ما بين الطغاة ومعلميهم ؟


 

تعكس العلاقة بين الحاكم والمعلم العلاقة الإشكالية بين السياسي والمثقف. وكما هو معروف فإن العلاقة بين السياسة والثقافة علاقة ملتبسة تأخذ رداء التناقض ومظاهر التوتر على الأغلب. فالسياسي يستميل المثقف والمثقف ينتهز السياسة سعيا إلى تحقيق الامتيازات ، وقد يلجأ الحكام إلى معادلة العصا والجزرة في احتواء المثقفين والثقافة وهذا ما نراه سائدا في الساحة السياسية الثقافية في البلدان ذان الصبغة الاستبدادية الشرقية المعروفة. ومهما يكن الأمر فالمعلم ينتمي إلى الثقافة كما ينتمي الحاكم إلى السياسة. وضمن أسار العلاقة بين المعلم والسياسي المتعلم تنطلق السرديات لتخبرنا بأن المعلم كان دائما يحتل مكانته الخاصة في نفوس تلامذته وإن كانوا من عتاة الطغاة والسلاطين. وكان الطغاة عبر التاريخ يجلّون معلميهم ومربيهم مهما بلغوا من القوة والسيطرة والسلطان. وفي دائرة هذه العلاقة يمكن أن نقع على استثناءات تاريخية نجدها ربما في مواطن حياتنا السياسية المترفة بالطغيان.

كان الإسكندر المقدوني مبجلا لمعلمه أرسطو ومعجبا به، وكان أرسطو المبجل حاضرا في كل جلساته وحواراته، ولم ينفك في الإشادة به وتعظيمه وتبجيله على مر الأيام. ويذكر المؤرخون أن الإسكندر المقدوني دعا أرسطو إلى مرافقته في غزواته شرقا ولكن أرسطو المعلم الأول استأنف ورفض وانصرف إلى علومه وفلسفته، وكان الإسكندر يراسله مستنصحاً ومسترشدا به في كل أمر من أمور الإمبراطورية المقدونية التي انتشرت إلى مطالع الشمس شرقا. وقد استغرب المقربون من الإسكندر حبه العظيم وتوقيره الكبير للأرسطو بل لمبالغته في تمجيده، حتى أن أحد أصدقائه المقربين منه سأله يوما: ما لي أراك أيها الإسكندر تمجد أرسطو وتعليه مجدا على أبيك ؟ فأجابه الإسكندر: والدي الملك فيليب منحني الحياة الفانية، أما معلمي أرسطو فقد منحني حياتي الخالدةالباقية. وهذا اعتراف من الإسكندر بتفضيل معلمه أرسطو على أبيه. وكان يرى أرسطو ملهما له في أمجاده وانتصاراته.

وهذا العلاقة الخلاقة بين الحاكم متواترة في التاريخ والسرديات. وليس غريبا ضمن هذا السياق أن يقوم الرئيس الروسي بوتين بزيارة أستاذه ذات مرة إلى منزله مقبلا يديه في إحدى المرات على مرأى من الإعلام. وفي مرة أخرى عندما شاهد بوتين معلمته العجوز بين حشد من الواقفين، ما كان منه إلاّ أن خرق البروتوكول وسط دهشة مرافقيه وحراسه، وذهب إلى معلمته وعانقها وعانقته وهي تبكي، وأخذها وهي ترفل بجانبه وسط إعجاب الحضور وكأنها ملكة أو أميرة البلاط الروسي. وهذا هو الطاغية الأمريكي ترامبيراسل معلمته بكل احترام وتقدير وهي التي لم يكن منها إلا أنها انهمكت بتصحيح الأخطاء التي ارتكبها في كتابته للرسالة.

وبالمناسبة فقد جاء في الأخبار “أن معلم المأمون كان يضربه بالعصا دون سبب، فسأله المأمون: لِمَ ضربتني؟!، فقال له المعلم: اسكت. وكلما أعاد عليه السؤال، كان يقول له: اسكت. وبعد عشرين سنة تولى المأمون الخلافة، عندها خطر على باله أن يستدعي المعلم، فلما حضر سأله: لماذا ضربتني عندما كنت صبياً؟!، فسأله المعلم: ألم تنس؟!، فقال: والله لم أنس. فرد عليه المعلم وهو يبتسم: حتى تعلم أن المظلوم لا ينسى، وعاد ينصحه قائلاً: لا تظلم أحداً، فالظلم نار لا تنطفئ في قلب صاحبها، ولو مرّت عليه الأعوام. وقدكان بمقدور المأمون أن يعاقبه فما كان منه إلا أنه ازداد له احتراما”.

