أيها الحب مساء الخير


 

أهرب مِن الآتي إلى ماضٍ لا أثر أو صدى لأسمه أنتظرك، مرّةً أكون محطةً لأنني مللت الأنتظار، ومرّةّ طريقاً ضيق كصوتي، ومرّة جباناً لأنني لست قادراً على كتابة القدر كما نصوص المراهقات الرديئة، أذكر مرّةً أنقلبتُ دماً فقط لتعي الحرب التي أخوضها، لكن نظراتك الباردة قرأت الدم ماءً، كنت تحول الحروب والحيوانات والأعشاب بنظرةٍ إلى حروبٍ و حيواناتٍ و أعشابٍ، أترين كم أتعدد و أنا في أنتظارك فالحب أن أنتظرك حتى لو أننا تحولنا وهماً أو مساءً نازح أو شخصين يرون العالم بعينين متسختين مِن شباكِ الأخبار في الجريدة.

حين عدتُ أقرأ تاريخ أجمل المدن القديمة وجدت اسم الأنبار وقتذاك قد كان فيروز شابور، و يوم قرأت مذكرات أبي وجدته موظفاً بارعاً لدى السلطات الحكومية في صناعة الأسلحة، السيدة أمي كانت تعمل جاهدة لأيجاد طريقة غير مبتذلة لأفتعال مشكلة على وجبةِ الطعام لأن عدد طارقيّ باب منزلنا بزدياد متواصل يطالبون بالديون، كما تعلمين في تلك المدينة لا يوجد شيئاً بالمجان حتى أيمانك تتلقاه من رجال دين عرفوا كيفية توظيف لحاهم بغية تَغيّب عقول العامة.

كان حبُّك أكبر من أن تُكتب فيه القصائد، أو يُعرض للناس كقرارات السلطة أو القصص و المعجزات، قد كان أشبه بالأشياء التي تأخرت عن الموعد، كان حبُّك أكبر من تعريف الضوء لذلك انطفئ ليعلمنا البحث عنه وسط الظلمة في الأغاني و الأماكن و العطور، حبُّك الشيء و نقيضه.

التاريخ و الحب و القانون مثل الشعراء قابليّن للكسر و الكذب و التضليل فالحب أن لا تفهم شيئاً و القانون لا يحمي من لا ظهر له أما التاريخ فهو مع الزمن بالأمكان أن يكتبه بائع الغاز أو يؤطره أصحاب الكروش الكبيرة بأطارا من الكلمات الرنانة فيصبح تاريخاً و كما تعرفين بأن التاريخ لا يعيد نفسهُ لكن أنا الذي ما زال ينتظرك.

مذ كانت آواني حليب طفولتي فارغة كنت أحبُك سراً، لم أكن أعرف الحب و حينما غرسوا الحقد في طين أرواحنا كنت أحبُّك سراً أيضاً، حتى و إن طال الليل فأنا مع الذين يؤمنون بأن آخره نهار، و إن غادرت الصدفة محطات القطار فأنا مع الذين ينتظرون من لا يأتِ، حتى و إن مات الحنين إلى المدن التي لم تكتشف بعد، أنا أحتفظ بك في خيالي مدينةً و أسماً و رسالة حب ورقية.

أيها الحب مساء الخير، أيها الحب ها قد عدت أُكلم نفسي كالمجنون ثانيةً، أيها الحب لقد تلطخَ عمري بالوهم و القرارات و الأوامر، يا حب ما ضر هذه الليلة لو تركتني من غيري ماضٍ بلا ثياب دون قائمةِ تفكير في الوطن المنهوب و قبعة القانون المثقوبة، أيها الحب القانون هنا أصلع مثلك لا يمكننا الأمساك به أو حتى فهمه.

لا تعليقات

اترك رد