” العقل العام ” كفاعل جديد في الثورة والتاريخ

 

ليست تنحصر ظاهرة ما اصطلح عليه بالربيع العربي وتعقيدات مشهد التحول التاريخي التي واكبتها، في ذلك الصلف والتصلب للنظم القديمة في الاستجابة لمطالب الجماهير بالتنحي وترك التاريخ يأخذ مجراه في منعرجه الآخر تداعيا لفيض الوعي الجديد، ما أدخل بلدانها في دوامة أزمة وجود وطني خطيرة، بل فيما طرحته من معطى عضوي جديد في سيرورة البُنى الاجتماعية وشاكلة تفاعلها وتفعيلها حين مست بتراتبية الفاعل الاجتماعي، السياسي وخاصة لدى النخب، وهذا عبر تموقع جديد للعقل العام في معادلة قيادة وسيادة مصير المجتمع وتقهقر العقل النخبي على مستوى صناعة الوعي وصياغة الخطاب إلى الخلف، بل لقد تبدى في مواقع ومواقف عدة النخبوي عالة على مسرى التغيير الذي تنشده الشرائح المجتمعية من خلال مطلبيتها الموحدة والمتحدة، كما ظهر في الحالة الجزائرية حيث حاولت بعض النخب اختطاف الحراك وركوبه في سبيل تحقيق مآربها الخاصة ومطالبها الأيديولوجية القديمة.

فكيف غير حراك الشارع العربي من هرمية البُنى المجتمعية وأعاد تشكيل تراتيبتها؟ وعلامَ ارتكز في ثورته تلك؟ وهل سيكون لذلك أثره في الوعي الوطني مستقبلا؟

ما سيحتفظ به التاريخ كقصب السبق للشارع العربي هو توظيفه الذكي لتكنولوجيا الاتصال والتواصل الحديثة المختزلة للتاريخ والجغرافيا في الثورة على الواقع برمته باعتباره واقعا مفعما بسلط عدة رمزية ومادية قاهرة لمسار اندراجه في العصر، فتوظيف هذا المعطى التاريخي العلمي الجديد في إشعال أوار التغيير المستمر بتطور منذ بداية العقد الثاني من القرن الحالي، يظل في حد ذاته شكلا من أشكال الوعي بخصوصيات وأدوات العصر، وأهميتها في تحقيق التحولات المأمولة على الصعد والنطاقات بكاملها، ودلالة التزام الشاب العربي بقضاياه الحيوية من خلال تسييس أدوات التواصل كان مقصد مخترعيها متوقف عند الجوانب الاجتماعية والعاطفية، فما سمي بمواقع التواصل الاجتماعي استحالت إلى مواقع للتواصل السياسي ثم الثوري، بمعنى أن مسارب السرية التي كانت تعيش فيها المعارضة العربية الكلاسيكية وتُلاحق فيها عبر المكان الطبيعي تحولت لدى الجيل المعارض الجديد للأنظمة إلى المكان

الافتراضي وهو ما شكل نقلة نوعية في القصة المأسوية للسياسي المعارض مع السلطة القمعية.

بيد أنه ينبغي هنا التنبه عدم اختزال عبقرية الحراك الشباني العربي في رفض الوضع السياسي والوطني القائم منذ جيل التأسيس القطري الأول لنما بعد الاستقلال، وفرض التغيير الذي تتطلبه مقتضيات الوعي الجديد والمُجدد، على مجرد التوظيف السياسي لأداة العصر التكنولوجية، بل لقد طرحت القدرة العجيبة على التحشيد والتعبئة الشعبية جملة من الملاحظات التي ينبغي إيلاءها ما تستحق من تدبر وتأمل، وأهمها أنها تجاوزت مستوى الوظائفية والوسائلية في خلق ديناميكية ثورية إلى مستوى التجديد الهرمي في بنية المجتمع الثقافية السوسيو اقتصادية.

إذ لم يعد المثقف المتعلم، كما كان في السابق، ذلك الفارس المتعلم ومعلمي الذي يمتطي جواد المعرفة ويتصدر بهيبتها خطابا وممارسة، جحافل الرفض الصامتة الخائفة، في وجه الظلم والجهل والإفقار، فبعد ستة عقود من تحرر القُطريات العربية، لم تتمكن نخب الخطاب والتفكيك من قلب معادلة الوعي المصادر في أقبية السُلط العسكرية منها والعسكراتية المستأثرة بأرصدة الأمة المادية والرمزية، ليظهر مع ظهور تكنولوجيا الاتصال وما أفرزته من انفلاق في صورة العالم بين مجالين أحداهما ظاهر سُمي بالطبيعي وآخر مواز، نُعت بالافتراضي، عقل جديد جدير بالتسمية بالعقل العام أو العمومي الناشئ من تفاعل رهيب لمستويات عدة من الوعي داخل الحوض الافتراضي الكبير، أفضى هذا الاندماج الخطير للتفاعلات الوعي المتفاوت والمتوافق إلى إعادة تشكيل بنية الصف الواعي في المجتمع بشكل حير الدارسين.