ولنذهب مجددا إلى ألمانيا إلى السيدة ميركل صانعة الأمجاد الألمانية التي عرف عنها بتقديرها الكبير وتعظيمها للمعلم. ففي مرة طالبها الأطباء والمهندسون ضمن وقفة احتجاجية بزيادة رواتبهم أسوة بمعلميهم، فأجابتهم: هل يمكن لنا أن نساويكم بهؤلاء الذين علموكم وصنعوكم ؟ وكانت إجابة مفحمة لهم وملجمة.

وعندما ننظر واقعنا العربي نجد نماذجا غير مبشرة في علاقة الحاكم بالمعلم والأستاذ. ففي لقاء بين رئيس عربي وبين وفد من أساتذة الجامعة تحدث الرئيس عن أوضاع الجامعة وعن دور الأستاذ الجامعي في نهضة البلاد وصون كرامتها ثم نبّه سيادته إلى التقصير القائم من قبل أساتذة الجامعة في مجال أداء دورهم والتضحية من أجل وطنهم. واسترسل مستنكرا سلوك أستاذ جامعي هاجر إلى خارج البلاد، فقال لهم : لقد نبا إلى أن أستاذا جامعيا غادر البلاد هاجر واغترب!، ثم استأنف وهو في غمرة الضحك ! هل تعرفون لماذا ؟ لماذا هاجر وغاد وطنه ؟ أصيب الحاضرون بالوجوم فهم لا يعرفون القضية. ثم أجابقائلا: لقد غادر البلاد لأن حارس الأمن الجامعي صفعه على وجهه مرة أثناء مروره من بوابة الجامعة ! فهل يعقل أن يترك الأستاذ الجامعي جامعته ووطنه من أجل صفعة واحدة على وجهه !!!؟ ولم يكن أمام الوفد الجامعي المسكين إلا أن ينفجر معه في الضحك على هذا الأستاذ الجامعي الغبي المعتوه الذي خان وطنه من أجل صفعة عابرة !!!. والسؤال هنا الذي نطرحه هنا : ماذا يبقى للأستاذ الجامعي من كرامة بعد أن يصفع على بوابات جامعته؟ أي كرامة للإنسان الأكاديمي الذي يصفع على وجهه وهو يعبر مدخل جامعته متجها إلى طلابه ومريديه؟ أي بؤس هذا يا سيادة الرئيس ؟ هذه هي ثقافة الطغاة، طغاتنا وفلسفتهم في مفهوم الكرامة والحرية. فالصفع والسجن والتحقير هو نوع من تكريم المواطن في بلادنا مع الأسف !!.

والشيء بالشيء يذكر ففي السبعينات من القرن الماضي أوعز رئيس عربي للجهات الأمنية باعتقال أستاذه في اللغة العربية ،فاختطف هذا الأستاذ واعتقل واختفى! ويقال أنهم قطعوا لسانه في السجن ثم أعدم رميا بالرصاص، وهو الأستاذ هو الذي قام بتعليم الرئيس أبجديات اللغة العربية الفصحى التي برع بها. قٌتل هذا المعلم لأنه قال قصيدة يهاجم فيها الاستبداد والظلم والقتل والقهر السائد في بلاده. ولم يشفع له انه كان معلما للرئيس كي ينجو بلسانه أو بحياته.

نعم هذه هي أحوال طغاتنا بالمقارنة مع طغاتهم، طغاتهم يسجلون مجدا لأوطانهم – مع أنهم طغاة بالمقاييس التصنيفية للطاغية (ولست معجبا بأي طاغية أبدا) ، فالإسكندر كان طاغية ولكنه صنع مجد الإغريق ومجد أستاذه أرسطو. ستالين كان طاغية ولكنه بنى مجدا لروسيا وأسس لحضارتها. هتلر كان طاغية ولكنه أراد أن يبني مجدا لألمانيا ، نابليون كان طاغية ولكن بنى مجد فرنساوسطر لها انتصاراتها. بوتين طاغية ولكنه بنى ويبني مجدا لروسيا معلياً من شأن معلميه وأساتذته. هكذا يفعل طغاة العالم. أماطغاتنا فهم يصنعون مجدهم الخاص بالقتل والتدمير، يصنعون مجدا بائسا لأنفسهم، لعائلاتهم. طغاتهم يحتفون بمعلميهم وطغاتنايقتلونهم ويقطعون ألسنتهم. بؤس الطغاة، كل الطغاة، ولاسيما هؤلاء الذين يقتلون حس الكرامة والإنسانية في معلميهم ومربيهمومواطنيهم.

لا تعليقات

اترك رد