حتى في يوم اعلان خبر جنازتك ، وربما من سيعطف عليك حينها، سيحضر مراسيم الدفن كما وسيلتقط عدة لقطات عن طريق الاي فون على طريقة السيلفي وسيقوم بنشرها على كافة وسائل التواصل الاجتماعية الأدمية منها او اللاادميه وسيكتب على تلك الصور ( المرحوم كان من اعز الناس بل واقربهم الى

قلبي )، والاغرب من هذا هو القطيع الذي ينجذب الى هكذا تصرفات فيتشاركون الاعجابات والاراء بكل وقاحة متناسين تماماً بانهم ليسوا مخلدين وقد تكون خاتمتهم ابشع وتفوق كل التوقعات لو كانوا بمحل الميت الذين سخروا منه واصبح موضوعاً للرأي العام في سابقة تعد الاغرب حتى من التمثيل بجثة!

عندما تستمع الى خطاب جمهوري قديم الصنع ويأتيك رئيس الدولة الفلانية بمجموعة من وعود وهمية واحداث كاذبه لا تمت الى ارض الواقع بصلة لكنها تعود الى كوكب المريخ وهنا لا اقصد الاستهزاء لا سامح الله بل على العكس تماماً ، كوكب المريخ يُعد كوكباً أصيل لديه من المتابعين على الكره الارضية الملايين، يتطلعون اليهِ عبر الناظور ويوبخونه ليل نهار لأن قائد كوكب الارض يزاحم شعب المريخ على منظومة حياتهم. وهذا مما لايروق الى سكان الارض طبعاً، فتارةً يغضبون وتارةً يرددون شعارات رنانة تمتدح او تذم من هم في الارض او السماء ومنهم من يصب مجمل غضبهِ واحقادهِ الدفينة على كوكب يراقب المسرحيات الخيالية ، المتخمة بالكثير من السيريالية الحاصلة مع هؤلاء الغجر يضحك عليهم بصورة هستيرية مردداً بينه وبين نفسه مايلي:

( أنتم يا سكان الكرة الأرضية، بأشد الحاجة للفرار ألي ولكنكم لا تستطيعون.. مستمتع أنا لما يجري معكم، هذا يجعلني اكثر تميزاً واكثر يقيناً انا ورفاقي الكواكب الاخرى بأنكم لن تستطيعوا الهجرة الينا مع انكم بأمس الحاجة لنا ولكن أرى ان كوكب الأرض لو ضاق بكم العيش والموت على سطحه فهو لديه المتسع بأن يطمركم تحته وتلك المساحة لا تُقدر بثمن ولا تنضب بل هي تتسع على عدد الثواني وهذا هو سر من الاسرار الغيبية ( الخيالية ) التي خولنا خالقكم بمعرفتها وانتم جاهلون لهذا الأمر.. بالتأكيد جاهلون ومغيبون عن واقعكم لأنكم تستمعون الى بياعي كلام يمتصون غضبكم متى ما ارادوا ويحركون غضبكم متى ما اعجبهم الأمر.. الخطابات الجمهورية .. المنابر الدينية هي التي سترميكم تحت قاع الأرض ..كلما استمعتم اليهم اكثر كلما غرقتم اكثر فأكثر في دوامة العدالة السماوية التي غفلت عنكم منذ سنين عجاف وماكنة غسيل الأدمغة لازالت تعمل بطاقة مخيفة وكأنها تتناول عقاقير او منشطات جنسية وماشابه ذلك كي تبقى مواكبة معكم وتجركم الى نهايات متوقعة ) – عن لسان كوكب المريخ ورفاقه النبلاء بل وهذا ايضاً يُعد كابوساً أخر ينضم الى قافلة الكوابيس التي لا تعد ولا تحصى ضمن دائرة المجموعة الشمسية في مجمع ابحاث الخيال العلمي لهوليوود وضواحيها.

وهناك كوابيس اخرى لازالت قيد التنفيذ ومنها ما أكل الدهر عليها وشرب ومنها لا يزال يسري في عروقنا يومياً كواقع حال لحياةٍ اخترقت بطابع الروتين المزهق للأرواح الذي شأت ام ابيت سأتطرق اليه في فصول قادمة لو قدر الله لي بذلك.

لا تقلقوا لدينا الكثير من المأسي الواقعية التي يترجمها نحن المثقفون والمستثقفين منا الى مصطلح الكابوس، الاحلام المزعجة او احلام اليقظة المفزعة وماشبه ذلك من مسميات لترجمة غرابة اطوارنا وايقاعات الهلع التي تكاد ان تسيطر علينا وعلى ايامنا العادية مهما حاولنا التظاهر باننا على ما يرام فملامح وجوهنا الشاحبة ما هي الا انعكاساتٍ لأرواحٍ مثقلة بالهموم والتعب والاحزان اللامتناهية.

وحتماً سوف تكون لكوابيسي وكوابيسكم تتمة.

لا تعليقات

اترك رد