سعدالله إبراهيم يرتل أناشيد الطبيعة


 

سعدالله إبراهيم (2015-1951) ، إبن مدينة ديريك السورية ، التي ترمي رأسها بهدوء على صدر دجلة ، في تلك الزاوية القصوى من شمال شرقي البلاد ، الزاوية التي تجمع الحدود الثلاثة ، السورية ، العراقية ، التركية في عين واحدة ، في هذه المدينة العذبة كعذب دجلة التي تمر من حوافها و كل منهما يسقي الآخر بالطيب كعاشقين ينتظم قلبهما بإيقاعات قد تكون سيمفونيتهما الأعذب ، في هذه المدينة العاشقة فتح سعدالله إبراهيم عينيه، و على مدار أربع و ستين عاماً بقيت تلك العيون مفتوحة و هي تلتهم طبيعة ديريك ، ليترجمها فيما بعد إلى أعمال تحمل إسمه و تكون شهادته عن الجمال المحسوس لطبيعة ديريك ، الجمال الخلاب الذي رفعه بمستواه الإنساني الرفيع ، و بذوقه المدرك للبصيرة دوّن بالألوان جمال الخارج في أقصى درجاتها ، و جمال الباطن في أعظم مواصفاتها و أكملها ، فسعدالله و بموجب مقتضيات الجمال الحسي و الملموس معاً ، و ما تحمله من مستوياتها المتعارفة عند غالبية الناس ، فهو يجمع بينهما بالتناسب بين روحيهما ، و كأنه يجمع بين روحي المحب و المحبوب ، حتى يفضي إلى ذروة الكمال اللائق بهما .

سعدالله حاله من حال عمر حمدي في بدايات مشواره مع اللون فكلاهما كانا يعشقا اللون بجنون ، و في زمن كان الإقتراب من الرسم ذاته جنوناً ، و كلاهما عاشا في مدينة لم يكن فيها إلا دور سينما يعملا فيها كخطاطين لسد رمق الحياة و اللون ، فيه فسعدالدين تحول حينها إلى نجم تذاكر لسينما دجلة في ديريك لكثرة البوسترات التي كان يرسمها لنجوم السينما آنذاك ، من هنا خطا سعدالله الحياة الفنية كجزء صغير من الممكن أن يشكل بداية الثقة بنفسه و بريشته ، فهو يعيش في عالم ليس سهلاً قبوله ، و تتلخص بالموقف الديني و الإجتماعي من الرسم ، رغم ذلك ، فالذي يسكن اللون فيه ، لا بد أن يجري منه كنهر ، و سعد الله هكذا كان ، شكل نهراً آخر ينبع منه و بالتالي من ديريك ، فخرج بالنهر إلى الطبيعة ، ملقحاً بينهما ، مصوراً حالة الغرام بينهما ،فخرج بأعمال جلّها تحكي سيرة عشقه لديريك وطبيعتها ، فمعيار العشق ذاته ، و بتناسق حسن يرتل باللون أناشيد الطبيعة ، بسكينتها ، وبأنها كلمة الله لنا ، ففيها من القدسية ما يجعل سعدالله يقف بخشوع و هو يلتقط مفرداتها المبعثرة في كل مكان من ديريك ، فأعماله تكمل كلمته بأن الجملة البصرية فيها من الإيحاء و التأمل أكثر بكثير من الجملة الكتابية ، و بذلك أصبحت لوحته تعتمد على الإشارة أكثر من العبارة ، بمعنى آخر فهو يتقصد مكابدة الوصول في رحلته الفنية المرتلة هذه ، فهو يتوق وبعين القلب أولاً ، وبعين الرأس ثانياً إلى الكشف عن صفات الباطن و حملها إلى السطح لتقترن بصفات الظاهر و هنا تظهر الصورة لوحة أكثر أهمية بوصفها معبراً عن الجمال و تجلياته ، و بوصفها حقيقة مرتبطة بتطهير النفس ودلالاته الخفية ، فالمسألة أن ما يندفع إلى السطح يحتل مكانة خاصة في تجربة سعدالله ، و على نحو أخص البعد الزمني للأشياء الحسية ، و كخطوة أولية يدخل جوهرياً طبيعة تلك الأشياء ، و يحدد الحق الذي من الممكن أن يتمايز في حرثه ،فهو لا يترك جمال الأمكنة

في ديريك أن يمكث في ظلمة النسيان ، و لا يتجاهل ما هو راسخ فيها ،كطبيعة وكتاريخ ،فقد واجه الضوء في فضاءاتها الواسعة ،والممتدة إلى اللانهاية ،الفضاءات التي لم تشوبها أية مسحة من تهافت الإستغراق في عالم تتآكل فيه روحانية الإنسان ، و يرتاد سهولها ، وهضابها ،نهرها وحقولها ،علّه يكشف عن مكنوناتها و ينفخ فيها روحاً جديدة ، ويصفى عليها ما أمكن من تفاريع جمالية تبعث على الموسيقا والسرور ، الأمر الذي حذا به أنه لا يكتفي بإستحضار مرادفات لمظاهر طبيعية التي يمكن أن يعول عليها وحدها ، بل يلحظ في الأشياء ، و يقبض على إشاراتها ليعبر عن جوهرها دون أن تنفلت منه تلك التصنيفات المومى إليها ، فإن الجدير بالإنتباه هنا أن سعدالله يظهر حساسية عالية بإتجاه الجزيئات الطبيعية التي تلازم مجمل المسائل التي تشغل عمله ومفاصله ، وكأنه في تناغم مع أسطورة الخلق في مسالكها ، وهو يستهل حقله (المعرفي/ الجمالي) من إمتداد بصيرته في المكان ، من جحافل الضوء و هي ترتفع كممالك من خيال تم تشييدها من خيام علىضفافنهرصغير ، على شكل غير مألوف ، في عالم من الصفاء كحصيلة زمكانية غنية بالإيماءات التصويرية ، وبالدهشة الممتلئة بالتجربة والبحث ،و كأنه يلخص مراحل زمنية لعالم ليس فيه غير تلك الجماليات البصرية على إمتداد الشهق و النبض ،والتي تجمع في ثناياها أطياف لونية وشكلية ، وبتقنيات مختارة ومشبعة بالمكان ، دون أن يرتابه تلك التأرجحات التي قد تظهر على شكل هيولى لونية تلف التجربة برمتها.

سنوات من الإنطباعية ،تقترب من نصف قرن ،وسعدالله إبراهيم يشتغل عليها ،يؤرخ المكان ،وينطق ديريك وما يحيط بها ، وبلهفة يرسم ملامحها ، و بأبجدية خاصة به يوضح هويته ، و بها يمضي لسنوات طويلة ،نحو لوحة لم تكتمل معه ،نحو طبيعة بقدسيتها ،وجمالها ،ممتلئاً بالموسيقا والشوق ،حاملاً فراشيه وألوانه ،فديريك بالنسبة له لوحة مفتوحة ،لوحة متجددة علىإمتدادالزمن ،مهما إشتغل على إظهار مفاتنها ، فهو يدرك بأن الذي لم يصل إليه سيكون الأجمل

لا تعليقات

اترك رد