وهكذا تقهقر النخبوي الخطابي إلى الخلف بعدما ظل في صدر معركة صناعة الوعي ويستحيل الصف نفسه من العمودية إلى الأفقية ما أربك كل الحسابات والمعطيات لفرقاء ورفقاء لحظة التحول التاريخي الكبرى التي يشهدها العالم العربي والتي قد تغدو كونية من حيث المفهوم والوسيلة، في ظل ما يتداعى من موجات ارتدادية لهذا الحراك المستمر.

إن تخلف الوعي النخبي في حركة التغيير الشعبي العربي المتفجر في قرية سيدي بوزيد النائية بتونس، وعدم قدرته على تصدرها لا بل وعلى حسن قراءتها حتى، لدلالة على أن نطاق الاشتغال على الوعي قد غيرته تطورات الحالة التكنولوجية وصارت

والوسائل والوسائط الكلاسيكية التي حفل بها العالم الطبيعي غير قادرة ليس فقط على التعبئة والتحشيد الجماهيري بغية فرض التغيير على نظم الاستبداد والاستعباد، بل لخلق خطاب سياسي وطني جديد يقفز على معلبات الحزبيات من إيديولوجيات صادمة، متصادمة ومتخاصمة، وبذلك يمكن القول بأن “العقل العام” بات يشق طرقا أخرى في إعادة صياغة “الوطنية الثانية” في فضاء المكاني والزماني العربي، التي ستحل محل وطنية الوهم والوهن التي تبنتها نظم الاستقلال وعجز العقل النخبي عن تجاوزها بسبب انشقاقاته وتشققاته وتصارعيته الفكرية والمذهبية والإيديولوجية.

فإذا كان العقل النخبي قد اعتمد في خطابه للمجتمع على صور الفكر المجرد الناقد والناقض نظريا لواقع الأمة، بعدما فصل السياسة عن الفكر وفك ارتباطه بالنضال العملي الميداني، ما شق على العامة استيعابه بالسرعة والفعالية الممكنة والمرور بالتالي إلى مرحلة التغيير، فإن العقل العام المتنامي في الحظائر الشبانية والطلابية خارج أنساق المعارف الموجهة ودورها، الرؤى السياسية المثالية وأحزابها، تغذى من ثورة الصورة والصوت المتدفقان من أنهار الافتراض، جعله يختزل المسافات ويقلص المساحات التي ظلت تفصل الشعب عن أحلامه وطموحاته، هذا ما لم تستوعبه الأنظمة العربية وباغت النخب ذاتها بشقيها المعارض والموالي لتلكم النظم الواهية.

على أنه ينبغي الإشارة إلى أن هذا العقل العام ليس يقوم مقام العقل النخبي بالمرة، بل هو مدين بشكل كبير له على مستوى الإنضاج المعرفي الابتدائي ويشكل جانبا من سببية انبثاقه و بروزه، وهو إذ يتحرر مما يكبل العقل النخبي من الحمولة النظرية والقيود الإيديولوجية وقوالب النضال والاشتغال الوطني الكلاسيكي، إلا أنه يظل أدنى من أن يستوعب ثقل التاريخ ويخوض بالتالي معاركه الكبرى، وما مأزق الحالة الجزائرية لخير دليل على دلك، فما بين قوة الشارع المطلبية وضعف الترشيد النخبي لتلكم المطالب بما يمكن من بسطها بموضوعية على الواقع يظهر التاريخ متوقف متوجس في مجراه، وعليه يتوجب التواضع من العقلين والعمل على تحقيق شرط التغيير الذي قضت به مرحلة الوعي الشعبي العام.

المقال السابقالكابوس
المقال التالىصورة المرأة في قائمات حركة النهضة الانتخابية : اختيار أم اضطرار ؟
بشير عمري كاتب صحافي جزائري.. يشتغل على نقد الخطاب السياسي، بالإضافة لاشتغاله في حقول الأدب والفن نقدا وإبداعا يكتب في القصة القصيرة والرواية... عمل بالعديد من الصحف الجزائرية، ويساهم في عدة دوريات عربية وأجنبية. حامل لدبلوم في الاقتصاد التربوي، من المعهد التقني للتسيير. صدر له: 1) حول ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد